بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اقتصاد

إجابة على سؤال "أجيبلكم منين؟"

إنها أزمة توزيع الإنتاج وليست أزمة موارد

يطل علينا السيسي كوجه جديد للرأسمالية المصرية بملامح أكثر وحشية، مستخدماً نفس خطاب وحجج ودعاية الأنظمة الرأسمالية السابقة، والتي ثار ضدها المصريون وفي القلب منهم شغيلتهم وعمالهم.

أهم هذه الحجج والأفكار التي يستخدمها السيسي ويرددها كثيراً هي “أجيب منين.. البلد مفيهاش”، مستهدفاً بها بشكل رئيسي وجوهري كل الاحتجاجات الاجتماعية الاقتصادية من طرف الشغيلة المصريين من عمال ومهنيين يعملون مقابل أجر نقدي، كل صوت عالي يطالب بأقل مطلب عادل وهو الحق في أجر إنساني عادل يصون ويحفظ حياته وحياة أسرته.

تتلخص فكرة هذا المقال في مقاومة وهدم هذه الفكرة والدعاية التضليلية التي لا يكف السيسي وحملته وأبواقه الإعلامية ومناصريه عن ترديدها وإظهار مدى زيفها وخداعها وإثبات ما تحتويه من استمرارية لنفس نمط الاستغلال الطبقي للعمال والشغيلة المصريين.

أولاً: نبدأ بترجمة دعاية السيسي وهي “أيها العمال والشغيلة سيستمر استغلالكم من طرف طبقة مُلَّاك وسائل الإنتاج سواء في القطاع الخاص أو الدولة، ستستمر أجوركم كما هي يعني ستستمر طريقة توزيع ناتج عملكم كما هي … لكم الفُتات ولنا (يَقصُد مُلَّاك وسائل الإنتاج في القطاع الخاص أو الدولة ممثلة في كبار موظفيها ومستشاريهم) الثروة.. بل أننا سنزيد من ظروف استغلالكم بشكل تدريجي”.

ثانياً: جوهر مايحدث الآن:
ثورة في قلبها مطلب العدالة الاجتماعية (مقاومة الاستغلال الطبقي والظلم الاجتماعي) والحد الأدنى من هذه العدالة هو حد أدنى للأجر يكون إنساني يضمن لكل عامل ولأسرته حياة آدمية وكريمة، وثورة مضادة بقيادة السيسي (استكمالا لوجوه الثورة المضادة التي مرت على السلطة بعد الثورة من مجلس عسكري وإخوان) تسعى جاهدة بشتى الوسائل وأشدها وحشية في قمع الثورة وكل مطالبها وأهدافها وتستهدف بشكل جوهري مطلب العدالة الاجتماعية وترفض الخضوع لأي مظهر من مظاهرها، بل إن هذه الثورة المضادة تسعى فعلياً لزيادة ظروف استغلال العمال عن طريق خفض الدعم بحجة “إعادة هيكلته ليصل لمستحقيه”.

ثالثاً: الجدول* الآتي سيوضح أن الأزمة في نمط توزيع ناتج العمل وليست أزمة في الموارد، نمط التوزيع الذي يخلق عامل فقير يعمل ويكدح وينتج ويأخذ الفُتات ومالك وسائل إنتاج غني لا يعمل ولا يعرق (أو موظف كبير في جهاز الدولة يجلس في غرفة مُكييفة ولا يقوم بعمل يذكر) ويأخذ أضعاف ما يأخذه العمال:

يوضح الجدول قيمة الناتج المحلي الإجمالي (الناتج المحلي هو القيمة المضافة من سلع وخدمات، أو السلع والخدمات التي تُخلق في حدود الدولة المصرية في سنة) التي يخلقها كل العمال والشغيلة المصريين في القطاع الخاص والدولة والمقصود بالدولة هنا كل من القطاع الحكومي والقطاع العام وقطاع الأعمال العام، مطروحاً من هذا الناتج مساهمة الأجانب فيه أي التحويلات الخاصة للخارج.

وبقسمة هذا الناتج على عدد العمال أو الشغيلة في مصر نصل إلى متوسط نصيب كل عامل من هذا الناتج سنوياً (يعني المبلغ المفترض أن يحصل عليه العامل كأجر نتيجه عمله في خلق هذه السلع والخدمات سنوياً)، وبقسمة نصيب متوسط نصيب كل عامل من الناتج سنوياً على 12 شهر (عدد شهور السنة) سنحصل على متوسط نصيب كل عامل من الناتج شهرياً.

تناقض الإحصاءات مع أرض الواقع
وقبل أن نبدأ في الخطوة الحسابية القادمة سنرصد تناقض مهم سنستخدمه في الخطوة التالية، إن المتوسط المرجح لأجر العامل في مصر المحسوب من بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في عام 2011/2012  هو “1876جنيه شهرياً” في نفس الوقت الذي لم تنقطع فيه منذ ماقبل ثورة 25 يناير حتى هذه اللحظة إضرابات واحتجاجات العاملين بأجر رافعين مطلب حد أدنى للأجور “1200 جنيه شهرياً” والذي لم يُنفّذ حتى الآن، يشير هذا التناقض إلى أن المتوسط المرجح للأجور على أرض الواقع أقل من “1200 جنيه شهرياً” ويشير أيضاً إلى أن المتوسط المحسوب بناءاً على بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ينطوي على تضليل إحصائي حيث يتم حساب متوسط الأجور في كل قطاع عن طريق قسمة إجمالي الأجور على إجمالي عدد العاملين وهو ما يحتوي على الكثير من التضليل (مثال عامل أجره 1000 جنيه ومدير أجره 4000 جنيه إذن الأجر المتوسط لهما 2500 جنيه!!)، واستدلالاً من كل ذلك سنفترض أن المتوسط المرجح (الفعلي أو الواقعي) لأجر العامل في مصر 1000 جنيه شهرياً أي أقل من الحد الأدنى الذي يتم المطالبة به.

وبمقارنة “متوسط نصيب العامل من الناتج شهرياً” بـ “المتوسط المرجح لأجر العامل في مصر شهرياً” أي المتوسط الفعلي أو الواقعي الذي تم افتراضه وهو 1000 جنيه شهرياً، سيتضح لنا مدى استغلال العامل من جانب مُلَّاك وسائل الإنتاج حيث أن كل هذا الفارق بين المتوسطين سيمثل العائد المنهوب من أجر العامل الشهري لصالح قوى الملكية (مُلّاك وسائل الإنتاج في القطاع الخاص والدولة).

وبضرب المتوسط المرجح لأجر العامل (الذي تم افتراضه) وهو 1000 جنيه شهرياً في 12 شهر (ليصبح الأجرالسنوي) ثم ضرب الناتج في عدد العمال أو المشتغلين الذين تسببوا في خلق هذا الناتج الإجمالي، سنحصل على إجمالي نصيب العمال من الناتج سنوياً، وبقسمة إجمالي نصيب العمال من الناتج الإجمالي سنوياً على قيمة الناتج المحلي الإجمالي (مطروحاً منه مساهمة الأجانب) سنحصل على “نسبة نصيب عمال مصر من الناتج سنوياً”، وباقي النسبة سيمثل “نسبة نصيب مُلَّاك وسائل الإنتاج (القطاع الخاص والدولة) من الناتج الذي يخلقه العمال سنوياً”.

من هاتين النسبتين سيتضح لنا نمط وطريقة توزيع الناتج (ناتج عمل العمال) وما تحتويه من استغلال للعمال وإجحاف شديد لحقوقهم ونهب مباشر وصريح لناتج عملهم من جانب مُلَّاك وسائل الإنتاج سواء القطاع الخاص أو الدولة.

جدير بالإشارة هنا أن نوضح أن صافي أرباح الهيئات الاقتصادية والأنشطة الربحية المملوكة للدولة (أي بعد استقطاع الأجور من عوائد ناتج العمل، وما تحتويه عملية توزيع هذه الأجور من ظلم بين العمال المنتجين المباشرين من جهة وكبار الموظفين من الجهة الأخرى) تُحوَّل إلى الموازنة العامة في جانب الإيرادات حيث تستخدم في تمويل مصروفات الدولة التي تنطوي على كثير من الظلم والانحياز لمصالح رجال الأعمال (وأبلغ مثال على ذلك دعم الطاقة الموجه اليهم) ولمصالح كبار موظفي الدولة ومستشاريهم (الظلم الشديد في نمط توزيع الأجور في الموازنة العامة، والمسبب الرئيسي لمطلب الحد الأقصى للأجر)، في حين أن صافي الخسارة لهذه الهيئات الاقتصادية والأنشطة الربحية يُسدد من الموازنة العامة (في شكل قروض أو مساهمات) وبالتالي يحصل كبار موظفين هذه الهيئات والشركات على نفس أجورهم المرتفعة برغم تحقق الخسارة.

ويذكر أنه إذا استخدمنا المتوسط المرجح لأجر العامل في مصر (المُضلِل) المحسوب من بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والذي وصل في 2011/2012 إلى 1876 جنيه شهرياً ستصبح نسبة نصيب عمال مصر من الناتج الإجمالي الذي يخلقونه سنوياً 35% ونسبة نصيب مُلّاك وسائل الإنتاج (القطاع الخاص والدولة) 65%.

جدول

ترجمة كل هذه الأرقام والحسابات هي “تجيب منين ياسيسي؟!” غيّر طريقة توزيع الناتج (عرق العمال) في لحظة خلقه أولاً يعني في المصنع والشركة والمؤسسة والهيئة ثم ثانياً غيّر طريقة توزيع الناتج على مستوى المالية العامة المتمثل في نمط توزيع الأجور في الموازنة وانحيازات السياسة الضريبية وقيمة وطريقة توزيع الدعم. يعني بدل ما تاخدوا 80% وتعطوا العمال 20%، أعط العمال! أنت لا تُعطي يا سيسي ولكن العمال هم الذين سينتزعون حقوقهم خطوة فخطوة، وهم الذين سيغيرون طريقة توزيع ناتج عملهم هم الذين سينتزعون حد أدنى إنساني للأجر لكل من يعمل بأجر نقدي في مصر وذلك بنضالهم المستمر ضد كل من يقف في طريق حقوقهم وحياتهم وحياة أسرهم، وسيتنزعون أكثر من ذلك بكثير، سينتزعون حقوقهم بالكامل يا سيسي.

—–

*مصادر الأرقام المذكورة في المقال: الناتج المحلي الإجمالي وأعداد المشتغلين المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مساهمة الأجانب في الناتج (تحويلات خاصة للخارج 294.3 مليون دولار 2010/2011، 308 مليون دولار 2011/2012) المصدر: البنك المركزي المصري، المتوسط المرجح لأجر العامل في مصر 1000جنيه شهرياً افترضه كاتب المقال من واقع اضرابات واحتجاجات العاملين بأجر في مصر نتيجة تدني أجورهم وفي سياق التناقض الناشيء من مطالب العمال بحد أدنى للأجر 1200 شهرياً (لم يُنفّذ حتى هذه اللحظة) في نفس الوقت الذي تقول فيه الحسابات التي تم بنائها على بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن المتوسط المرجح 1876 جنيه شهرياً في العام 2011/2012، المتوسط المرجح لأجر العامل في مصر 1876 جنيه شهرياً 2011/2012 قام بحسابه كاتب المقال من بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (وباستخدام متوسطي أجور العاملين بالقطاع العام الذكور والإناث كمتوسطي أجور للعاملين بالحكومة وقطاع الأعمال العام الذكور والإناث)، باقي الأرقام محسوبة من الأرقام السابق ذكر مصادرها.