بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مصر هِبَة «الدعم»

“مش هتقدري تتخلصي منه مرة واحدة. محدش هيستحمل كده”. قالها عبد الفتاح السيسي عندما كان مرشحًا رئاسيًا موجهًا حديثه للميس الحديدي في إطار حديثه عن الدعم الذي قال إنه لن يرفعه. لماذا؟ يجيب السيسي “عايز الأول أغني الناس. بدل ما بياخد ألف، ياخد ألف ونص ألفين”.

مرت الانتخابات وفاز السيسي، وبعد شهره الأول في الاتحادية وافق على رفع أسعار البنزين والسولار والغاز الطبيعي بحجة تخفيض عجز الموازنة المتفاقم. إجراءات تستهدف منها الحكومة توفير 50 مليار جنيه مقابل حجم إنفاق هائل في الموازنة يذهب إلى من لا يستحق، وفي نفس الوقت لم يستيقظ المصريون على كنز يغنيهم عن دعم الحكومة المتواضع في الأصل.

عجز الموازنة العامة المتوقع في العام المالى 2014/2015 كان سيصل إلى 290 مليار جنيه، إلا أن السيسي رفض اعتمادها، وخرج ليعلن ذلك مطالبًا الجميع بالتضحية، وبدأ بنفسه وأعلن تبرعه بنصف ثروته – التي لا يعلم أحد مقدارها – ونصف راتبه البالغ 42 ألف جنيه، والذي كان عدلى منصور قد ضاعفه قبل تركه منصب الرئيس المؤقت.

خطة الحكومة لترشيد الدعم لم تطل الأغنياء، ولا المصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة، حتى وإن رفع سعر توريد الغاز إليها، ولكنه بقى أقل من السعر العالمي الذي تستورد به مصر الغاز لتورده إلى المصانع. ولكن النسبة الأكبر من الزيادة ذهبت إلى المواد البترولية التي ستؤثر بصور مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين حيث سترتفع أسعار السلع الغذائية، وكل ما يُنقل على سيارات، دون أن تقتصر على تكلفة انتقال المواطنين فقط.

دعم من لا يستحق
بقراءة سريعة لبنود الموازنة العام الجديدة، نجد أن ميزانية القوات المسلحة ارتفعت حوالي 30% لتقفز من 34.2 مليار جنيه في العام المالي 2013/2014 إلى 44.4 مليار في العام المالي 2014/2015، بزيادة 10.2 مليار جنيه.

مخصصات القوات المسلحة تُدرج في باب المصروفات الأخرى الذي ارتفع من 38 مليار في العام المالي الماضي إلى 49 مليار جنيه في العام المالي الجديد، ويسمي واضعو الموازنة نفقات القوات المسلحة بإسم “المصروفات الأخرى والاحتياطيات العامة”.

هذه أول 10 مليارات جنيه كان يمكن أن يتم توفيرها بدلًا من رفع الدعم، ولكن الموازنة الجديدة تكشف أيضًا ارتفاع تكلفة النقل والانتقالات العامة الحكومية من 2.6 مليار جنيه إلى 2.9 مليار جنيه، وبند النفقات الخدمية المتنوعة من 2.4 مليار جنيه إلى 2.8 مليار جنيه. أما بند البريد والاتصالات والمراسلات الحكومية، فقد ارتفع من 343 مليون جنيه إلى 911 مليون جنيه في عصر الإنترنت والحكومات “الذكية”.

مقابل تلك الزيادات، تراجع دعم تنمية الصعيد من 600 مليون جنيه في العام المالي الماضي إلى 200 مليون فقط في الموازنة الجديدة، في حين انخفض دعم التأمين الصحي من 2.6 مليار جنيه إلى 811.4 مليون في الموازنة الجديدة، وكان مخصص له 820 مليون جنيه، وتمت زيادته من عائد حزم التحفيز ومساعدات الخليج وأنفق منه حوالي 600 مليون فقط.

ويُقدر عجز الموازنة الجديدة بحوالي 240 مليار جنيه، ما يعادل 10% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين كان العجز المتوقع خلال العام المالي الماضي 2013/2014 نحو 243 مليار جنيه، بنسبة 12% من الناتج المحلي، ولكن الحكومة لكي تخفض العجز رفعت الدعم عن المواطن.

حكومة الغيبوبة تقول إن رفع الدعم سيؤدي إلى زيادة تعريفة الركوب من 2% إلى 6% لسيارات الميكروباص، ولكن رئيس الوزراء لا يعرف أن الأسعار زادت بنسبة 10% فور انتشار تسريبات الإعلام عن رفع الدعم دون انتظار دخوله حيز التطبيق!

وفي نفس الوقت، يخاطب محلب المصريين ليعطوا بلدهم هِبَة فيقول “عندما تريد الحكومة تحريك الأسعار لابد أن تحصل على هِبَة من المواطنين”.

مصر التي تعيش الآن في مناخ رخيص من الشحاتة، سواء من قطر التي كانت مؤيدة لمرسي أو جيرانها الإمارات والسعودية والكويت المؤيدين لحكم السيسي، تشحت الآن من مواطنيبها تحت شعار “تحيا مصر” و”تنازل عن نصف مرتبك وثروتك”.

دعوات السيسي ورئيس وزرائه لإنقاذ مصر تجاهلها رجال الأعمال والفنانيين وغيرهم من الأغنياء، ولم يستجب لها إلا قليل من فسدة عصر مبارك، ومنهم من يتهرب من الضرائب، في حين تحمست لها القوات المسلحة بالتبرع بمليار جنيه لحساب “تحيا مصر” ليجاور عما قريب صندوق 306306 وتبرعات محمد حسان للاستغناء عن المعونة الأمريكية.

أيام سودة
المصير المظلم الذي يذهب إليه المواطن المصري في ظل ارتفاع مستمر للأسعار وفقر في الخدمات العامة تخشى منه حتى جوقة السيسي وحاشيته. فها هو عمرو أديب يقول “البلد بدأت خطة الإصلاح الاقتصادي، وناس كتير هتتبهدل، هتاخدنا من ساسنا لراسنا، وأرجو إن رئيس الجمهورية يطلع يقول الكلام دا لأن دي الحقيقة”. فإذا كان ذوو الدخول المرتفعة يخشون على أنفسهم من قرارات السيسي الاقتصادية، فما حال البقية من الشعب!

قرارات الحكومة برفع الدعم عن المواد البترولية قابلتها توقعات بارتفاع أسعارالمنتجات الغذائية والسلع الأخرى بنسب كبيرة قدرتها جمعيات حماية المستهلك بنسبة 200%.

إلا أن رئيس الوزراء يرى أن حكومته قادرة على تحجيم زيادات الأسعار. فقبل تطبيقها يقول “الحكومة اتخذت كافة الاجراءات لكي لا يتم استغلال هذه الزيادة في تحميل المواطنين بأعباء جديدة لاسيما الطبقات الفقيرة، والهدف من الزيادة هو توجيه ما توفره من مبالغ مالية تقدر بنحو 41 مليار جنيه لصالح الفقراء والطبقات الأكثر احتياجًا”.

محلب يقول إن حكومته أجرت دراسات دقيقة للغاية عن طريق الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء كشفت عن أن هذه الزيادة في أسعار الوقود لن تحمل المواطنين سوى نسبة تتراوح ما بين 2 إلى 6% فقط، مشيرًا إلى أن الدراسة شملت مركبات الميكروباص وسيارات الأجرة والنقل الخفيف والمتوسط والنقل الثقيل.

ولكن رئيس الوزراء لا يعرف أن مصر يعمل بها أحد أفشل الأجهزة الرقابية على السلع الغذائية والأسواق. وحتى إن كانت لديه القدرة على العمل ومراقبة التجار وضبط الأسعار، فإنه يعمل حين يريد فقط بل هناك من يتواطأ مع التجار لتجنب تحرير محاضر المخالفات.

وأكبر مثال على ذلك قرار الحكومة برفع أسعار المواد البترولية؛ فقد فشلت في الإبقاء على سرية القرار تجنبًا لتخزين الوقود وبيعه في السوق السوداء بعد رفع سعره، ولم تقم بتوزيع المفتشين على محطات تموين السيارات للسيطرة على عمليات التخزين والامتناع عن البيع.

ما سبق لايعني أن الانتفاضة ستحدث غدًا على غرار يناير 1977، ولكن الأكيد أن معاناة المصريين مع حكم السيسي ستتفاقم دون تفرقة بين المؤيدين والمعارضين، وسيستمر عجز الموازنة وتراجع معدلات النمو طالما استمرت السياسات التي تحابي الأغنياء على حساب الفقراء.