بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

المؤتمر الاقتصادي المصري.. نحن نبيع “الفنكوش”

في الفيلم المصري “واحدة بواحدة”، تدور الأحداث حول “صلاح فؤاد”، الرجل صاحب العلاقات النسائية المتعددة، والذي يعمل في مجال الدعاية والإعلان، حيث يتورط صلاح في الإعلان عن سلعة ليس لها وجود تحمل اسم “الفنكوش”.

تعيش مصر أزمة تمويلية لا تغيب عن أحد، وبسببها ومنذ يوليو 2014 تمت الدعوة لعقد مؤتمر المانحين، لمساعدة مصر في سد فجوتها التمويلية، حيث تعمل الحكومة بشتى الطرق من أجل الخروج من هذا المؤتمر بأكبر قدر من الاستثمارات الأجنبية، باعتبارها أفضل الأبواب لسد الفجوة التمويلية حتى لا تلجأ للاقتراض. هكذا يرى النظام وهكذا نراه نحن مُصدراً “للفنكوش”.

عايش الاقتصاد المصري في الفترة الماضية مجموعة من الصدمات، منها ما يتعلق مؤخرا بتصريحات حول احتمالية ضعف الدعم الخليجي لمصر، أو تراجعه بشكل كبير، فيما تبارت الجهات الحكومية والوزارات في الإعلان عن بروتوكولات تعاون لإنشاء كيانات استثمارية سيتم طرحها في المؤتمر الاقتصادي، وأبرزها اتفاق بين وزارتي السياحة والتخطيط.

وترسيخاً لنظرية تساقط ثمار النمو الفاشلة، والتي كانت أبرز ملامحها المتوحشة، حينما أعلن وزير المالية المصري هاني قدري دميان، عن اتفاق المجموعة الاقتصادية بحكومة محلب على توحيد سعر الضريبة على الدخل ليكون حدها الأقصى 22.5%، في حين أن الاتجاه الذي تبناه دستور 2014، نص على مبدأ الضرائب التصاعدية.

وحسب تصريح وزير المالية لوسائل الإعلام، فإن هذا الإجراء يأتي في إطار تحسين مناخ الاستثمار بمصر، وكأن الحكومة قد قضت على البيروقراطية والفساد، ووفرت الطاقة واليد العاملة الماهرة، ولم يبق سوى تخفيض الضريبة العامة على الدخل، ليتساوي في ذلك أصحاب الملايين بأصحاب الملاليم.

كان السيسي وزيراً للدفاع حينما أطاح الجيش المصري بالمعزول محمد مرسي في 3 يوليو 2013، بعد عام واحد من وصوله للحكم، وبعد ثورة 25 يناير 2011 التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك ذي الخلفية العسكرية، حصلت مصر بعدها على دعم سخي من السعودية والكويت والإمارات في أعقاب الإطاحة بمرسي تتجاوز 30 مليار دولار، وفقاً لمسئولين بالنظام الحالي، رغم المساعدات الخليجية إلا أن المؤشرات الرسمية تشير إلى تباطؤ الاقتصاد بشكل ملحوظ، حيث لم تنعكس على معيشة المواطنين في ظل ارتفاع معدلات البطالة التي تصل إلى 13.6%، بما يعادل 4 ملايين شخص، فضلاً عن ارتفاع معدلات التضخم الذي بلغ 10.7% في نهاية فبراير الماضي، حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي.

كما جفت الاستثمارات الأجنبية والتي وصلت قبل 4 أعوام إلى 13 مليار دولار خلال العام المالي 2007/2008 لتصل إلى 4 مليارات دولار العام المالي الماضي.

أما وزير الاستثمار، أشرف سلمان، فقد تحدث بأنها ستتضاعف إلى 8 مليارات دولار في السنة المالية الحالية التي تنقضي بنهاية يونيو المقبل، فيما تراجعت معدلات النمو الاقتصادي السنوي من 7% إلى 2%.

لقد أتت ثمار المؤتمر في شكل هبات مالية وودائع حيث تبارت عدة دول خليجية في تقديم مساعدات مالية سخية جديدة إلى مصر خلال مؤتمر شرم الشيخ، حيث أعلنت المملكة العربية السعودية والإمارات والكويت، خلال المؤتمر، الذي بدأ فعالياته الجمعة، 13 مارس، عن مساعدات واستثمارات تصل إلى 12 مليار دولار.

النظام المصري يبيع الفنكوش
كانت شرم الشيخ طوال فترة وجود المخلوع حسني مبارك حاكماً لمصر، برتبة كنز استراتيجي لإسرائيل، العاصمة السياسية الفعلية لمصر، عاصمة بلا مواطنين، وبلا أي تصور لصناعة مجتمع حقيقي فيها، فقط فندقاً كبيراً للوفود السياحية والسياسية، تحدّه مجموعة من القصور لمبارك والعائلة.

من شرم الشيخ قالها وزير الخارجية الأميركي جون كيري دون أن يقصد “يجب أن نعمل جميعاً من أجل مستقبل إسرائيل”، قبل أن يستدرك متذكراً أن الاجتماع مخصص لمساعدة نظام الحكم المصري الذي يعيش في كنف الرضا الإسرائيلي، مفاخراً بأنه على تواصل وتشاور مستمرين مع رئيس حكومة الكيان الصهيوني، بل أن رأس النظام المصري كان قد ذهب أبعد من غفوة جون كيري وأعلن وهو في كامل استفاقته قبل شهور، حرصه على أمن إسرائيل، ثم مضى بعدها مظهراً كل العداء والكراهية لمن يقاومون إسرائيل، عقب الحكم باعتبار حركة المقاومة الإسلامية “حماس” كياناً إرهابياً.

والملفت للنظر أن العديد من الاتفاقات التي تم الإعلان عن توقيعها بالمؤتمر، جرى الإعلان عنها في سنوات سابقة، على سبيل المثال الاتفاقية التي أعلن وزير البترول المصري عن توقيعها مع شركة بي.بي البريطانية للنفط بقيمة 12 مليار دولار، هذه الاتفاقية قديمة وسبق إعلانها أكثر من مرة في العام الماضي.

فمنذ الإعلان عن المؤتمر قبل عام، تم الترويج له على أنه ترياق لعلل مصر الاقتصادية، ويمكنه جذب ما يصل إلى 100 مليار دولار، لكن سرعان ما تم خفض هذا الرقم إلى 15 ملياراً، ثم إلى 10 مليارات دولار، ثم بدأ المسئولون في القول إن الأرقام تقل أهمية عن النقطة الرئيسية، وهي أن البلاد ماضية في الطريق الصحيح وجادة بشأن الإصلاح وتعمل على القضاء على الروتين سيء السمعة.

أما الموقع الإلكتروني الذي يحمل عنوان المؤتمر “مصر المستقبل”، فقد أشار هو الآخر إلى بيانات مغلوطة وغير دقيقة، منها أن وزارة التموين أجلت افتتاح المركز اللوجستي للحبوب والغلال إلى ما بعد مؤتمر شرم الشيخ، بينما لا يزال المركز المذكور مجرد مقترح للوزارة تسعى لجذب استثمارات في هذا المجال، وذكر الموقع أيضاً أن انتخابات مجلس الشعب، من المتوقع إجراؤها خلال الربع الأول من عام 2015، رغم أن إطلاق الموقع جاء بعد تأجيل الانتخابات البرلمانية.

لقد عودنا المشير السيسي أن يقدم لنا نظريات جديدة، سواء في علم الاقتصاد أو الطب أو الزراعة وغيرها من مناحي الحياة، فعقب ترشحه للانتخابات الرئاسية قدم لنا نظرية اللمبات الموفرة، حينما طرح رؤيته الخاصة بعلاج أزمة الطاقة المستعصية التي باتت تصيب البلاد، ليس في فصل الصيف فقط، بل وفى الشتاء أيضاً، خصوصاً مع انقطاع الكهرباء المستمر ونقص الغاز اللازم لمحطات إنتاج الكهرباء. كما طرح علينا السيسي أيضاً، نظرية عربة الخضار وشراء ألف عربة للشباب العاطل عن العمل، عندما تحدث عن أكبر أزمة تواجه المجتمع المصري، وهي أزمة البطالة المستفحلة بين الشباب البالغ نسبتها 25%، حسب الأرقام الرسمية، كما طرح لنا رؤيته لعلاج أخطر مرض يواجه كبد المصريين وصحتهم وهو فيروس سي، وأخطر مرض يواجه العصر، وهو الإيدز، عن طريق تناول صباع الكفتة “بتاع” اللواء عبد العاطي.

فطبقاً لما أعلنته الحكومة، بلغت حصيلة وعود الاستثمارات والاتفاقات في المؤتمر147 مليار دولار، استحوذت على ثلثيها ثلاثة مشاريع عقارية فقط هي العاصمة الجديدة (45 مليار دولار) و«جنوب مارينا» (24 مليار دولار) و “واحة أكتوبر” (20 مليار دولار).

وبصرف النظر عن جدوى مشروع العاصمة الجديدة الذي أسند بالأمر المباشر ولم يطرح على نقاش عام رغم أهميته وتكلفته الكبيرة، لا نحتاج كثيراً لندرك حجم الإضافة التي يقدمها بناء منتجع سياحي آخر في الساحل الشمالي أو “كومباوند” جديد على أطراف القاهرة يضم ملاعب جولف وواحة ترفيهية!

وحتى قطاع الكهرباء الذي كان ثاني أكثر القطاعات جذباً لوعود الاستثمار في المؤتمر، فيرجح فتحه أمام الاستثمار الأجنبي الإسراع بالتوجه إلى خصخصة خدماته الذي لم تخفه الحكومة، ما يعني رفع أسعار الكهرباء وبالتالي تحميل عموم المصريين فاتورة أرباح القادمين الجدد إلى السوق.

أما ثاني المؤشرات فهو الانحيازات الواضحة الذي تبنته حزمة قوانين تحت عنوان تحفيز الاستثمار.

بدأت هذه التشريعات بقانون أتاح تخصيص الأراضي بالأمر المباشر نهاية العام الماضي، ثم قانون الاستثمار الذي منح المستثمرين حصانة قضائية غير مسبوقة وفتح باباً للفساد بإعطاء رئيس الوزراء سلطة منح حوافز وإعفاءات تقديرية، وصولاً إلى قانون الإرهاب الذي تبدو الصياغة الفضفاضة لبعض مواده سيفاً مشهراً على رقبة العمال والكيانات النقابية لمصلحة رجال الأعمال.

في هذا الإطار تبدو السياسات المعلنة في المؤتمر، والقوانين التي سبقت انعقاده، امتداداً لمشروع الليبرالية الجديدة الذي أطلقه جمال مبارك وفريقه. وهذا النموذج الذي يركز على أرقام النمو دون غيرها لا يخدم سوى قلة، وإن حسنت النوايا. فحتى في لحظات ارتفاعه في سنوات مبارك الأخيرة والتي وصلت لمعدلات نمو قاربت 8 في المائة تحمل عموم المصريين فواتيرها، ما كرّس فجوة العدالة الاجتماعية ومهد للانفجار الكبير في الخامس والعشرين من يناير.

المؤتمر الاقتصادي الذي أجبرنا على تلبية شروط المستثمرين في فرض أجندتهم، بسن قانون موحد للاستثمار يحميهم من المسألة القانونية حال ارتفاع رائحة الفساد، وتخفيض عجز الميزانية برفع الدعم التدريجي، وتحرير سعر الجنيه أمام الدولار مما هوى بالعملة إلى مستوى قياسي، ورسم سياسة اقتصادية بعيدة عن التنمية الحقيقية والمشروعات ذات العائد طويل الأمد، وتبني مشروعات عقارية بلا عائد اقتصادي وتتميز بدورة سريعة لرأس المال تضمن سرعة جني أرباح المستثمرين.

لقد رأى النظام أن حل الأزمة الاقتصادية عن طريق تحرير السوق وفتح الاقتصاد المصري أمام الاستثمار الأجنبي، وتنفيذ كل شروط المستثمرين وضمانات حقوقهم على حساب الغالبية من الشعب المصري.

أما صاحب الدعوة فإنه يعرف جيداً ماذا يحب أن يسمع المدعوون، يغنّي لهم نشيد “الحرب على الإرهاب”، ويطمئنهم على سلامة إسرائيل، وهو موقن أنه بالإمكان أن يحصل على الهدايا والعطايا في أغرب احتفالية دولية بمن نفذ جريمة ضد الديمقراطية وضد الإنسانية.. أنه عبد الفتاح السيسي بائع “الفنكوش”.