بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اقتصاد

عرض نقدي لكتاب "كيف نتفادى الكارثة المناخية؟"

بيل جيتس لن ينقذنا من أزمة المناخ

بيل جيتس

كتاب بيل جيتس الجديد “كيف نتفادى الكارثة المناخية؟” هو دليل الملياردير لإدارة الأزمة المناخية.

يبدأ جيتس كتابه بقوله إن على الدول أن تخفض محصلة انبعاثاتها الكربونية إلى صفر. ويحسب جيتس أنه لابد من إزالة 51 مليار طن من الغازات الدفيئة من الجو كل عام حتى نتمكن من المحافظة على استمرار بقائنا على الكوكب. ولكي تصل محصلة الانبعاثات الكربونية إلى هذا الصفر، يقول جيتس بوضوح –مثل أي ملياردير– إنه سيعمل من داخل النظام ليصل إلى تلك النقطة.

المشكلة مع هذا الطرح هو أن هذا النظام –الرأسمالية– قد قادنا بالفعل إلى حافة الكارثة المناخية. لا يمكن تحويل هذا النظام من أجل إنقاذ الكوكب.

في الفصول التالية، يركز جيتس على إمكانية تحويل الصناعات الكبرى إلى صناعات خضراء، مستخدمًا أمثلة من مجالات المواصلات والزراعة والطاقة. تمتلئ هذه الفصول بتفاصيل عن ابتكارات في تكنولوجيا المناخ والتكنولوجيا الخضراء، بالإضافة إلى جرعات كبيرة من الحكمة من جيتس نفسه، الذي يشير إلى كل المشاريع التي يستثمر فيها، ويشجِّع الشركات الأخرى على المخاطرة والاستثمار فيها أيضًا.

ولكن هذه المبادرات تشتمل على عدد من المشاريع حتى جيتس نفسه يقول إن نجاحها غير مضمون. يتحدث جيتس عن إمكانيات الالتقاط المباشر للهواء، وهي عملية باهظة الثمن بشكل مبالغ فيه تقوم باستخلاص ثاني أكسيد الكربون من الهواء. ويتحدث أيضًا عن الهندسة الجيولوجية، والتي تحاول عمدًا التلاعب بعمليات العالم البيئية، وهي مغامرة مكلفة أخرى تعتمد على تكنولوجيات لم يثبت نجاح بعضها بعد. ولا تزال أمام هذه التكنولوجيات عقودٌ كي تتمكن من تحقيق أي نتائج، وبالتالي فهي لا تتعامل مع الآنية المُلِحة لأزمة المناخ.

يفضل جيتس التكنولوجيات التي ستحقق آثارًا قصيرة المدى –إذا نجحت– عن التكنولوجيات طويلة الأمد. إنه يبحث عن حلول سريعة، حتى وإن كانت غير مضمونة. وبينما يحتفي الكتاب بالتكنولوجيات الجديدة، فهو أقل اهتمامًا بتكنولوجيات موجودة بالفعل منذ مدة. يشتكي جيتس في أحد مواضع الكتاب من أن الطاقة الشمسية غير كافية، وأن طاقة الرياح تشغل مساحة كبيرة من الأراضي. في عام 2019 قال جيتس إنه يجب توجيه الدعم الحكومي ليس إلى طاقة الرياح والطاقة الشمسية، بل إلى “شيءٍ جديد”.

الإمكانية
تُعَد طاقة الرياح والطاقة الشمسية وطاقة المد والجزر تقنياتٍ موجودة بالفعل ولديها الإمكانية –إذا طُبِّقَت بشكل صحيح– على إنتاج طاقة تكفينا جميعًا. والتقدم التكنولوجي في صناعتيّ الطاقة الشمسية والرياح يعني أن تكاليف تشغيلها قد أصبحت أقل وبات انتشارها أوسع.

لكن إحدى مشاكل المليارديرات مع هذه الصناعات هو أنها لا تضمن تحقيق الكثير من الربح. عادة ما تُخضع الحكومات صناعتيّ الطاقة الشمسية والرياح لرقابة قانونية شديدة، وقد انخفضت مكاسب الشركات الخاصة منها على مر السنين. وحتى إذا استثمرت شركات الطاقة في الطاقة المتجددة، فمن الأرجح أنها لن تتخلَّى عن صناعة الوقود الأحفوري المرتبطة بمليارات من دولاراتها.

وبينما يستبعد جيتس الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فإنه يلقي بثقله خلف نوعٍ آخر من الطاقة وهي الطاقة النووية. إنها صدفة بالطبع أن جيتس هو مؤسس شركة “تيرا باور” للابتكار النووي. يطمئن جيتس القارئ بادعائه كذبًا أنه يمكن جعل الطاقة النووية آمنة من خلال الابتكار.

لا يقول الكتاب صراحةً إن التكنولوجيا ستنقذنا من الأزمة المناخية، وإنما يؤكد مرارًا على أهمية “الابتكارات” باعتبارها الحل الوحيد. ولكن التقدم التكنولوجي لا يستطيع وحده تقديم الإجابة على سؤال الأزمة المناخية.

ليست المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، ولكن في الطريقة التي يستخدمها بها الرأسماليون مثل جيتس. يرى جيتس أنه يمكن للتنافس بين الخصوم الرأسماليين أن يكون الدافع للابتكار في مجال التكنولوجيا المناخية، ولكنه في الواقع هو ما يعيق الابتكار.

يقول جيتس أنه يجب على الحكومة “الاهتمام بفجوة الاستثمار” ويتمنى لو كانت هناك منافسة أكبر في سوق الطاقة. ويشجِّع الشركات على “تحمُّل المزيد من المخاطر” عند الاستثمار في الأبحاث البيئية، ويضيف أنه يجب أن تُكافأ هذه الشركات على خوضها هذه المخاطر.. لكن المزيد من المنافسة الرأسمالية ليست حلًّا للأزمة البيئية هي الأخرى.

الربح
في النظام القائم على الربح، يتنافس الرأسماليون ليتفوقوا على بعضهم البعض. وإذا لم يستطع بعضهم المنافسة، سيبتلعهم المنافسون الآخرون. هذا لا يعني فقط أن أصحاب العمل يستغلون العمال على نحوٍ متزايد، بل يستغلون الموارد الطبيعية التي يقدمها هذا الكوكب أيضًا على نحوٍ متزايد. إنهم يسعون فقط للربح على المدى القصير، ولا يسعون أبدًا للحلول طويلة الأمد. أدى هذا إلى إزالة الغابات، وفقدان الحيوانات لموائلها الطبيعية، والاحتباس الحراري.

على سبيل المثال، تضيف زيادة المنافسة في مجال الطاقة المتجددة المزيد من الفوضى القائمة في نظامٍ لا يملك الأشخاص العاديون قولًا فيه. وحتى تصبح الطاقة المتجددة بديلًا واقعيًا للوقود الأحفوري، يجب إبعاد هذا المجال عن أيدي الرأسماليين الكبار وتصبح ملكيةً عامة. ولكن بالطبع، لا يمكن أن ننتظر من ملياردير مثل جيتس أن يصل لهذا الاستنتاج.

أحد الأدوار الرئيسية التي يقوم بها هذا الكتاب هو صرف اللوم على فوضى النظام بعيدًا عن جيتس والشركات الكبرى، بل وتقديمهم باعتبارهم الحل. وبرغم كل الضجيج الذي يحدثه جيتس حول قضية البيئة، فإنه لم ينفصل بالكامل عن مجال الوقود الأحفوري. ادعى جيتس علنًا أنه سَحَبَ جميع استثماراته من الوقود الأحفوري في نهاية عام 2019، ولكن تلك ليست الحقيقة الكاملة.

أظهرت البيانات العامة لمؤسسة جيتس أنها كانت لا تزال تستثمر أكثر من 71 مليون جنيه استرليني في شركات النفط والغاز في نهاية عام 2019. وتشمل هذه الشركات إيكسون موبيل وتشيفرون كورب وبريتيش بتروليوم. علاوة على أنه لا يزال يمتلك حصة بنسبة 19% من سيجنيتشر إيفياشن، والتي تعد أكبر مشغل للطائرات الخاصة في العالم.

يظهر التناقض جليًا بين ما يريد جيتس أن يبدو عليه –كفاعل خير يوجه جهوده نحو تجنب الأزمة المناخية– وبين ما يفعله عمليًا.

وأحد الأمور التي يظهرها الكتاب بالفعل هو كيف تحولت النقاشات حول المناخ خلال العقدين الماضيين. في الماضي، كانت الشركات العملاقة –كعملاقة البترول شيل– تنكر ببساطة حدوث التغير المناخي. والآن يكتب أحد أغنى الرجال في العالم كتاب عن كيفية مكافحته، وأجرت بعض الشركات تحولاتٍ لتبدو خضراء أكثر بسبب التغيرات في الرأي العام.

أصبح الكثيرون ممن انضموا للحركة المناخية يستنتجون أن الحل الوحيد لإيقاف التغير المناخي الكارثي هو تفكيك النظام الذي تسبب فيه. أما هذا الكتاب، فيحاول تقديم وجهة النظر المعاكسة لهذا التوجُّه الراديكالي. يقول الكتاب أنه يمكن إيجاد حلول الأزمة المناخية في السوق الحرة، ربما ببعض المساعدة من السياسيين وقادة العالم. ولكن جيتس مخطئ. لا يمكن حل الأزمة المناخية إلا إذا انتزعنا التحكم في النظام من أيدي الطبقة الحاكمة التي قادتنا إلى هناك في المقام الأول.

لماذا يحب الإعلام الأثرياء؟
حظى كتاب جيتس ببعض التناول الإيجابي في الصحافة. وعادةً ما يقدم الإعلام جيتس باعتباره الملياردير الودود الذي أنعم علينا بتكنولوجيا ميكروسوفت ويساهم بمبالغ كبيرة من المال في الأعمال الخيرية. والآن يريد الظهور بشخصيةٍ ملهمة تساهم بثروتها وحكمتها في الصراع ضد أزمتيّ المناخ وفيروس كورونا.

ولكن تلك الصورة الإيجابية عن جيتس في بعض قطاعات الإعلام ساعدت فيها بالتأكيد التبرعات الضخمة التي يقدمها لهم. في العام الماضي، قدمت مؤسسة بيل ومليندا جيتس أكثر من 2 مليون جنيه إسترليني لصحيفة الجارديان البريطانية. في الواقع، على مر السنوات التسع الماضية، قدمت المؤسسة منحًا بقيمة تتخطى 6 مليون جنيه إسترليني لأقسام مختلفة في مجموعة جارديان الإعلامية. فلم تكن مفاجأة بالطبع أن الجارديان نشرت في منتصف فبراير عرضًا مادحًا لكتاب جيتس، كتبه رئيس الوزراء السابق جوردون براون.

منحت المؤسسة أيضًا في 2019 مليون و455 ألف جنيه إسترليني لبرنامج العمل الإعلامي التابع لشبكة بي بي سي البريطانية، وكذلك مليون و521 ألف جنيه إسترليني لصحيفة لوموند الفرنسية. وهذه ليست معلومات سرية على الإطلاق، إذ يمكن من خلال بحثٍ بسيط على الموقع الإلكتروني لمؤسسة بيل ومليندا جيتس أن تتوصَّلوا إلى هذه الأرقام. حتى أن مؤسسة جيتس قد مولت تقريرًا عن التأثير الذي يملكه المانحين على ما يكتبه الصحفيون.

والآن يريد جيتس الدعم لأجندته حول كيفية معالجة أزمة المناخ، وقطاعات واسعة من الإعلام مستعدة لمساعدته في مقابل أمواله. بفضل المقالات التي تقرأها عن جيتس، يسهل الوصول إلى استنتاجٍ مفاده أن وجود المليارديرات يأتي في مصلحة المجتمع، وأن ابتكاراتهم وأعمالهم الخيرية تفيد الناس. لكن في الحقيقة، ليس للأعمال الخيرية التي يقوم بها المليارديرات علاقة كبيرة بمساعدة الناس، بل بجني الأرباح.

* بقلم صوفي سكواير – جريدة العامل الاشتراكي البريطانية.