بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كيف نفهم عودة “التساقط” للاقتصاد المصري بعدما تجاوزه العالم؟

ترقص السيدة الأربعينية تلك أو ذاك في عبائتها السوداء المتربة تحت نقابها، بينما العرق يتصبب منها في واحدة من أحياء القاهرة الشعبية المكتظة والمحافظة، على أنغام تصدر من مشغلات موسيقى يشرف عليها مجند عشريني باسم الثغر.

فاليوم هو يوم الانتخابات الرئاسية التي طال إنتظارها، وللنساء الفقيرات التعسات أخيراً حق الرقص وللمجندين فسحة من الوقت بعيداً عن رمال سيناء وجبالها التي تخفي وراءها الموت المحقق على أيدي “الإرهابيين”، أو شوارع الأحياء التي قد يتعين عليهم مواجهة التظاهرات فيها أحياناً.

فالفقيران ينتظران من الغد القريب “نفحة” أو “عطية”.. والأمل وحده يستحق أن ترقص له.

في مكان آخر من هذا البلد، وفي نفس اليوم، كان بيان صحفي طويل جداً يصدر من وزارة المالية ليحمل للفقيرين الخبر اليقين: لا أمل، إن كنتم تنتظران العطايا فالانتظار سيطول، لكن لا مانع من الرقص على كل حال.

إذ أوضح الوزير أنه تم زيادة مخصصات الأجور حيث ارتفعت من 184 مليار جنيه بالربط المعدل للعام المالي الحالي إلى 209 مليار جنيه العام المقبل بزيادة 13%، ونبه الوزير إلى أن الزيادة المطردة في فاتورة الأجور تجاوزت الحدود الآمنة وهو ما ستلتفت الحكومة إليه في المرحلة القادمة حسبما نقل البيان عن وزير المالية “هاني قدري دميان” . تضمن هذا البيان الإعلان عن إحالة الموازنة العامة الجديدة لرئيس الجمهورية المؤقت “عدلي منصور” تمهيداً لصدوره عبر مرسوم بقانون قبل أن يودع الرجل منصبه الرفيع بأيام ويتسلمه آخر يُفترض إنه لا يتحمل مسئولية الموازنة.

فقد أعلنت الوزارة أخيراً عن الموازنة العامة قبل نحو شهر فقط من بدء السنة المالية الجديدة 2014/2015  – تبدأ السنة المالية في مصر في الأول من تموز/يوليو، لتعلن رسميا عن إطلاق عصر جديد من التقشف الوقح بعد عقود من التقشف الخجول.

وينص البيان في ديباجة طويلة صيغت لتبرير تقليص الدعم العيني الطاقة: “السياسة المالية تستهدف زيادة معدلات التشغيل لخفض معدلات البطالة المرتفعة.. بالإضافة إلى إستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل خاصة من الشباب.. وهو ما يتطلب بالضرورة رفع معدلات النمو الاقتصادي إلى مستويات أعلى تدريجياً.. كما يستهدف مشروع الموازنة تدعيم العدالة الاجتماعية من خلال تطبيق برامج أكثر فاعلية وكفاءة لحماية الفئات الأولى بالرعاية مثل الدعم النقدي المباشر الذى يصل مباشرة لمستحقيه دون تسرب أو إهدار مثل الدعم السلعي”.

عادت إذا حكومة “إبراهيم محلب” لإعلان قناعتها بنظرية تساقط ثمار النمو بالضبط كحكومة أحمد نظيف – آخر رئيس وزراء للرئيس المخلوع حسني مبارك.

الفقرة السابقة مفادها ببساطة أن خفض عجز الموازنة – عبر إجراءات تقشفية معادية للفقراء بطبيعة الحال – هو شرط لرفع معدلات النمو وهو شرط لرفع مستوى معيشة الفقراء.

وبعدها بأيام نصب عبد الفتاح السيسي رئيساً للجمهورية، وصار عليه أن يعتمد الموازنة لتمريرها، لكنه رفض مطالباً بالمزيد من التقشف بدعوى أن المزيد منه في الأجل القريب كفيل بفتح الباب أمام الرخاء في الأجل المتوسط.

وهو ما نفّس إليه وزير المالية لاحقاً في مؤتمر صحفي الشهر الماضي للإعلان عن تفاصيل الموازنة العامة – بعد تعديلها وتمريرها من قبل السيسي – ولكن بعبارة أخرى مفادها إن ثمة ضرورة لتقشف في الأجل القصير الذي يمتد لثلاثة سنوات وبعدها يبدأ الرخاء نتيجة تدفق الاستثمارات الخاصة على خلفية التحسن في مناخ الاستثمار الذي تتعهد الحكومة به خلال تلك السنوات الثلاثة، هذا التحسن في مناخ الاستثمار هو التعبير المهذب للحديث حول التقشف الذي يضمن تخفيض عجز الموازنة من ناحية ومن ثم إقبال المستثمرين على شراء أدوات الدين الحكومي المصري، نتيجة انخفاض مخاطر عدم السداد، على نحو يضمن انحفاض سعر الفائدة عليها.

وهو التعبير المهذب من ناحية أخرى  للحديث حول  وقف المطالب الاجتماعية من ناحية أخرى ما يضمن الحد مثلاً من المطالب برفع الأجور التي تمثل – وفقا لوجهة النظر تلك – سبباً رئيسياً لتنفير الاستثمار حتى لو نجح المحتجون في رفع أجورهم في القطاع الحكومي لا الخاص.

فخبراء في صندوق  النقد الدولي مثلاً من قبيل “مسعود أحمد” الذي كان ضمن وفد التفاوض مع الحكومة المصرية  خلال السنوات الثلاثة الماضية، يرون أن رفع الأجور في القطاع الحكومي مُضر لأنه يزيد المنافسة مع القطاع ويشكل ضغطاً على الأخير لرفع الأجور فيه.

مقولات مدرسية كتلك اعترفت لجنة أمناء الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة – معقل منظري اليمين – في العام 2009 بكذبها، في تقرير “نحو توزيع عادل لثمار النمو”، والذي اعترف فيه بأن تحقيق معدلات جيدة نسبياً من النمو في الفترة التي إمتدت منذ تولي” أحمد نظيف” منصبه وإلى الأزمة العالمية 2004-2008 لم ينعكس إيجابياً على أوضاع الفقراء.

لكن اللافت أن وزارة التخطيط في نفس الحكومة التي ينتمي إليها  “دميان” أصدرت تقريراً مؤخرا أيدت ما ذهب إليه تقرير هيئة الإستثمار: “أكدت التجارب التاريخية أن إستراتيجة استهداف النمو الاقتصادي قلما تفلح في معالجة التفاوتات البينية في توزيعات الدخول وفي تحسين الأحوال المعيشية للطبقات الفقيرة في المجتمع، فقد ثبت أن العدالة الاجتماعية لا تحدث تلقائياً بالتبعية حال تسريع النمو الاقتصادي.. ولعل التجربة المصرية خير شاهد على ذلك، إذ تُفيد التطورات الاقتصادية خلال العقد الماشي إلى التصاعُد المطّرد في معدلات البطالة – رغم ارتفاع معدل النمو الاقتصادي – وكذلك اتساع الفجوة الداخلية بين فئات المجتمع، وكذلك تشير تقارير التنمية البشرية ومتابعة الأهداف الإنمائية إلى التصاعد المطرد في معدل الفقر في مصر” تبعا للتقرير.

لا ينم تقرير وزارة التخطيط عن ميل “تقدمي”، فالوزارة لم تقرر إلا ما سأم الناس ربما من سماعه لفرط بديهيته، وهو توجه عالمي على أي حال، وأفضل مثال في هذا السياق هو كتاب الإقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي “رأسمالية القرن الواحد والعشرين” الذي يشكل صرعة علم الاقتصاد عن حق لفرط رواجه.

يدافع الرجل في كتابه عن الضرائب التصاعدية من ناحية وعن فرض ضريبة عالمية على الثروة في مسعى من شأنه أن يواجه النزعة السائدة لبزوغ نمط من الرأسمالية التي تنتمي لعصور سحيقة وتتسم بملامح مخيفة من انعدام العدالة والتفاوت في الثروة والدخل.. ويُسقط “بيكيتي” وجهة النظر الشائعة والتي مفادها إن رأسمالية السوق الحر تنشر حولها الثروة والرفاهية من ناحية وإنها الحصن العظيم للحريات الشخصية والعامة. ويجادل “بيكيتي” قائلا أن السوق الحر في غياب أي آلية للتدخل من قبل الدولة لإعادة توزيع ثمار النمو ينتج أولجاركيات معادية للديموقراطية، مستندا إلى كومة من البيانات تكشف عن الفارق بين (حجم) الدخل والثروة ويصل إلى نتيجة مفادها إن التراكم القياسي في ثروة أغنى الأغنياء يرجع إلى حقيقة بسيطة مفادها إن معدل العائد على رأس المال يفوق معدل نمو الدخل.

لكن اللافت في هذا السياق، هو حديث “ديفيد هارفي” أستاذ الجغرافيا والأنثروبولوجيا الماركسي الذي نشرته صحيفة “سوشياليست ووركر” الأمريكية الصادرة عن المنظمة الاشتراكية الأممية في الولايات المتحدة.

إذ يشدد “هارفي” على أن “بيكيتي” صادق فيما نفاه عن نفسه مراراً من اعتناق الماركسية، وصولا لتأكيده أنه لم يقرأ أصلاً أدبيات ماركس الأهم، ويدلل “هارفي” على ذلك بأن “بيكيتي” لم يلتفت في كتابه إلى ما اكتشفه ماركس في مجلده الثاني من “رأس المال” من ميل معدل الربح للانخفاض على خلفية ميل الرأسمالية لتخفيض الأجور على نحو يحد من قدرة السوق لاحقاً على امتصاص منتجات الرأسمالية.

يريد هارفي أن يخبرنا إذا بأن “الإصلاحات” الضرورية التي يدعو إليها بيكيتي لإنقاذ الرأسمالية من شرور نفسها، لا تعني التحول بالاقتصاد الليبرالي إلى اقتصاد اشتراكي – والعياذ بالله.

العالم يتغير إذا، ينصت، يفكر.. لم يعد ثمة من يدافع عن “تساقط ثمار النمو” إلا من يجنون الثمار وحدهم.. أناس من قبيل أولئك اللذين استطاعوا تمويل حملة عبد الفتاح السيسي الانتخابية بمئات الآلاف من الصور والملصقات العملاقة، أولئك اللذين يزعم أنه ليس مدينا لهم.