بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الرأسمالية تسرق الحلم من الفقراء.. في نقد الحلم الصيني

مازال “الحلم”، بكل ما يحمله من دلالات البشرى والأمل، أهم ثروة يمتلكها الفقراء في مواجهة الظلم الرأسمالي الذي اجتاح جميع مناحي حياتهم، فمازال هؤلاء الفقراء يحلمون بالحد الأدنى للحياة.. يحلمون بالحياة الكريمة الهانئة.. يحلمون بالكرامة والتمكين الاجتماعي والسياسي. مازال الفقراء يحلمون بالثورة، حتى وإن لم يدركوا أنهم يحلمون.

تأبى الرأسمالية إلا أن تنتزع هذه الأحلام من الفقراء، وتمضي تنتهك آخر وميض في حيواتهم، فتسرق منهم “الحلم” وتقوّض أركانه، وتحيله إلى “كابوس” يجدد معاناتهم.

وعلى هذا النحو رفعت الدول الرأسمالية مصطلح “الحلم”، كمشروع وطني، يهدف إلى تحقيق التقدم الاقتصادي، وتعزيز الهوية الوطنية، لكنه في واقع الأمر، هَدف إلى إنقاذ الرأسمالية من أزماتها المتلاحقة، وإضفاء الصبغة الوطنية على تلك السياسات التي تسعى إلى زيادة التراكمات الرأسمالية لدى النخب السياسية والاقتصادية والعسكرية على حساب الفقراء والعمال الكادحين.

“الكابوس” الصيني

هذا المقال يتناول أحد هذه المشروعات، وهو “الحلم الصيني”. فقد أشار الرئيس الصيني، شي جينبينغ، لهذا المصطلح للمرة الأولى في نوفمبر 2012، بعد أن رُقّيَ إلى منصب السكرتير الأول للحزب الشيوعي الصيني. وبعد تسلم شي رئاسة الصين في مارس 2013، استخدم هذا المصطلح مرات عدة في أول كلمة يوجهها للشعب الصيني كرئيس للبلاد.[1]

قال شي: “علينا بذل الجهود الحثيثة وأن نتقدم بإرادة لا تعرف الهوان من أجل دفع قضيتنا العظيمة – قضية بناء الاشتراكية بخصائص صينية – إلى الأمام، وأن نكافح من أجل تحقيق الحلم الصيني بالتجديد العظيم للأمة الصينية”.

وقد زخر الإعلام الصيني بشتى البرامج والتحقيقات الدعائية التي تمتدح خصال ومزايا الحلم الصيني الذي جاء به الرئيس، ولا تكاد صحيفة صينية واحدة تخلو من ذكر هذا الحلم العتيد، كما ظهرت في بعض المدارس والجامعات “جدران للأحلام” تشجع الطلاب لتدوين أحلامهم عليها وتصوراتهم لما يريدون للصين أن تصبح في المستقبل. كما دعت الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية (أحد أكثر المعاهد الصينية المتخصصة نفوذا في البلاد) الجمهور إلى طرح مقترحات حول سبل إخضاع هذا الحلم للبحث والتمحيص.[2] كما قام “جيش التحرير الشعبي الصيني”، بتقديم عروض عسكرية تبرز النشاطات التي تبين علاقات الحلم الصيني ووجود جيش قوي وأحلام الجنود.[3]

ورغم ضبابية ملامح وأهداف “الحلم الصيني” على المستوى الرسمي، إلا أن عدة تقارير صينية انبرت في تحليل أهداف هذا الحلم وملامحه، فقد أشار “وانغ يي وي”، الأستاذ في جامعة “رنمين” الصينية والباحث في معهد تشارهار في بكين، في مقالٍ له بعنوان “عشرة أخطاء في تفسير الحلم الصيني”، إلى أن الحلم الصيني ليس حلم مقاومة الدول الأخرى، بل هو حلم التطور العالمي المبني على الإبداع والتسامح والحيوية. كما أنه ليس حلم للصين وحدها، ولن يحل محل الحلم الأمريكي. ووصف “يي وي” الحلم الصيني بـ”الأفيون الروحي المخدر للروح الإصلاحية عند الشعب الصيني، هدفه إخفاء التناقضات الاجتماعية في الصين”. ونفى أن يكون هذا الحلم مجرد التطلع إلى الحكم الدستوري وحقوق الإنسان والديمقراطية، لكنه في الواقع، تكثيف لتوافق الصينيين ومتطلباتهم المشروعة والمعقولة المختلفة.([4])

كما ذكرت بعض التحليلات أن الأهداف المستقبلية للحلم الصيني تتمركز حول:

1 – الانتهاء من بناء “مجتمع مزدهر على نحو معتدل في كافة الأوجه” عندما يحتفل الحزب الشيوعي الصيني بمئويته عام 2021.

2 – تحويل الصين إلى دولة اشتراكية حديثة مزدهرة وقوية وديمقراطية ومتقدمة ثقافياً ومتناغمة عندما تحتفل جمهورية الصين الشعبية بمئويتها عام 2049.([5])

وجاء الكاتب “مصطفى عبادة” في مقال له في الأهرام العربي تحت عنوان “الحلم الصيني”، ليقول: “لم تأتِ ثقة الصين في تحقيق حلمها من فراغ، فقد عملت وفق خطة محكمة، تنجز شيئا منها كل عقد تحت مسمى “النموذج الصيني”، وهو أن متوسط نصيب الفرد الآن من الدخل القومي يساوي 7000 دولار أمريكي، ويريدون مضاعفته كل 10 سنوات، وبحلول عام 2030 تكون الصين قد أكملت ما أرادت، وما تريد أولا هو أن يصبح مستوى النمو والناتج القومي الصيني معادلاً لمجموع الناتج القومي لأوروبا كلها وأمريكا واليابان مجتمعين، تفعل الصين ذلك دون ضجيج، وجاءت أحداث ما يسمى بالربيع العربي، لترسخ لدى الصينيين مفهوم الدولة أكثر، فأكثر كلمة متداولة بين الصينيين الذين التقيتهم هي: الدولة، ثم الدولة، ثم الدولة، لا يمكن لمجموعة من الناس حتى لو كانوا مليونا أو اثنين أن يفرضوا توجهاتهم على بقية المجتمع، المجتمع لا يحتاج إلى الكلام، هكذا يخبرك الصيني عندما تتحدث معه عن ثورات الربيع العربي، يقول لك: المجتمع يحتاج إلى التنمية وتحسين مستوى المعيشة، يحتاج الشباب أن ينفق، ولا يمكن له أن ينفق بالأحلام، لتكن لديك دولة أولا، ثم افعل بعد ذلك ما تشاء”.([6])

آثرت اقتباس جزء كبير من حديث “مصطفى عبادة” في مقاله، لكي تكتمل لدى القارئ صورته تجاه ما يُسمى بـ”الحلم الصيني”.

فهو مشروع نخبوي برداء وطني، يسعى إلى تعزيز مواقع النخبة السياسية في الحكم، وتثبيت المصالح الاقتصادية لكبار الرأسماليين هناك، تحت شعارات “تدعيم الدولة”. ليس هذا فحسب، بل أن حالة التعبئة الاجتماعية والثقافية التي تمارسها الدولة للترويج لهذا المشروع، توحي برغبتها في اختراق المجتمع الصيني وتنميطه بقوالب ثقافية واجتماعية من إنتاج الدولة. في الوقت الذي يعاني فيه المجتمع أبشع صور انتهاك الدولة لحقوق الفقراء والعمال والأقليات، حيث:

يعاني أكثر من 82 مليون شخص في الصين من الفقر المدقع، حيث يقل دخلهم اليومي عن دولار واحد، وهو المؤشر الذي وضعته الحكومة الصينية لقياس الفقر. بينما حدد البنك الدولي الحد الأدنى للدخل اليومي للفرد بـ 1.25 دولار في اليوم. وهو ما يعني ارتفاع عدد الفقراء في الصين ليصل إلى نحو 200 مليون صيني، على الرغم من معدلات النمو الهائلة التي حققها الاقتصاد الصيني على مدار العقود المنصرمة، الأمر الذي يكشف عن أزمة التوزيع التي تعاني منها الصين، والهوة الكبيرة بين الطبقات هناك حيث أوضحت دراسة أعدتها جامعة بكين أن %1 من العائلات الثرية في الصين تسيطر على أكثر من ثلث ثروات البلاد، بينما لا يمتلك 25% من العائلات الأقل ثراءً سوى 1% من الثروة الصينية.([7])

يعاني العمال في الصين من أسوء أنواع الاستغلال الاقتصادي، حيث أصبحت الصين مورداً أساسياً للعمالة الرخيصة، مسلوبة الحقوق، لأغلب الصناعات الرأسمالية الكبرى في العالم، وكأنها تعيد إنتاج “تجارة العبيد” مرة أخرى لكن في ثوبٍ جديد. فعلى سبيل المثال، تُعتبر مجموعة “يو يوين” أكبر مُصنّع للأحذية الرياضية في العالم؛ حيث تضم من بين عملائها (نايك، وأديداس، ونيوبالانس، وكونفيرس، وبوما)، وتتراوح تكلفة زوج جديد من أحذية نايكي لكرة السلة في الصين بين 1399 إلى 1999 يوان صيني وهو ما يعادل 241 إلى 344 دولار أسترالي. وبرغم ذلك يحصل عمال خطوط التجميع على حوالي 2800 يوان شهرياً، وهو ما يعادل 483 دولار أسترالي.

هؤلاء الذين ينتجون الآلاف من الأحذية كل شهر لا يستطيعون تحمل تكلفة شراء زوجين من تلك الأحذية مقابل راتب شهر كامل.([8]) وشركة “فوكسكون” التي يعمل بها حوالي 1.5 مليون عامل صيني، والتي تنتج مكونات إلكترونية لصالح علامات تجارية مثل “آبل”. تعامل العمال هناك معاملة العبيد فعلياً، فتقوم بفرض انضباط عسكري على عمالها، ويتعدى عدد ساعات العمل بها إلى أكثر من 10 ساعات يومياً، وذلك قبل أن تفرض إدارة الشركة على العمال مبدأ “العمل الصامت”، لتمنعهم من الكلام على مدار ساعات العمل، الأمر الذي أدى إلى انتحار عاملين بمنطقة تشنغتشو في أغسطس 2013، وفي عام 2010 انتحر حوالي 14 عاملاً.([9]) وتم الكشف مؤخراً عن رصد أكثر من 22 انتهاكاً عمالياً في مصنع شركة “كاتشر” تكنولوجي الصينية التي تنتج الإطار الألومنيوم لأجهزة كمبيوتر “آي باد” و”ماك بوكس” التي تنتجها “آبل”، حيث يخضع العمال لنظام العمل القسري والعمل وقتاً إضافياً من دون أجر إلى جانب عدم الالتزام بالقواعد المنظمة للتعامل مع المواد الخطيرة في أحد المصانع بمنطقة سوكيان شرق الصين والذي يضم حوالي 20 ألف عامل ينتجون الإطار الخارجي لأجهزة “آبل” وغيره من المكونات الإلكترونية.([10])

على الجانب الآخر، تعاني الأقليات المسلمة متعددة العرقيات “الويغور” من انتهاكات صارخة من جانب الحكومة الصينية، التي تعتبرهم تهديداً لأمن الصين القومي. لذلك عمدت الحكومة إلى محاولة طمس المعالم الثقافية الإسلامية، من خلال تبني حملة للهيمنة الثقافية على معتقدات الأقليات الدينية وممارساتهم الثقافية والعمل على إلغاء تداول لغة الويغور “التركية” في المؤسسات التعليمية وحرق كتُبِهِم وطمس ثقافتهم، كما فرضت قيوداً مشدّدة على بناء المساجد. الأمر الذي وصل لمنع المُسلمين في الصين من صيام شهر رمضان في عام 2013.

كما تقوم الحكومة بقمع تلك الجماعات المسلمة، من خلال ممارسة العنف المباشر من جانب قوات الأمن، أو تشجيع ومساندة جماعات “الهان” (الأغلبية الصينية) على قتال “الويغور”. حيث أشار تقرير منظمة حقوق الإنسان إلى أن الشرطة الصينية قامت بتوزيع الهرّاوات الحديدية على حشود من “الهان” لضرب “الويغور”، مؤكداً مسئولية قوات الأمن عن أعمال الشغب والعُنف التي اندلعت ضد مسلمي الويغور والعمل على إشعال نار الفتنة وتأجيج روح الكراهية ضدهم. ليس هذا فحسب، بل اتبعت الحكومة الصينية سياسة التهجير لتغيير التركيبة السكانية للإقليم بحيث قامت بترغيب الهان بالإقامة في إقليم الويغور مما أدى إلى زيادة تدريجية في نسبة السكان الهان الصينيين في المنطقة، وفي عام 2010 سعت السلطات الصينية إلى هدم مدينة “كاشجر” القديمة ذات الأغلبية الويغورية، وتهجير 200 ألف من سكانها، بحجة خضوع المدينة لإعادة تطوير ضخمة.([11])

فإذا كان هذا البلد يعاني من هذا الكم الهائل من الفقر والفساد وانتهاك لحقوق العمال والأقليات، فأي حلم صيني تتحدث عنه الحكومة؟

إن الحديث عن أي مشروعات “قومية” لا تسعى إلى توفير الحياة الكريمة للمواطن لا تُعد سوى عبث بعقول الفقراء، لترسيخ مصالح النخب، على حساب العمال والمُهمشون.

هوامش:

[1]- ـــــ، ” ما هو الحلم الصيني الذي يبشر به الرئيس شي جينبينغ؟” موقع بي بي سي عربي، 6 يونيو 2013، متاح على الرابط التالي: http://www.bbc.co.uk/arabic/worldnews/2013/06/130606_china_xi_dream.

[2]- المرجع السابق.

[3]- ـــــ، “الجيش الصيني يقدم عروضاً للحلم الصيني”، موقع وكالة أنباء شينخوا، 5 مارس 2015، متاح على الرابط التالي: http://arabic.news.cn/big/2015-03/05/c_134038478.htm.

[4]- وانغ يي وي، “عشرة أخطاء في تفسير الحلم الصيني”، موقع مجلة الصين اليوم، 22 سبتمبر 2013، متاح على الرابط التالي: http://www.chinatoday.com.cn/ctarabic/zhuanti/2013-08/26/content_563291.htm.

[5]- ـــــ، “تحليل إخباري: العام الأول للقيادة الجديدة.. بداية جيدة للحلم الصيني”، موقع وكالة أنباء شينخوا، 10 يناير 2014، متاح على الرابط التالي: http://arabic.news.cn/big/2014-01/10/c_133032820.htm.

[6]- مصطفى عبادة، “الحلم الصيني”، موقع صحيفة الأهرام، 29 نوفمبر 2014، متاح على الرابط التالي: http://www.ahramdigital.org.eg/Motnw3a.aspx?Serial=1734451&archid=6.

[7]- ـــــ، “أكثر من 82 مليون شخص تحت خط الفقر في الصين”، موقع صحيفة الحياة اللندنية، 15 أكتوبر 2014، متاح على الرابط التالي: http://bit.ly/1FFzsHF.

[8]- وحدة الترجمة، “الصين: إضراب ضخم لعمال الأحذية”، ترجمة/ شريف حسني، بوابة الاشتراكي، 3 مايو 2014، متاح على الرابط التالي: http://revsoc.me/arab-and-international/24126/.

[9]- أو لونغ يو وباي رويسكو، “وضع الحركة النقابية والنضالات العمالية في الصين، موقع المناضل-ة، 16 أغسطس 2013، متاح على الرابط التالي: http://almounadil-a.info/article3448.html.

[10]- ـــــ، “انتهاكات جديدة لحقوق العمال في مصانع موردي أبل بالصين”، موقع صحيفة الرياض، 6 سبتمبر 2014، متاح على الرابط التالي: http://www.alriyadh.com/973534.

[11]- إبراهيم فوزي، “خريطة الأقليات المسلمة في آسيا… بين التهميش والاضطهاد”، موقع فكر أونلاين، 3 سبتمبر 2014، مناح على الرابط التالي: http://fekr-online.com/ReadArticle.php?id=55.