بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أبناء الفلاحين من الحقل إلى المعسكر

منذ أيام شيّعت مصر جثامين ضحايا عملية جديدة في سيناء لينضموا إلى رفاقهم من ضحايا مذبحة رفح الأولى والثانية والفرافرة وغيرها من العمليات التي تستهدف صغار المجندين في الجيش. وفي المقابل تتخذ الدولة هذه الأحداث لفرض المزيد من الإجراءات القمعية وتمرير قرارات اقتصادية تصب في صالح رجال الأعمال وتلقي مزيداً من الأعباء على الفقراء.

هؤلاء هم أبناء الفلاحين الذين يعيشون دائمًا ليقدموا التضحية لأبناء الطبقة العليا فالحكومة تقتل أبنائهم كل يوم 100 مرة الأولى عندما يتم إلقاؤه في الصحراء لمواجهة “الجماعات الإرهابية” وبالتالي فإن مصيرة الموت لا محالة.

وعندما يخرج ابن الفلاح عن الخط المرسوم له ويتفوق دراسيا يتم وضع عراقيل أمامه لإبعاده عن الوظائف العليا فليس من حق أبناء الفلاحين الالتحاق بالكليات العسكرية أو الهيئات القضائية ليدفع ثمن آخر من الحسرة والندم على التفوق والحلم بالمستحيل.

الضريبة الأكبر التي تحمّلها الدولة على الفلاحين زيادة الأسعار يوما بعد الآخر لتزيد عليه من أعباء الحياة التي تدفع رب الأسرة نفسه إلى الانتحار بسبب الضغوط المادية وعدم قدرته على تلبية احتياجات أبنائه.

مصر التي تعتبر من أكبر الدول المنتجة للأسمدة تواجه أزمة متكررة سنويًا بسبب السياسات الاحتكارية التي تدفع الفلاح للجوء إلى السوق السوداء لتوفير احتياجاته والتي يتضاعف فيها السعر طبعاً.

وبدورها بررت الحكومة رفع أسعار السماد من 1500 جنيه للطن إلى ألفين بحجة أن مصانع الأسمدة تحقق خسائر ولابد من رفع الدعم عن الفلاح. ويتجاهل المسئولون أن إجمالي الدعم المقدم للمزارعين لا يعادل الدعم المقدم لنصف شركات الأسمدة فقط التي تحصل على الغاز الذي من المفترض أنه ملك للفلاح والمواطن المصري بسعر لا يتجاوز 4.5 دولار للمليون وحدة حرارية في الوقت الذي يصل السعر العالمي إلي 13 دولاراً.

ورغم أن شركات الأسمدة لم تعترض على أسعار التوريد لوزارة الزراعة والمقدرة بـ 1500 جنيه للطن، وكانت مشكلتها الرئيسية في عدم توافر الغاز وتراجع طاقتها الإنتاجية، وكانت المصانع تعوض ما يتم تقديمه للسوق المحلي من خلال التصدير والذي يرتفع فيه سعر الطن إلي حوالي 480 دولاراً ويصل إلى 500 دولار في بعض الأحيان، لذا فالشركات تريد كميات الغاز المدعم كاملة حتى لا تخل بعقودها التصديرية.

ولكن الحكومة قدمت عذراً أقبح من الذنب نفسه عندما قالت أن الهدف من رفع الأسعار هو توفير المنتج في السوق المحلي بمعنى أن وزير الزراعة “مش قادر يجبر المصانع على طرح إنتاجها في السوق فقال للمصانع نقرب المسافة ونرفع الأسعار”.

وتنتج مصر حوالي 18 مليون طن أسمدة سنوياً ووزارة الزراعة تحصل على 9 ملايين طن بالسعر المدعم وهو 1500 جنيه للطن، وزادت الكمية لتصل إلى 12 مليون طن بعد الاتفاق على زيادة الأسعار إلى ألفي جنيهاً للطن.

وبحسبة بسيطة فإن المصانع ستقوم بتصدير حوالي 6 ملايين طن بمتوسط أسعار 480 دولارًا للطن في الوقت الذي لا تتجاوز تكلفة إنتاج الطن 2200 جنيه الأمر الذي يجعل المصانع تحقق مكاسب كبيرة تمكنها من تعويض دعم الفلاح وتحقق هامش ربح أيضًا وبالنظر إلي نتائج أعمال شركات الأسمدة نجد أن جميعها يحقق أرباحًا خيالية حتي عندما كانت الأسعار بـ 1500 جنيه للطن.

والسؤال لماذا تجامل الحكومة الشركات على حساب الفلاح الذي تشتري منه المحاصيل بأسعار بخس ولا تقدم له أي نوع من الدعم سواء المادي أو المعنوي أو أي حماية مثل التأمين الصحي أو حمايته من تقلب الأسعار.

المعاناة نفسها تكررت عندما جاملت أصحاب مصانع الحديد على حساب المستهلك بفرضها رسوم حمائية بمقدار 7.3% بحد أدني 299 جنيهًا للطن بما ساهم في توقف استيراد الحديد والذي كان يقل عن سعر المنتج المحلي بـ 300 جنيه للطن على الرغم من تكلفة النقل والشحن والتفريغ وغيرها من مصاريف الاستيراد ورغم ذلك يصل إلي السوق بسعر أقل من المنتج المحلي.

والدولة المصرية مازلت تجامل رجل الأعمال وعلى رأسهم رجل النظام الأسبق الخارج مؤخرًا من السجن أحمد عز وأحمد أبوهشمية المتلون بين الأنظمة السياسية قبل ثورة يناير وبعدها والإثنين من أكبر منتجين للحديد في السوق المحلي على حساب المستهلك لان فرض الرسوم الحمائية لن يستفيد منها سوي حفنة بسيطة من رجال الأعمال ولن يدفع ضريبتها سوي المستهلك نظرًا لأن التجار يحملون أي زيادة على سعر المنتج النهائي.

فلماذا تتحامل الحكومة على الفقراء ولماذا يدفع الفقراء الثمن دائماً الإجابة لأنهم حتى الآن لم يدخلوا في معادلة الحكم والتي انحصرت بين الفلول والعسكر والإخوان وحتى مطالبهم البسيطة لا تنظر لها الدولة بعين الاعتبار وتستمر في محاباة رجال الأعمال المتحكمين في بنيان السياسة والاقتصاد في مصر.