بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

قمة الدول السبع.. أزمات الرأسمالية وتوابعها

ربما أشارت أزمة قمة الدول السبع في كندا إلى مأزق يواجه الرأسمالية العالمية في الفترة المقبلة. فالدول الصناعية الكبرى المشتركة في القمة تُمثِّل أكثر من ٤٠٪ من إجمالي الناتج المحلي عالميًا و٦٢٪ من صافي الثروة عالميًا (٢٨٠ تريليون دولار). كبرى الدول الرأسمالية هذه تُشكِّل العصب الأساسي لحلف الناتو وكان مؤتمرهم السنوي أحد الوسائل الدبلوماسية الأساسية لإدارة الاقتصاد العالمي الرأسمالي ولتنسيق العمل تجاه مختلف التحديات والأزمات منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي (من الاتحاد السوفييتي والحرب الباردة حتى تسعينيات القرن الماضي، إلى الهجرة والحركات الإسلامية في القرن الحالي، وصولًا إلى أزمة الركود الكبير في عام ٢٠٠٨).

لكن أن يتحوَّل المؤتمر السنوي لهذا التحاف إلى تبادل الإهانات بين الرؤساء وعدم الاتفاق على بيانٍ ختامي وتوعُّد الرئيس الأمريكي بفرض المزيد من الجمارك على السلع الأوروبية وتصعيد ما يمكن أن يتحوَّل إلى حربٍ تجاريةٍ شاملة، فهذا هو الأمر غير المسبوق تاريخيًا. بالطبع يبدو الأمر للوهلة الأولى مواجهة بين ترامب المجنون، وقادة أوروبا واليابان العقلاء. ولكن الأمر أعقد من ذلك. فجميع هؤلاء القادة يديرون منظومةً رأسماليةً تشهد تغيُّراتٍ هيكلية وأزماتٍ وتحدياتٍ لم يواجهوا مثلها من قبل. فهناك أولًا الصعود الاقتصادي الهائل للرأسمالية الصينية والذي يُهدِّد بتغيير موازين القوة ليس فقط في المجال الاقتصادي والتكنولوجي بل عاجلًا أم آجلًا في المجال العسكري والجيوستراتيجي.

هذا التحدي نرى بداياته في الهيمنة الصينية الحالية على مشاريع الطاقة وإنتاج الكهرباء في مختلف الدول الأفريقية والأسيوية، بل دخولها أيضًا إلى سوق الطاقة في الجنوب الأوروبي وأمريكا اللاتينية. والمشكلة بالنسبة للرأسماليات الغربية بشكل عام والأمريكية بشكل خاص، ليست فقط حجم الاستثمارات الصينية (١٢٣مليار دولار في ٨٣ مشروع في مختلف أنحاء العالم بين ٢٠١٣ و٢٠١٨) بل أيضًا في استخدامها لتكنولوجيا شديدة التطوُّر في نقل الطاقة (ما يسمى تكنولوجيا الكابلات فائقة الجهد)، بل محاولات شركات الطاقة الصينية لإنشاء شبكات لنقل الطاقة على المستوى القاري.

وهناك نموذجٌ آخر للتحدي الصيني وهو في مجال الكومبيوترات فائقة السرعة، وهي التي تُعتَبَر مُكوِّنًا أساسيًا في النقلة الصناعية الآتية نحو الذكاء الاصطناعي والروبوتات (من ٥٠٠ أسرع كمبيوتر عالميًا تمتلك الصين اليوم ٢٠٢ في مقابل ١٤٣ للولايات المتحدة). هذه فقط نماذج قليلة لمجالات التفوُّق الصيني في الإنتاج والتكنولوجيا الرأسماليين وما تُشكِّله من تحدي حالي للرأسمالية الغربية وخطر تنافسي داهم على المدى الطويل.

وعلى مستوى آخر يُعبِّر التشنُّج الأمريكي والتوتُّر الأوروبي عن المشكلات طويلة الأمد التي أحدثها الركود الكبير منذ ٢٠٠٨. فعلى الرغم من تجاوز الأزمة المباشرة وعودة النمو الاقتصادي وانخفاض معدلات البطالة، فقد فجَّرَت تلك الأزمة وتبعاتها موجاتٍ من الغضب الجماهيري تجاه سياسات العولمة والليبرالية الجديدة. وهو غضب انعكس في انهيار شعبية الأحزاب الوسطية التقليدية وصعود للشعبوية اليمينية من جانب، وفي بعض البلدان ليسار معادي لليبرالية الجديدة من جانبٍ آخر. إذن فعودة السياسات القومية الحمائية هو نتيجةٌ لتغيُّر التوازنات القديمة للرأسمالية العالمية، والتوابع السياسية والاجتماعية لأزمة الركود الكبير منذ ٢٠٠٨، وليس مجرد تعبير عن جنون وغرور ترامب.