بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

آل الشيخ ودعاوى الأمن القومي

تركي-آل-الشيخ-8

في الوقت الذي يكثر فيه الحديث عن الأمن القومي لتبرير كل أشكال القمع والاضطهاد والمصادرة، بدايةً من اعتقال رموز المعارضة لمجرد طرحهم رؤية للتغير ضمن الآليات التي اعتمدها الدستور، وحتى ملاحقة صاحب تدوينة على موقع تواصل اجتماعي، يأتي قرار الثري الخليجي تركي آل الشيخ بالانسحاب من السوق المصرية، ليفضح كل أحاديث الأمن القومي التي لا تصمد كثيرًا أمام نزوات الأثرياء.

وبغض النظر عن جدية قرار آل الشيخ، من عدمه، وبغض النظر عن وزنه وقيمته وطبيعة استثماراته، وأيضًا بعيدًا عن ملابسات وأسباب قراره والفرحة العارمة -المستحقة- التي صاحبت هذا القرار للكثير من الأسباب، إلا أنها تكشف مدى قدرة حفنة من الأثرياء على التدخل في الاقتصاد والتلاعب به والتأثير فيه، ليس فقط وفقا لمصالحهم، ولكن أيضًا وفقًا لنزواتهم وتقلباتهم النفسية.

هشاشة الاقتصاد أمام “الأموال الساخنة”
ما كشفه قرار آل الشيخ هو قدرة المستثمر على الخروج باستثماراته في أي لحظة من السوق المصرية، دون أن يكلفه ذلك أكثر من تدوينة على موقع للتواصل الاجتماعي، دون أي اعتبار لتأثير حركة تلك الاستثمارات على الوضع الاقتصادي.

ربما ما قام به تركي آل الشيخ لا يعدو كونه جزءًا من مهزلة أثرياء النفط، قد لا تحمل أثرًا حقيقيًا على الاقتصاد، ولكنها تكشف مدى الهشاشة التي يعاني منها الوضع الاقتصادي في ظل تطبيق سياسات الليبرالية الجديدة، واحتمال تحوُّل تلك المهزلة لمأساة يبقى قائمًا طالما تمتع المستثمرون بحريات مطلقة وغياب أي التزام اجتماعي.

لا يتصل الأمر بالمرة بنظرية المؤامرة وسعي قوى خارجية شريرة لإسقاط مصر كما تروج السلطة دائمًا، ولكن الأمر يتصل على نحو مباشر بالآليات الاقتصادية التي تبنتها الدولة نفسها ودافعت عنها وتفاخرت بتطبيقها.

مثال بسيط على ذلك، تدفقت الاستثمارات الأجنبية على مصر مع رفع سعر الفائدة إلى 20% للاستثمار في أدوات الدين، وبعد فترة وجيزة، تراجعت الفائدة في مصر من 20% إلى 17%، بينما ارتفعت في تركيا إلى 26% وفي الأرجنتين إلى 40%، فكان من الطبيعي أن تتجه الاستثمارات التي تبحث عن المكاسب السريعة لتركيا والأرجنتين، وأن تسحب الحكومة المصرية أربع طروحات سندات متتالية لارتفاع العائد. كذلك شهدت الفترة من مايو إلى أغسطس خروج 5 مليار دولار من السوق المصرية، وتراجعت استثمارات الأجانب في أذون الخزانة بمقدار 65 مليار جنيه في الفترة من أبريل إلى مايو 2018 فقط. هكذا بإمكان حفنة من المستثمرين عبر آليات قانونية تمامًا أن تضغط على الدولة لرفع سعر الفائدة بما يعنيه ذلك من ارتفاع في خدمة الدين، والتي بلغت بالفعل ما يقرب من 40% من حجم المصروفات في الموازنة العامة، أو خفض قمة العملة بما يعنيه ذلك من ارتفاع فاتورة الواردات وزيادة التضخم.

هناك أمثلة أسوأ كثيرًا لما يمكن أن تتسبب فيه “الأموال الساخنة” في اقتصادات دول، عبر الدخول لتلك الأسواق والمضاربة على أسهم أو سندات أو عملات، لتجني أرباحًا طائلة ثم تغادر بسهولة مخلفة ورائها انهيار يعني فقدان عشرات الآلاف من الوظائف وإغلاق شركات وارتفاع في معدلات التضخم، هذا ما حدث بالضبط في أسواق شرق آسيا في منتصف التسعينيات.

الدولة في خدمة الاستثمار
لم تنجُ مصر في التسعينيات أيضًا من هوس جذب الاستثمارات بأي ثمن وبأي قواعد، وتَمثَّلَ النموذج المصري في الخصخصة، التي منحت مؤسسات إنتاجية عملاقة لحفنة من المستثمرين بتسهيلات غير مسبوقة وأسعار أقل ما توصف بها هو النهب المباشر، كل ذلك كان مصحوبًا بتقدير للمستثمرين كما لو كانوا يقدمون خدمة جليلة للبلاد. ولم يتردَّد مستثمرو الخصخصة في اعتصار العمال والشركات حتى الرمق الأخير قبل أن يقوموا بتصفية الشركات وتسريح العمالة والبحث عن مكان آخر للاستثمار. عشرات الأمثلة يمكن تقديمها على ذلك، منها شركة المعدات التليفونية على كورنيش النيل في المعصرة، والتي اشتراها مستثمر أردني، بأقل من قيمة الأرض المقامة عليها، ومع الصفقة حصل المستثمر على إنتاج مُعَد للبيع وأرصدة وأصول وخامات ومخازن تفوق بعدة مرات قيمة الصفقة والتي كانت تُسدَّد على دفعات، والأهم أنه حصل على احتكار توريد “عِدَد” التليفون الأرضي للمصرية للاتصالات، حيث كانت تباع “عِدة” التليفون للمشترِك من المصرية للاتصالات بأكثر من 200 جنيه، بينما سعرها في الأسواق أقل من 40 جنيه، حتى يساهم كل المجتمع في إثراء المستثمر، وبعد نهاية الاحتكار، صفى المستثمر الشركة واتجه لمدينة 6 أكتوبر ليحصل على امتيازات وإعفاءات الاستثمار في المدن الجديدة.

مجرد مثال من عشرات الأمثلة على النتائج الوخيمة للسياسات الاقتصادية التي اتبعها الأنظمة المتتالية وتُسرِع اليوم من تطبيقها.

لا يمثل آل الشيخ قيمةً اقتصادية أو تأثير حقيقي على الاقتصاد، ولكن الطريقة التي دخل بها السوق المصرية وخروجه منه بتدوينة على موقع للتواصل الاجتماعي تكشف حجم الخطر الذي قد تتعرض له الأوضاع الاقتصادية في ظل الآليات التي تطبقها السلطة. تتضح الخطورة أكثر كلما زاد تدفق الاستثمارات غير المباشرة، وانخفضت التدفقات الاستثمارية المباشرة. وبحسب البنك المركزي ففي الفترة من يوليو 2017، وحتى مارس 2018، بلغ تدفق الاستثمارات المباشرة 6 مليار دولار، منها 3.4 استثمارات في قطاع البترول، بينما بلغ تدفق الاستثمارات غير المباشرة 14.9 مليار دولار، وهي استثمارات في محفظة الأوراق المالية. هي نفسها الأموال الساخنة التي يمكنها أن تغادر البلاد في لحظة ودون تكلفة، بينما ستكون التكلفة غير محتملة على وضع اقتصادي هش يعاني من تجاوز الدين العام لحدود الخطر، وتَراجُع العملة المحلية وارتفاع التضخم وزيادة عجز الموازنة، بحيث يسهل التأثير فيه بقوة عبر حركة أموال مفاجئة.

قد يكون قرار آل الشيخ مجرد صفحة من مهزلة تدخله البغيض في الرياضة في مصر، والذي لم تتأخر ردود الأفعال الغاضبة عليه، وقد يكون دوره قد انتهى أو فشل في القيام به نتيجة غياب الموهبة والكفاءة -فضلًا عن ثقل ظل منقطع النظير- ولكنه كشف بالفعل عن مخاطر يمكن أن تضرب المجتمع المصري، ويتحمل الفقراء وحدهم تبعاتها، عبر فقد الوظائف وارتفاع معدلات التضخم فقط نتيجة تغيير المستثمرين وجهتهم إلى وجهة أكثر ربحًا. والأهم أن ذلك قد يحدث بالآليات والتسهيلات التي منحتها السلطة نفسها لهؤلاء المستثمرين، السلطة نفسها التي تعتبر حسابًا شخصيًا على موقع للتواصل الاجتماعي خطرًا على الأمن القومي.