بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الحكومة في بيانها تكذب ولا تتجمل

شهد العام 2003 تطورات كثيرة عكست عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمر بها المجتمع المصري، من تفاقم لأزمة البطالة وتدهور قيمة الجنيه المصري في مقابل العملات الأخرى، في أعقاب قرار تحرير سعر الصرف، مما أدى إلى انفجار الأسعار بشكل غير مسبوق، وما يعنيه ذلك من تحميل الفقراء أعباء إضافية فوق تلك الأعباء الثقيلة التي ألقتها سياسات السوق. انعكس ذلك في انحدار أعداد كبيرة من الجماهير المصرية إلى خط الفقر، ناهيك عن انحدار الفقراء إلى ما دون خط الفقر (ما يزيد عن 48% من المصريين).

أما على الصعيد السياسي، فقد فشل النظام في تحقيق أي تطور ديمقراطي، ولم يفعل – نتيجة للأزمة – سوى تطوير قبضته القمعية لمواجهة موجات الغضب المتصاعدة. وعلى صعيد السياسة الخارجية واجه أزمة ضخمة بفعل الحرب على العراق، حيث ظهر للجميع انحيازه ضد الجماهير لصالح الإمبريالية والصهيونية. وانعكست هذه الأزمات بشكل أو بآخر في انفجار شعبي هائل في 20 و21 مارس، أعاد للأذهان ذكريات 18 و19 يناير حيث اختلطت الشعارات المناهضة للإمبريالية بالشعارات المناهضة للاستبداد والفقر والغلاء.

رغم هذا جاء بيان الحكومة في نهاية 2003 كعادته يعكس ما تريد الحكومة أن تضلل به الجماهير وليس الحقيقة، ولكن أكاذيب الحكومة هذا العام جاءت أشبه بمسرحية هزلية لا يسعك وأنت تراها إلا أن تنفجر من الضحك وأنت تردد “شر البلية ما يضحك”.

وقف رئيس الوزراء يعدد الإنجازات التي تحققت في عهد مبارك، وبالطبع في عهد حكومته، استكمالاً للمسيرة. لم يكن البيان في حقيقته إلا تكرار لبيانات الأعوام الماضية، مع بعض الأكاذيب الإضافية عن الإنجازات التي تمت. وعند الانتهاء من سماع البيان ينتابك شعورًا بالشك بأنك مواطن مصري، أو أن هذا المتحدث هو رئيس وزراء كوكب آخر!!

جاء البيان يبشرنا بأن آثار الانتعاش قد ظهرت، وأن النمو قد عاد للتصاعد بمعدل غير مسبوق منذ خمس سنوات. فيذكر أن معدل النمو قد ارتفع في الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2003 إلى ما يعادل 2.4%. ونحن لا ندري كيف قفز معدل النمو هذه القفزة الضخمة من 5.2% في عام 2002/ 2003. حسب تقديرات وزارة التخطيط – ناهيك عن أن تقرير إنجازات الحكومة الذي بعث به رئيس الوزراء إلى الصحف قبل إلقاء بيانه بثلاثة أيام يشير إلى أن معدل النمو الحقيقي للاقتصاد القومي 3% فقط!! وإذا تغاضينا عن هذا التضارب في البيانات الرسمية الذي يفقد الحكومة أية مصداقية، يصبح السؤال المهم هو ما هي المعجزة التي تحققت خلال الشهور الثلاثة من يوليو إلى سبتمبر لرفع معدل النمو بهذا الشكل؟!
في إطار نفس سياسة التضليل، واصل بيان الحكومة أكاذيبه حول قضية من أخطر القضايا الاقتصادية وهي قضية الدين العام، حيث وقف عبيد يعلن “السيطرة الحاسمة على الدين الحكومي”، وذلك خلافًا للواقع الذي يقول أن الدين المحلي زاد إلى 31 مليار جنيه في عام واحد فقط، حيث زاد من 221 مليار جنيه إلى 252 مليار جنيه في عام 2003، وشكل نسبة 8.60% من الناتج المحلي الإجمالي. وبإضافة ديون بنك الاستثمار القومي والهيئات الاقتصادية يصل الدين المحلي إلى 351 مليار جنيه، تشكل نسبة 84% من الناتج الإجمالي. وإذا أضفنا الدين الخارجي والبالغ 7.28 مليار دولار يصل الدين العام إلى 120% من الناتج المحلي الإجمالي.

ماذا اقترح عبيد لحل أزمة الدين الحكومي؟ اقترح ببساطة وعلى الملأ نهب أموال الجماهير، وذلك من خلال الاستيلاء على أموال التأمينات والمعاشات التي تشكل الجزء الأكبر من الدين المحلي (حوالي 165 مليار جنيه) في مقابل أصول مملوكة للدولة قيمتها 105 مليار جنيه تعادل 40% من الدين المحلي. كما اقترح البيان في سبيل السيطرة على الإنفاق وزيادة الموارد، خفض الأجور من خلال فتح باب الإجازات، وزيادة الموارد من خلال بيع أراضي الوزارات والهيئات وبيع المخزون الحكومي لدى الهيئات والشركات.. إلخ.

كل هذه الحلول يدفع ثمنها الفقراء من خلال انقضاض الحكومة على ما تبقى لهم من فتات يكاد يجعلهم أحياء، بينما تفكر الحكومة في إعادة النظر في ضريبة الدخل لتخفيف الأعباء الضريبية على المستثمرين!! وأيضًا لا تتردد في منح أصحاب الأعمال قروض البنوك لتهريبها للخارج، ليجد المصريون مدخراتهم تستثمر في أوروبا وأمريكا وهم غارقون في الفقر!! ويخبرنا البيان أيضًا بأن الحكومة ليست مسئولة عن أزمة البطالة، فهي تتحمل أعباء تعيين 150 ألف كل عام من أصل 600 ألف يدخلون سوق العمل سنويًا!! وإذا حسبنا تراكم عدد الـ450 ألف المتبقين عبر السنوات الماضية لعلمنا أن هناك ملايين الشباب ينضمون إلى جيش البطالة، حيث وصلت تقديرات البطالة – غير الرسمية، ما بين 20% إلى 25% من قوة العمل.

وقد سارع البيان في تكرار ساذج بإلقاء اللوم على الزيادة السكانية التي أصبحت شماعة كل المشاكل، والمبرر السريع والسهل لتنصل الحكومة من مسئولياتها. فأصبحنا نحن الجماهير في النهاية السبب في المشاكل لأننا نتناسل بمعدلات عالية!! رغم أن الواقع يشير إلى عكس ذلك. فتشير الإحصائيات الرسمية والدولية إلى أن السلوك الإنجابي للمصريين قد تغير تغيرًا جذريًا خلال الأربعين عامًا الماضية.

وفيما يتعلق بالموازنة العامة فقد ذكر بيان الحكومة أنه تمت السيطرة على عجز الموازنة العامة للدولة في حدود 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، رغم أن البيانات الرسمية ذاتها تنفي ذلك. وتشير بيانات النشرة الاقتصادية الشهرية الصادرة عن وزارة التجارة الخارجية المصرية في نوفمبر 2003، إلى أن إجمالي عجز الموازنة العامة قد ارتفع إلى 8.6% من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي 2002/ 2003 مقارنة بعجز 1% و9.2% و9.3% و6.5% و8.5%، من الناتج المحلي الإجمالي في الأعوام التالية 97/ 1998 و98/ 1999 و99/ 2000 و2000/ 2001 و2001/ 2002 على التوالي، أي أن الذي حدث هو تزايد العجز في الموازنة العامة وليس السيطرة عليه. هذا التزايد الذي حدث في الأعوام الثلاثة الأخيرة كما هو واضح من البيانات المذكورة آنفًا.

يبقى أن نشير إلى أن أهم إنجازات الحكومة التي لم يذكرها البيان هذا العام ارتفاع معدل التضخم من 2.3% إلى 5.6%، ويعكس ذلك ارتفاع الرقم القياسي لأسعار المستهلكين بنحو 1.4% مقابل 6.1% في العام الماضي.