بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كيف تفسر الحكومة الأزمة؟!

في ظل التصاعد الجنوني للأسعار وتزايد معاناة جماهير الفقراء والكادحين، يتبع الخطاب الرسمي للنظام إستراتيجية فريدة من نوعها هي إدانة الشعب. فمن وجهة نظر الخطاب الحكومي يكمن السبب الرئيسي وراء ارتفاع الأسعار والأزمة الاقتصادية في الزيادة السكانية، وزيادة معدلات الاستهلاك، بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار العالمية وانخفاض سعر صرف الجنيه أمام الدولار. بناء على ذلك فإننا ولأول مرة في التاريخ نقف أمام نظام سياسي مضطهد ومقموع من قبل شعب مستبد ومستغل!! شعب يتكاثر بمعدلات فائقة ويأكل كثيرًا ويبدد جهود النظام الحاكم في التنمية والإصلاح!!

لا تتسم المبررات التي تسوقها الدولة لارتفاع الأسعار فقط بالتضليل، وإنما أيضًا باللامبالاة المستفزة بمعاناة الفقراء اليومية. أهم ما تسوقه الحكومة من مبررات هي الزيادة السكانية، حيث تدعي أنها السبب الرئيسي وراء الأزمة الراهنة، لأنها تلتهم النم الاقتصادي!! الحقيقة أن تعداد السكان ارتفع بمعدل متوسط بلغ 2.3% من 1975 حتى 1999، ووصل التعداد إلى حوالي 68 مليون نسمة عام 2003 بزيادة قدرها 25 مليون نسمة عن سنة 1980. لكن الواقع الآن أن معدلات النمو السكاني أخذت في التراجع منذ التسعينيات ووصلت إلى 1.7% سنويًا، وهي نسبة معتدلة على المستوى العالمي، كما أن المتوقع أن تصل إلى 1.5% في السنوات القادمة.

من ناحية أخرى، فقد تجاوزت الزيادة في الإنتاج، خاصة الإنتاج الغذائي، الزيادة السكانية بكثير. فمثلاً في الفترة من 1990 وحتى 2000 ارتفع إنتاج الغذاء في مصر بنسبة 56.5% وارتفع إنتاج الحبوب في نفس الفترة بنسبة 63.6%. أما القمح فقد ارتفع إنتاجه من 2 مليون طن في مطلع الثمانينيات إلى 68 مليون طن في عام 2003، أي بزيادة تقدر بحوالي 345% في حين أن الزيادة السكانية خلال نفس الفترة تقل عن 70%.
وبينما يعتبر متوسط ساعات العمل في مصر من أعلى المعدلات في العالم ويصل إلى 58 ساعة أسبوعيًا، يعتبر الحد الأدنى للأجور من أدنى الأجور في العالم. فقد كان يبلغ 343 دولارًا سنويًا عام 1984، ثم ارتفع إلى 415 دولارًا عام 1999. بينما ارتفعت القيمة المضافة المنتزعة من كل عامل في الصناعة من 3691 دولارًا سنويًا في النصف الأول من الثمانينيات إلى 5976 دولارًا سنويًا في النصف الأخير من التسعينات، على الرغم من انخفاض مجموع تكلفة العامل من 2210 إلى 1863 دولارًا سنويًا. وتشير هذه الأرقام إلى ارتفاع إنتاجية العامل المصري وتعرضه لدرجة عالية من الاستغلال، وهو ما ينفي الادعاءات الحكومية حول الكسل والتكاثر كسبب للأزمة.

أما التهمة الثانية التي توجهها الدولة للشعب هي ارتفاع معدلات الاستهلاك وتستشهد على ذلك بأن معدل استهلاك الفرد من القمح في مصر يصل إلى 180 كجم سنويًا، أي ما يقرب من نصف كجم يوميًا. والحقيقة أن الحكومة نفسها تعترف بأن الاستهلاك الفعلي يقل عن ذلك بحوالي 50 كجم أي حوالي من 130 – 150 كجم سنويًا، ويعتبر ذلك معدلاً مرتفعًا بالنسبة للمعدلات العالمية. غير أن ما تتجاهله الحكومة هو أن ارتفاع استهلاك القمح هو مؤشر على الفقر وانخفاض الاستهلاك وليس العكس، إذ تعني زيادة استهلاك القمح غياب التنوع الغذائي وانخفاض الاستهلاك من اللحوم والخضروات والألبان والفاكهة ومحاولة خفض تكلفة الوجبة الغذائية لمقاومة ارتفاع الأسعار. بالإضافة إلى أن مسئولية فقد كميات كبيرة من القمح في النقل والتخزين والطحن والتصنيع تقع على عاتق الدولة وليس المواطن، الذي يحاول اكتشاف رغيف صالح للاستهلاك الآدمي بين كل خمسة أرغفة وذلك بعد شقائه في طوابير الخبز.

لكن إذا كان الشعب بريئًا كما ندعي وليس هو السبب في ارتفاع الأسعار والفقر فمن السبب؟! إن إطلالة سريعة على بعض سياسات الدولة قد تكشف لنا الأسباب. مثلاً انخفضت نسبة إنفاق الحكومة على الدعم من 8% من إجمالي الإنفاق العام عام 19991 – 1992 إلى 48% عام 2000 – 2001. كما انخفضت نسبة الدعم من 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.6% في نفس الأعوام. في الوقت نفسه بلغ الإنفاق على الدفاع والشرطة 12.4% من الإنفاق العام و39% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2001 – 2002 بواقع 15.673 مليار جنيه، أي أكثر من ضعف الإنفاق على الدعم في نفس العام والبالغ 6.51 مليار جنيه.

أليس طبيعيًا أن تنعكس هذه السياسات في الإنفاق الحكومي على الأسعار وعلى حياة الفقراء؟ هذا عن الإنفاق الحكومي، لكن ماذا عن التوزيع؟! البيانات المتوفرة عن التوزيع تفضح الظلم الاجتماعي الفادح. فيشير تقرير البنك الدولي إلى أن أفقر 20% من السكان في مصر يحصلون على 9.8% من الدخل أما أغنى 10% فيحصلون على 25% أي ربع الدخل الإجمالي هذا الإحصاء عن عام 1995. ورغم أننا لا نجد إحصاءات أحدث في تقارير البنك الدولي، لكن مؤشرات التنمية البشرية تشير إلى أنه في عام 2000 – 2001 كان متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في حي حلوان، الذي يضم 580 ألف نسمة، هو 4680.5 جنيه سنويًا، أما في حي المعادي، الذي يضم 148.6 ألف نسمة، كان متوسط نصيب الفرد 17616.1 دولار سنويًا، أي حوالي أربعة أضعاف نصيب الفرد في منطقة صناعية كحلوان!! وسنجد الفارق أكبر كثيرًا عند المقارنة بالريف والصعيد والمناطق المهمشة.

هذا التفاوت في الدخل بين الأغنياء والفقراء لم يحدث إلا بسبب انحياز الدولة السافر للأغنياء على حساب الفقراء، وتمكين حفنة من المستثمرين ورجال الأعمال من استنزاف ثروات المجتمع. المثال الصارخ على ذلك هو عملية الخصخصة، فشركات القطاع العام التي قيمها وكيل بنك الاستثمار القومي عام 1993 بـ500 مليار جنيه تم بيع أغلبها بـ 148 مليار جنيه وجري تقييم الباقي بـ14 مليار جنيه، أي أن الدولة باعت شركات القطاع العام لبضع عشرات من المستثمرين بخسارة تزيد على 450 مليار جنيه!! وهي خسارة تفوق قيمة الدعم الموجه للفقراء، الذين يبلغ عددهم حوالي 40 مليون نسمة، بحوالي 30 مرة.

وفي إبريل 2000 أعلن وزير المالية أن الضرائب المستحقة والتي لم تسدد بلغت 17.6 مليار جنيه وهو ما يزيد على ضعف مخصصات الدعم!! هذا عن الضرائب المستحقة، أما عن حجم الأموال التي ضاعت على خزانة الدولة بسبب الإعفاءات الضريبية والجمركية لرجال الأعمال فهي يصعب حسابها، لكن من الممكن تصور ضخامتها. كذلك تدعيم الدولة لأوضاع احتكارية تسهل للرأسماليين فرض أسعار فاحشة على السلع والخدمات، مثل احتكار حديد التسليح، واحتكار شركتي المحمول للخدمة، التي بلغت أرباحهما 2 مليار جنيه في عام 2003 حصلها المستثمرين الكبار في شركتي المحمول من الشعب!!

من ناحية أخرى بلغ ما حصل عليه القطاع الخاص من قروض ومساهمة مباشرة في رأس المال من البنوك في نهاية يونيو 2000 نحو 162.5 مليار جنيه، وكان نصيب 8 عملاء فقط من القروض 124 مليار جنيه. ولا يمكن الحديث عن التفاوت الطبقي والظلم الاجتماعي دون الإشارة إلى حجم الفساد والأموال الضخمة التي يتم نهبها. فحجم الأموال المنهوبة في القضايا المنظورة أمام القضاء حاليًا 10 مليار جنيه، وليس هذا سوى جزء محدود من حجم الفساد الحقيقي، الذي ينزح بشكل منظم أجزاء لا بأس بها من الثروة الاجتماعية، ويؤثر بشكل مباشر على حياة الفقراء.

السؤال الصحيح إذن ليس لماذا ترتفع الأسعار؟ بل كيف لا ترتفع الأسعار في ظل هذه السياسات؟!! إن ارتفاع الأسعار والفقر هو النتيجة التلقائية لهذا التفاوت الطبقي والظلم الاجتماعي والانحياز للأغنياء على حساب الفقراء. إن أي حديث عن الزيادة السكانية والاستهلاك ليس سوى محاولة للتضليل وإخفاء الأسباب الحقيقية للمعاناة التي يعيشها الكادحون يوميًا. الحقيقة الوحيدة التي نقرأها حولنا هي أن طوابير الخبز تزيد بمقدار ما تتزايد الثروات المنهوبة من الفقراء، وأن البطالة تستشري مع تصاعد الأرباح الرأسمالية. الجوع هو الضريبة التي يدفعها الفقراء لتنمية ثروات وأرباح المستثمرين. هذه هي الأسباب الحقيقية وراء ارتفاع الأسعار والإفقار الذي أصبح يشمل الغالبية العظمى من السكان.

رغم ذلك فإن بعض الأسباب التي تسوقها الدولة لارتفاع الأسعار لا تخلو من وجاهة، الأول هو ارتفاع سعر الدولار والذي يرفع بدوره أسعار الصادرات. لكن لماذا يرتفع الدولار؟ إن قرار تحرير سعر الصرف والذي تلاه ارتفاع هائل في سعر الدولار أمام الجنيه، كان أحد الخطوات الهادفة لإدماج الرأسمالية المصرية في الاقتصاد العالمي، وهو ما تضغط في اتجاهه بقوة منظمات رجال الأعمال وممثلوها السياسيون ومنظروها، حتى تتمكن الرأسمالية المصرية من الاستفادة من اتفاقات الشراكة والتبادل مع الرأسمالية والتجمعات الاقتصادية، ومن يدفع ثمن ارتفاع الدولار هم الفقراء أما المستوردين فإنهم يعيدون جمع أرباحهم من جيوب الفقراء.

السبب الثاني الذي تسوقه الدولة لتفسير ارتفاع الأسعار، هو ارتفاع الأسعار العالمية، وأن ما يحدث عندنا هو جزء مما يحدث في العالم والأسعار المحلية تتأثر بالأسعار العامية. وهذه صحيح بالطبع فالرأسمالية على مستوى العالم تقوم عبر نفس الآليات باستغلال ونهب الكادحين، وتتراكم الثروات الرأسمالية في العالم في مقابل تراكم الفقر والجوع. الاستغلال والنهب والإفقار الحادث في مصر هو بالفعل جزء مما يحدث في العالم. لكن إذا كان ارتفاع الأسعار والفقر ظواهر عالمية فإن النضال ضدهم هو أيضًا ظاهرة عالمية.

الانتفاضات الجماهيرية ضد الفقر والبؤس، التي أطاحت بالأنظمة صانعة الجوع من إندونيسيا، إلى الأرجنتين، إلى بوليفيا أصبحت ظاهرة عالمية. كما أن الإضرابات العامة والمظاهرات العارمة في إيطاليا وألمانيا وإنجلترا ونيجيريا وغيرها، التي تطالب برفع الأجور ودعم الفقراء، هي أيضًا ظاهرة عالمية. هكذا، عندما يصل الأمر إلى الجوع لن يكون لدى الفقراء ما يخسرونه. الواقفين في طوابير الخبز وجيوش العاطلين سرعان ما يتحولون إلى حركات مناضلة من أجل العدل والمساواة. والدرس الأكبر الذي قدمته حركات الجماهير الفقيرة في العالم هو أن سياسات الإفقار والتجويع لا تمر دون حساب. وكما أن أسعارهم جزء من الأسعار العالمية، فإن نضالنا لا بد أن يكون جزء من النضال العالمي.