بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

هل نحن على مشارف ركود عالمي جديد؟

في بدايات هذا القرن، ادعى كثيرٌ من مفكري اليمين الاقتصادي في الغرب أن النظام الرأسمالي العالمي قد تجاوز إلى الأبد تلك الأزمات الكبرى التي عصفت بالنظام العالمي في ثلاثينيات وسبعينيات القرن الماضي. جاءت أزمة 2007 – 2008 والركود الكبير لتضع تلك الادعاءات في سلة المهملات. وها نحن اليوم بعد عشرة أعوام على اندلاع تلك الأزمة ويبدو أننا على مشارف أزمة عالمية أعنف وأعمق من سابقتها. لماذا؟

أولًا هناك تغير مهم في وضع البنوك المركزية للدول الكبرى. فخلال العقود الخمس الماضية كانت هذه البنوك تتصدى لفترات الركود الاقتصادي بتخفيض سعر الفائدة بحوالي 5٪. ولكن اليوم وحتى بعد عشرة أعوام من الركود الكبير في 2008، فحتى البنك الفيديرالي الأمريكي في ظل الانتعاش الحالي ليس لديه تلك المساحة حتى يصل إلى الصفر. أما اليابان وأوروبا فلا توجد أي مساحة على الإطلاق حيث ما زال سعر الفائدة قريبًا من الصفر.

وثانيًا ما زالت تلك البنوك المركزية مُحمَّلة بديونٍ كبرى منذ الأزمة الماضية بسبب سياسات التيسير الكمي (ضخ الأموال في الاقتصاد). هذا الوضع يقلص من قدرة البنوك المركزية في إستخدام نفس السياسة في حالة دخول الاقتصاد في ركود حاد. على سبيل المثال هناك حد أقصى مفروض على البنك المركزي الأوروبي بعدم شراء أكثر من 33٪ من الدين العام لأي دولة. هذا الحد لن يكفي على الإطلاق في حالة إنهيار البنوك الإيطالية على سبيل المثال.

وثالثًا اعتمدت حكومات الدول الكبرى خلال الركود الكبير على درجة كبيرة من التعاون بين مختلف البنوك المركزية حول العالم لاتباع سياسات متناغمة ومواجهة موحدة. أما اليوم ومع تصاعد الحروب التجارية والتوترات الجيواستراتيجية وانتشار النزعات القومية الشعبوية سيكون من الصعب تنظيم أي رد فعل منسق وموحد بين الدول الكبرى في حالة ركود عالمي جديد.

ورابعًا أدت أزمة 2008 إلى سنواتٍ من البطالة والتقشف في مختلف أنحاء العالم. هذه الحالة أدت بدورها إلى تآكل التأييد السياسي لأحزاب الوسط على اليمين واليسار (أحزاب كانت قد تبنت الليبرالية الجديدة منذ التسعينيات). وفي الفراغ الناشئ عن هذا التآكل صعدت أحزاب وحركات اليمين الشعبوي والفاشي المعتمدة على التعبئة العنصرية ومعاداة الأقليات والمهاجرين، خاصة المسلمين، والعودة لسياسات قومية حمائية ضيقة -أي العداء لليبرالية الجديدة والعولمة الرأسمالية من اليمين وليس من اليسار (ترامب في أمريكا، وحملة بريكست في بريطانيا، وحزب البديل من أجل ألمانيا، وصعود اليمين المتطرف في السويد وإيطاليا والمجر وبولندا والنمسا، وأخيرًا صعود الديكتاتوريات الشعبوية اليمينية في بلدان الجنوب العالمي: تركيا، الفلبين، مصر، البرازيل).

لكن الأزمات مثلما تدفع قطاعات نحو اليمين فهي تدفع بقطاعات أخرى من الجماهير نحو اليسار. ولعل أبرز مثالين لهذه الظاهرة هما الحراك اليساري الشبابي حول جريمي كوربن في بريطانيا، وصعود حركة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا حول برني ساندرز.

لكن حتى الآن يبدو اليمين أنجح في استثمار الأزمة وعواقبها الاجتماعية. يُشكِّل ذلك خطورةً ضخمة وتحدٍ كبير لليسار عالميًا خاصة في حالة دخول الاقتصاد العالمي مجددًا في فترة ركود حاد.

وإذا كان ما طرحناه في النقاط السابقة صحيحًا فنحن، خلال العامين المقبلين، سنكون على مشارف أزمة عالمية جديدة ربما تكون أعمق وأكثر حدة من الركود الكبير في 2008. ومن يتصوَّر أن دولًا مثل مصر لن تتأثر بذلك يكون واهمًا. أحد أهم علامات الأزمة القادمة هو الفجوة في النمو بين الدول الصناعية الكبرى وما يسمى بالأسواق الناشئة. فارتفاع سعر الفائدة في أمريكا من صفر إلى 2.5٪، وارتفاع قيمة الدولار بنسبة 25٪ خلال العامين الماضيين، وارتفاع سعر البترول ليتجاوز 80 دولار للبرميل، كل تلك التطورات تدفع بالأموال والاستثمارات الأجنبية للهروب من الأسواق الناشئة والعودة للاقتصاد الأمريكي، وتزيد من عبئ الديون وفوائدها على الدول المديونة مثل مصر. وهو ما يعني أن الركود العالمي القادم ستظهر أعراضه في الأسواق الناشئة قبل الاقتصادات المتقدمة.

وفي الحالة المصرية سيحاول النظام اقتصاديًا أن يجعل الفقراء يدفعون ثمن الأمة بمزيدٍ من التقشف والتقليص من الخدمات العامة وتجميد الأجور. وسياسيًا سيستثمر النظام الطائفية والشوفينية ونظريات المؤامرة والخوف من الفوضى والانهيار والحرب الأهلية، وبالطبع الإرهاب والإخوان والمخاطر التي تواجه الدولة، أي أنه سيستخدم كل أسلحة اليمين الأيديولوجية للتعبئة ضد أي شكل من أشكال المقاومة الاجتماعية أو السياسية لسياساته الاقتصادية المعادية للفقراء. هذا بالطبع إلى جانب تعبئة أجهزته الأمنية والقضائية لقمع أي محاولات لتنظيم أي شكلٍ من المعارضة.

لن نمل من تكرار ما نراه المهمة الأساسية لكل القوى الديمقراطية واليسارية في مصر اليوم، وهي بناء المقاومة المنظمة لما هو قادم على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والأيديولوجي. أما كيف نفعل ذلك في ظل القمع الحالي، فنحن لسنا أول من اضطر للعمل في ظل ديكتاتورية كهذه. فقد تمكَّن اليسار والحركة العمالية من تنظيم مقاومة حتى للنازية والفاشية في ظل هتلر وموسوليني والديكتاتوريات العسكرية في أمريكا اللاتينية. علينا دراسة ذلك التراث النضالي والعمل على تطوير برنامج للمقاومة.