عفواً أيها الجنرال.. هذه هي ثروتكم الحقيقية

خرج علينا الجنرال عبد الفتاح السيسي، الثلاثاء الماضي، معلناً عن مأثرته العظيمة، حيث تبرع بنصف ثروته بالإضافة لنصف راتبه الشخصي كرئيس للجمهورية “لمصلحة الوطن”. كان هذا في كلمته التي ألقاها في حفل تخريج الدفعة 108 من الكلية الحربية. يمكن أن ينسج المنافقون أو السذّج على حد سواء، من رجال السياسة والإعلام والدين وغيرهم، مئات القصص عن وطنية الرجل وإخلاصه وعن مبادراته التي تلقفها رجال الأعمال وكبار موظفي الدولة بكل ترحاب وراحوا يحذون حذوه.
فها هو السيد البدوي رجل الأعمال الكبير ورئيس حزب الوفد يعلن عن التبرع بنصف دخله السنوي لدعم الاقتصاد المصري، وها هو محمد الأمين رجل الأعمال ورئيس مجلس إدارة مجموعة قنوات CBC يعلن هو الآخر عن تبرعه بنصف ثروته لصندوق “تحيا مصر”، بالإضافة إلى العشرات من رجال الأعمال والمسئولين الكبار الذين أعلنوا عن إجراءات مماثلة.
نعم صدق ما تسمعه “هؤلاء الرجال تبرعوا لمصر”.. ولكن قبل أن تصدق، عليك أن تتساءل كيف حدث هذا؟ أليسو هؤلاء هم رجال الأعمال الذين رفضوا مشروع الضرائب على أرباح البورصة الذي قدمه الدمية القطنية الكبيرة عدلي منصور قبل أيام من انتخاب السيسي، والذي كان يقضي بضريبة قدرها 10% على الأرباح، وتعمدوا تخسير البورصة مبالغ طائلة للضغط من أجل التراجع عن هذا المشروع واستبداله بآخر يقضي بضريبة مؤقتة 5% لمدة ثلاث سنوات فقط؟! أليس كبار مسئولي الدولة الذين يبادرون الآن بالتبرع بنصف رواتبهم هم من وقفوا ضد إقرار الحدين الأدنى والأقصى للأجوار ابتداءاً من الاستثناءات التي دسها ممثلوهم في لجنة الدستور داخل المادة الخاصة بالأجور، مروراً بمماطلتهم في إقراره حتى الآن؟!
حتى نستطيع أن نكتشف ما تحمله هذه التصريحات من خداع للجماهير يجب ألا نتوقف عند هذا المشهد المسرحي، وأن نعود إلى الكلمات التي سبقت إعلان السيسي التبرع بنصف راتبه وثروته “لوجه مصر”. لقد ذكر في خطابه أنه “لا يجوز أن نطالب بأي مطالب فئوية، ومن يطالب بذلك لا يدرك أن البلد لا تتحمل”. ثم تابع بحزم: “وأقول بكل صراحة أنني لا أستطيع تلبية مطلب فئوي واحد”. إذن الرسالة التي يريد أن يوصلها الجنرال إلينا كما جاءت نصا في كلمته: “لابد من بذل تضحيات حقيقية من كل مصري ومصرية”.. عليكم إذن أن تستعدوا أيها المصريون لأربع سنوات عِجاف مقبلة دون أن تُظهروا أدنى شكوى أو أي اعتراض، لأننا حتما لن نسمح بذلك، فشرطتنا قوية وقضائنا الشامخ موجود، و”مؤسسات الدولة لا أحد يقترب منها ولا أحد يُعلّق أو يتكلم على أحكامها… حتى لو لم يتفهّم الآخرون هذه الأحكام”!
إننا لا نشك في جدية السيسي ورجال أعمال دولته في جمع التبرعات وإنشاء الصناديق الخاصة لذلك، ولكننا متؤكدون تماماً من أن الوجهة الحقيقية لهذه الأمول سيكون لإنقاذ اقتصادهم المتأزم ومصالحهم التي على المحك، مع المزيد من إجراءات التقشف على الجماهير وتجاهل تام لكل مطالبهم في ظل قبضة أمنية شديدة وأحكام قضائية جائرة سوف تتوجه في الأساس لضرب الحركة الاجتماعية. وسرعان ما سنجد مزيداً من العمال وأصحاب المطالب الاجتماعية ماثلون أمام المحاكم المختلفة بتهم التظاهر والإضراب وزعزعة الاستقرار، كما حدث مع باعة الإسكندرية الذين وجهت لهم النيابة تهمة التظاهر بدون تصريح.
نعود مرة أخرى إلى كلمة السيسي وعطيته الكبرى: “لابد من بذل تضحيات من كل مصري ومصرية… أنا أحصل على مرتب الحد الأقصى، وهو 42 ألف جنيه، لن آخذ نصفه وسأتنازل عن نصف ممتلكاتي من أجل مصر”.
عن أي ممتلكات يتحدث الجنرال؟
إن عبد الفتاح السيسي ليس مجرد رجل سياسة استطاع أن يصل إلى قمة السلطة السياسية في مصر بناء على موازين قوى معينة مدعوما بحزب سياسي مثلاً أو شرائح من الطبقة الوسطى والطبقات الفقيرة علّقت آمالاً على صعوده إلى سدة الحكم كسابقه المعزول. بل إنه ابن الإمبرطورية العسكرية، وأحد أهم مهندسيها في الثلاث سنوات السابقة، وأحد أعضاء مجلس إدارة شركاتها وشبكة مصالحها إن جاز التعبير.
لا يعرف أحد على وجه الدقة كيف تُدار الأمور داخل الشركة الكبرى المسماه بالقوات المسلحة، وما هو حجم استثماراتها الحقيقي، ولا كيف تُوزع أرباحها، ولا كم تمثل هذه الاستثمارات بالضبط من حجم الاقتصاد المصري، ولكننا نستطيع أن نرصد وبشكل واضح اتساع هذه الإمبراطورية وتغلغلها في كل المجالات الاقتصادية.
في عام 2008، أجرت سارة توبول، الصحفية في مجلة سليت الأمريكية، تحقيقاً صحفياً عن اقتصاد الجيش المصري تُرجم إلى العربية. تمكنت توبول خلال التحقيق من مقابلة عدد من الأشخاص يديرون هذه المؤسسة الاقتصادية الضخمة، وكان من بين هؤلاء سيد مشعل وزير الإنتاج الحربي آنذاك والرجل الثاني في هذه الإمبراطورية على حد قولها.
تصف توبول مقر وزارة الإنتاج الحربي فتقول: “المقر الفخم لوزارة الإنتاج الحربي هو بعيد كل البعد عن المباني المتهدمة التي تحيط بها في وسط القاهرة من الدرابزين الذهبية للسلم المركزي الضخم وحتى حاملات الأكواب الخيالية المصنوعة خصيصا للمكان. هو مكان يعج بالنقدية”.
تسترسل توبول في تحقيقها قائلة: “الوزير سيد مشعل، وهو جنرال سابق، حريص على أن يخبرني أن الوزارة تستطيع تحمل هذه التجهيزات الصارخة والمبهرجة. وعلى العموم فإن الوزارة تحقق أرباحاً محترمة. يقول مشعل أن إيرادات الوزارة من القطاع الخاص فقط حوالي 2 مليار جنيه، فالوزارة لديها 40 ألف مدني يعملون لديها، منهم من يعمل في تجميع محطات معالجة المياة الخاصة بوزارة الإسكان وكابلات وزارة الكهرباء وأجهزة الكمبيوتر المحمولة لوزارة التربية والتعليم ودروع سيارات وزارة الداخلية. وفي الوقت نفسه يعمل موظفون آخرون في إنتاج الغسالات والثلاجات والتلفزيونات والأغطية المعدنية لمشاريع البناء”.
تؤكد توبول أن كل ما يتعلق بالجيش المصري “هو مربع أسود لا تفاصيل فيه ولا يمكن الحصول على أي معلومات عنه”. وتذكر أيضاً أنها لم تتمكن من مقابلة أحد من جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، لكنها تقول أن مشعل أوضح لها أن “كل العاملين بالجهاز من العسكريين الذين يؤدون خدمتهم العسكرية، وكما هو الحال في وزارته فإن الجهاز ينتج السلع بما في ذلك زيت الزيتون والمياه المعبأة”.
تروي السيدة توبول واقعة طريفة حدثت لها أثناء لقاءها بمشعل. ربما تشير لنا هذه الواقعة برمزية شديدة التجلي إلى الملّاك الحقيقيين لهذه الإمبراطورية ومؤسساتها الاقتصادية. تقول توبول: “أخبرني مشعل أن “صافي”، العلامة التجارية الشهيرة في مصر للمياه المعبأة التي ينتجها جهاز الخدمات، مسماه على إسم ابنته… أخبرني مشعل ذلك بابتهاج وهو يشير إلى زجاجة مياه على طاولته”!
قوت الشعب
يمتد اقتصاد الجيش ليشمل كل المجالات الصناعية والزراعية ابتداءاً من الطرق والكباري، والاستثمارات العقارية، والصناعات الإليكترونية، وصناعة البتروكيمياويات، وحتى مصانع الألبان والمعلبات والمكرونة، ومزارع الدجاج والماشية، ومزارع الخضراوات والفاكهة. كما يشارك الجيش في إدارة شركات تنتج المعدات والمركبات العسكرية، بالإضافة إلى السيارات المدنية كالجيب شيروكي ورانجلر، كما هو الحال في الشركة العربية الأمريكية للسيارات التي يديرها الجيش بالشراكة مع شركة كرايسلر الأمريكية لصناعة السيارات. ويمتد نفوذ الجيش الاقتصادي إلى كافة الوزارات كوزارة الاتصالات وقناة السويس ومصر للطيران وغيره.
تعتمد هذه الإمبراطورية الاقتصادية على عشرات الآلاف من العمال المدنيين، ولكنها تعتمد بشكل أكبر على مئات الآلاف من المجندين الذين يعملون دون أجر في ظروف تشبه السخرة. ويدير هذه الشركات العشرات من الرتب العسكرية، كما تغزو المئات من الرتب المتقاعدة القطاعين العام والخاص في علاقة اقتصادية غير معروف حدودها الحقيقية.
يقول السيد ستاكر، الدكتور بجامعة ولاية كينت الأمريكية، بحسب تقرير توبول: “يمكن رؤية ضباط الجيش المتقاعدين في جميع أنحاء مستويات الإدارة الوسطى من شركات القطاعين العام والخاص. إنه يبدو وكأنه برنامج توظيف لضباط الجيش. إنهم يعرضون عليهم رواتب عالية كرشاوى لإخراجهم من الجيش وإدخالهم في عالم الاقتصاد”.
تحقق إمبراطورية بهذا الاتساع بلا شك أرباحاً خيالية تُدار وتُوزع في دوائر مغلقة لا يستطيع أحد أياً من كان اختراقها ولا الوصول إلى حجمها الحقيقي، ويمثل السيسي جزءاً مهماً من هذه الدوائر.
عفواً أيها الجنرال. هذه هي ثروتكم الحقيقية، ونحن لا نسعى لاقتسامها معكم ولا نناشدكم بالتبرع بنصفها. ففضلاً عن أننا نعلم أنكم لن تفعلوا ذلك، لأن قلوبكم “الرحيمة” ليست رحيمة إلى هذا الحد، فإننا نسعى إلى مصادرتها بالكامل لمصلحة الجماهير وبقوة الجماهير المنظمة، حينها فقط سوف ينكشف الحجم الحقيقي لهذه الثروات الضخمة التي راكمتموها أنتم وحلفاؤكم من رجال الأعمال من قوت الشعب وعرق أبنائه.
نعلم أن الطريق طويل وصعب، خاصةً في لحظة يبدو فيها وكأن ثورتكم المضادة أجهزت على الثورة وأودعتها ذاكرة الماضي.. ولكنه الطريق الذي اخترناه وليس أمامنا طريقا آخر.





