بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الموازنة العامة.. فتش عن السياسة في كومة الأرقام

وزارة المالية

ربما لا تتعدى الصورة الذهنية عن الموازنة العامة كونها مجرد كومة ضخمة من الأرقام والتعريفات والاصطلاحات المعقدة، لكن ما الذي نجده حين ننبش في تلك الكومة؟

في قلب تلك الكومة سنجد السياسة، أو بعبارة أوضح سنجد أنفسنا أمام وثيقة شديدة الصراحة توضح بجلاء أولويات الحكومة في الإنفاق وفي جلب الإيرادات لتغطية هذا الإنفاق على نحو لا تفسره الاعتبارات الاقتصادية بقدر ما تفسره الاعتبارات السياسية.

فمثلا، قد تشير الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية لضرورة مضاعفة الإنفاق على الصحة على نحو يتصدر معه هذا القطاع أولويات الإنفاق الحكومي على خلفية تفشي فيروس كورونا المستجد. علاوة على أن الاعتبارات القانونية تشير بدورها لنفس النتيجة بسبب الالتزامات الدستورية بشأن الإنفاق على الصحة والتعليم والبحث العلمي.

إذ يفرض الدستور الحالي حدًا أدنى للإنفاق على الصحة 3% من الناتج المحلي الإجمالي، ويفرض حدًا أدني للإنفاق على التعليم يبلغ 4% من الناتج المحلي، و3% للإنفاق على التعليم العالي، و1% للإنفاق على البحث العلمي.

لكن ما يخبرنا به مشروع الموازنة العامة الجديدة -للعام المالي 2019/2020- يختلف تماما. فواقع الأمر أن الحكومة خصصت للإنفاق على الصحة في العام الجديد 93.544 مليار جنيه بارتفاع قدره 25% تقريبًا عن مخصصات الصحة هذا العام.

لكن ما الذي يعنيه ذلك؟ لا يعني ذلك إلا إنفاق ما يقل عن نصف الاستحقاق الدستوري على الصحة، وكذلك التعليم -كقطاع يشمل التعليم والتعليم العالي. ولدواعي التبسيط، يمكننا غض البصر عن الإنفاق على البحث العلمي -بسبب غموض نفقات البحث العلمي في الموازنة العامة- ولنرى ما هو حجم التطور الذي حمله مشروع الموازنة الجديدة بالنسبة للإنفاق على الصحة والتعليم كأبرز أنماط الإنفاق الاجتماعي المرتبط بالعدالة الاجتماعية.

ويظهر الشكل رقم 1 تطور الإنفاق على الصحة والتعليم كنسبة من الناتج المحلي في ستة أعوام مالية -تبدأ السنة المالية في الأول من يوليو من كل عام وتستمر حتى 30 يونيو من العام التالي. ويتضح من ملاحظة الخطين المستقيمين المائلين باللون البرتقالي والأخضر أن الإنفاق على الصحة والتعليم كنسبة من الناتج المحلي قد اتخذ اتجاها “نزوليًا” بصورة عامة طوال تلك الفترة، وهي الفترة اللاحقة على صدور دستور عام 2014.

كيف يمكن إذن تفسير هذا التوجه إلا بالاعتبارات والخيارات السياسية، وهي الاعتبارات التي دفعت الحكومة المصرية الآن للبحث عن ضالتها في التمويل -في الوقت الذي تنهار فيه الإيرادات من النقد الأجنبي وعلى رأسها إيرادات السياحة بعد توقفها- لدى صندوق النقد الدولي مجددًا.

ولأنها تلجأ لصندوق النقد الدولي، فالتقشف يصبح حتميا، وهو ما نراه واضحا في الإنفاق الهزيل على الصحة التي يبدو من البديهي الآن وضعها على قمة أولويات الإنفاق.

لننبش أكثر في كومة الأرقام ونرى. قد نجد إذن أن الإنفاق على الصحة ليس أمرا بسيطا كما يبدو فهو يضم عدة بنود هي الأجور والدعم والمنح والمزايا الاجتماعية والفوائد والمصروفات الأخرى وشراء السلع والخدمات والاستثمارات.

فإذا كنا الآن نواجه وباء كورونا، فربما يكون الاستثمار في الصحة بالذات هو حجر الزاوية إذن في أي سياسة رشيدة للإنفاق.

لكن ما حدث في موازنة العام المالي الجديد هو تقريبًا ما يحدث في كل عام، فالإنفاق على الاستثمار يوجه في المقام الأول للإنفاق على الاستثمار في الإسكان.

ويظهر الشكل رقم 2 تطور حجم الإنفاق على الاستثمار في الإسكان مقابل حجم الإنفاق على الصحة والتعليم. ويتضح من الشكل نفسه الأولوية الكبيرة التي تمنحها الحكومة للاستثمار في الإسكان على حساب الاستثمار في التعليم والصحة.

فخلال ستة أعوام مالية -على الأقل- استمر الاستثمار في الإسكان في تصدر أولويات الإنفاق على الاستثمار في الموازنة. حتى أن الشكل السابق يوضح أن الاستثمار في الصحة والتعليم مجتمعين طوال تلك الفترة كانوا أقل من الاستثمار في الإسكان بنسب كبيرة. هذه الحقيقة لا يمكن أن تنم عن نهاية أزمة الإسكان في مصر، لسببين رئيسيين: الأول هو توجه الدولة نفسها خلال تلك الفترة للتوسع في الاستثمار في الإسكان الفاخر، والثاني هو أن المشروع الذي اتجهت الدولة للتوسع فيه واستخدمته بشدة في دعايتها السياسية وهو مشروع الإسكان الاجتماعي قد يستهدف القطاع الأدنى من الطبقة الوسطى لكن لا يمكنه أبدًا أن يحل أزمة القطاعات الأكبر من الفقراء لأنه مشروع قائم على التمليك لا الإيجار وعلى توجيه “الدعم” للفئات ذات الدخول الثابتة.

لماذا تتوسع الدولة إذن في الاستثمار في الإسكان في الوقت الذي تبقى فيه ثلث الشقق السكنية مغلقة؟ هذا ما نسميه بالخيارات السياسية المرتبطة في الأساس بعلاقة السلطة بالقوات المسلحة التي تقوم بدور المقاول في كثير من مشروعاتها.