بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

صندوق النقد الدولى مطحنة الفقراء لرعاية المصالح الرأسمالية

قبل أن نتطرق للحديث عن صندوق النقد الدولي وعلاقته بالغلاء والإفقار، علينا أولا أن نتعرف إلى النظام الرأسمالي النقدى الذي تتحكم فيه مؤسسات مالية وليست شركات إنتاج فعلية. نستطيع ان نقول ان هذا النظام بدأ يسيطر على العالم مع اتفاقية بريتون وودز والتي أنشئ بموجبها صندوق النقد الدولي.

اتفاقية بريتون وودز
هي اتفاقية نظام نقدي دولي وقعت في عام 1944 بين 44 دولة، بهدف تنظيم العلاقات النقدية والتجارية بعد الحرب العالمية الثانية. ووفقاً لهذه الاتفاقية، تم ربط قيمة العملات بالدولار الأمريكي، الذي بدوره ربط بالذهب بسعر 35 دولاراً للأوقية. كما تم إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتقديم المساعدة المالية للدول الأعضاء وتعزيز التعاون الاقتصادي.

هذا النظام النقدي الجديد كان الهدف الظاهر منه هو تحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي في العالم، ومنع تكرار الأزمات التي شهدتها الرأسمالية في الفترة ما بين الحربين. ولكن هل كان هذا النظام قادراً على حل التناقضات الداخلية للرأسمالية، أم كان مجرد محاولة لتأجيل الأزمة النهائية؟ وما هي العوامل التي أدت إلى توحش هذا النظام في بداية السبعينيات؟ وما هي الآثار الاجتماعية والسياسية لهذا التوحش؟

لفهم أسباب ومبررات اتفاقية بريتون وودز، يجب أن نعود إلى الفترة التي سبقتها، وهي الفترة ما بين الحربين العالميتين الواقعة بين 1914 و 1945. هذه الفترة التي شهدت أزمة عميقة للرأسمالية، تمثلت في الكساد العظيم، الذي بدأ في عام 1929 واستمر حتى منتصف الثلاثينيات.

الكساد العظيم كان أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخ الرأسمالية، حيث انخفض الإنتاج الصناعي بنسبة 40%، وارتفعت نسبة البطالة إلى 25%، وانهارت الأسعار و الأجور والأرباح. هذا الكساد كان نتيجة للتناقضات الداخلية للرأسمالية، وخاصة التناقض بين الإنتاج والاستهلاك. الرأسمالية تسعى إلى زيادة الإنتاج والربح عن طريق تطبيق التكنولوجيا وتخفيض تكاليف العمالة، مما يؤدي في الوقت ذاته إلى تقليل القدرة الشرائية للعمال والمستهلكين، وبالتالي إلى تكدس السلع. هذا ما يسمى بالأزمة الفائضة، أو الأزمة الناتجة من عدم توازن بين الإنتاج والاستهلاك.

هذه الأزمة أدت إلى تفاقم التنافس بين الدول الرأسمالية الكبرى على الأسواق والموارد ومناطق النفوذ. التنافس الذي تحول إلى صراع عسكري، متمثلا بالحرب العالمية الثانية، التي كانت حرباً إمبريالية بامتياز. حيث حاولت كل دولة توسيع نطاق سيطرتها ومصالحها على حساب الدول الأخرى. هذه الحرب كانت أيضاً نتيجة للتناقضات الداخلية للرأسمالية، وخاصة التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج. الرأسمالية تسعى إلى تطوير قوى الإنتاج، أي الآلات والتكنولوجيا والعلوم، ولكن هذا يتعارض مع العلاقات الإنتاجية، أي النظام الاجتماعي والسياسي والقانوني الذي يحكم توزيع واستغلال الثروة. هذا ما يسمى بالأزمة الهيكلية.

هذه الحرب أسفرت عن مقتل أكثر من 60 مليون شخص، وتدمير معظم البنية التحتية والصناعية في أوروبا وآسيا، وتغيير موازين القوى في العالم ، فقد خرجت الولايات المتحدة من الحرب كأقوى دولة رأسمالية، والاتحاد السوفيتي خرج من الحرب كأقوى دولة ذات رأسمالية وطنية ، وتشكلت بينها معسكرات متناقضة، وبدأت الحرب الباردة، التي هيمنت على السياسة الدولية لعقود. وفي هذا السياق، كانت اتفاقية بريتون وودز محاولة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها لإعادة بناء النظام الرأسمالي العالمي، وتأمين مصالحهم وهيمنتهم على الاقتصاد العالمي. الولايات المتحدة كانت تمتلك ثلثي الاحتياطي الذهبي في العالم، وكان الدولار الأمريكي هو العملة الأقوى والأكثر قبولاً. لذلك، فإن الولايات المتحدة كانت تسعى إلى فرض نظام نقدي يعتمد على الدولار والذهب، وكانت تسعى إلى إنشاء مؤسسات مالية دولية، تحت سيطرتها ونفوذها، تقوم بتنظيم وتنسيق السياسات الاقتصادية بين الدول . وهذا ما تحقق بإنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

يمكن تحليل اتفاقية بريتون وودز على أنها محاولة لحل بعض المشاكل والتناقضات التي تواجه الرأسمالية، ولكن ليس جميعها، وليس بشكل دائم. فهذه الاتفاقية كانت تهدف إلى تحقيق أهداف متعارضة، وهي الاستقرار والنمو. فالاستقرار يتطلب تثبيت أسعار الصرف والتحكم في حركة رؤوس الأموال، ولكن النمو يتطلب تغيير أسعار الصرف وتحرير حركة رؤوس الأموال. وهذا يعني أن النظام النقدي الذي تم إنشاؤه بموجب اتفاقية بريتون وودز كان نظاماً غير مستقر وغير مستدام، وأنه كان عرضة للأزمات والانهيار.

تحول النظام النقدي الذهبي إلى نظام نقدي نقدي
الولايات المتحدة كانت تعاني من تفاقم عجز ميزان المدفوعات، وتناقص احتياطياتها من الذهب، وتراجع قوتها النسبية في الاقتصاد العالمي. وهذا كان ينذر بانهيار الدولار والنظام الذهبي. كما كانت الولايات المتحدة تعاني من زيادة التضخم والبطالة والديون، نتيجة للحرب الباردة والحرب في فيتنام والسياسات الاجتماعية والعسكرية الهدرة. وهذا كان ينذر باندلاع أزمة اقتصادية واجتماعية.

وفي بداية السبعينيات، تحولت هذه التهديدات إلى حقائق، فانهار النظام النقدي الدولي المعتمد على الذهب الذي تم إنشاؤه بموجب اتفاقية بريتون وودز. وكان الحدث الأبرز في هذا الانهيار، هو قرار الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في عام 1971 إلغاء تحويل الدولار إلى الذهب، وبالتالي إنهاء النظام الذهبي. ويمكن اعتبار هذا القرار نوع من الخداع والخيانة من قبل الولايات المتحدة، التي أجبرت العالم على قبول الدولار كعملة عالمية، غير مغطاة ثم رفضت الالتزام بالتزاماتها بتحويله إلى الذهب. وبعد انهيار النظام النقدي الذهبي، تحول النظام النقدي العالمي إلى نظام الصرف العائم، حيث تحدد قيمة العملات بحسب العرض والطلب في السوق. كما أن هذا القرار يعتبر بمثابة المرحلة الثانية فى سيطرة المؤسسات المالية على الاقتصاد العالمي وهو ما أدى إلى تعويم العملات وتذبذب أسعار الصرف واندلاع الأزمات المالية. كما أدى إلى تغيير في طبيعة الرأسمالية العالمية، وظهور ما يسمى بالرأسمالية المالية أو الجشعة، التي تعتمد على الخصخصة وتحرير سعر الصرف والعولمة لرؤوس الأموال. البنك الفيدرالي الأمريكي هو المهيمن والمسيطر على الاقتصاد الامريكى وبالتالى على صناعة القرار داخل أروقة صندوق النقد الدولى والبنك الدولى أو الشركات متعددة الجنسيات، التي تسعى إلى زيادة أرباحها ونفوذها على حساب الدول والشعوب والبيئة. هذا النوع من الرأسمالية ولد مزيدا من التناقضات والأزمات، وواجه المزيد من المقاومة والانتفاضة من قبل الطبقات العاملة والشعبية والحركات الاجتماعية والسياسية.

– البنك الفيدرالي الأمريكي
هو البنك المركزي للولايات المتحدة المسؤول عن تنظيم السياسة النقدية والحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي للنظام الرأسمالي . ويمكن اعتبار البنك الفيدرالي أداة لخدمة مصالح الطبقة الرأسمالية الأمريكية، وتمكينها من التحكم في النظام المالي العالمي. البنك الفيدرالي هو مؤسسة خاصة، تتألف من 12 بنكاً فيدرالياً إقليمياً، يملكها ويديرها البنوك الخاصة. والبنك الفيدرالي لا يخضع للرقابة الحكومية أو الشعبية، ولا يمكن للكونغرس أو الرئيس أو أي جهة أخرى التدخل في قراراته. والبنك الفيدرالي هو الذي يحدد معدل الفائدة الأساسي، وينظم كمية النقود المتداولة، ويشتري ويبيع السندات الحكومية، ويقدم القروض للبنوك والحكومة. وبهذه الطريقة، يمكن للبنك الفيدرالي التأثير على النشاط الاقتصادي والتضخم والبطالة والدين العام وسعر الصرف والتجارة الخارجية.

كما يمكن للبنك الفيدرالي التأثير على صندوق النقد الدولي، الذي يعتمد بشكل كبير على الدولار كعملة احتياطية ووسيلة للتسديد. والولايات المتحدة لها حصة الأسد في التصويت والنفوذ في صندوق النقد الدولي بحكم مساهمتها في الصندوق، وتستطيع أن تمنع أي قرار لا توافق عليه. ويستخدم صندوق النقد الدولي قروضا وشروط لفرض سياسات اقتصادية نيوليبرالية على الدول المدينة والتي تشمل خفض الإنفاق العام، ورفع أسعار الفائدة، وخصخصة الشركات العامة، وفتح الأسواق للمنافسة الخارجية. هذه السياسات تهدف إلى تحسين كفاءة الاقتصاد وزيادة النمو والاستقرار للنظام الرأسمالي، ولكن في الواقع تؤدي إلى تفاقم الفقر والتفاوت والتبعية والاستغلال، وتقويض السيادة الوطنية والحقوق الاجتماعية والبيئية للدول المدينة. العديد من الأمثلة على ذلك في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، حيث تسببت سياسات صندوق النقد الدولي في أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية خطيرة.

صندوق النقد الدولى
– يمكن اعتبار صندوق النقد الدولي كأداة لتمديد وتعميق وهيمنة النظام الرأسمالي العالمي، وتحويل الدول النامية إلى أسواق ومصادر رخيصة للرأسمال الأجنبي. صندوق النقد الدولي يساهم في تكريس العلاقات الاقتصادية الغير متكافئة بين الدول الغنية والفقيرة، ويسهل عملية نقل الثروة والموارد من دول الاطراف الى دول المركز الرأسمالية . الصندوق يساهم في تقوية الدولة الرأسمالية والنخبة الحاكمة في الدول المدينة واللتان تتحالفان مع القوى الإمبريالية و تخضعان لمصالحها. ويعمل على تقويض القوى الشعبية والديمقراطية والتقدمية في هذه الدول، والتي تناضل من أجل التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

قروض صندوق النقد المتتالية
منذ عام 2016، تعاونت مصر مع صندوق النقد الدولي للحصول على قروض مالية مقابل تنفيذ برامج إصلاح اقتصادي ينحاز الى رجال الاعمال على حساب الطبقة العاملة . وفي عام 2020، وافق الصندوق على منح مصر تسهيل ممدد مدته 46 شهرا بقيمة 3 مليارات دولار أمريكي لمواجهة تداعيات جائحة كورونا و الأزمة الروسية-الأوكرانية على الاقتصاد المصري. وشرط الصندوق على الحكومة المصرية أن تتبنى مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية، من أبرزها رفع سعر الفائدة وتعويم الجنيه وخفض الدعم والإنفاق العام وتحرير السوق وتشجيع الاستثمار الخاص.

فكما سبق وأشرنا فإن هذا الاتفاق يخدم مصالح الرأسمالية العالمية على حساب الطبقة العاملة المصرية. أن صندوق النقد الدولي هو أداة لتطبيق سياسات التحرير والخصخصة والتقشف التي تهدف إلى توسيع سوق الرأسمال وزيادة أرباحه على حساب الدول النامية والشعوب الفقيرة. هذه السياسات أدت إلى زيادة الفقر والبطالة والتضخم والديون والاستغلال والتمييز والتهميش والاضطرابات الاجتماعية والسياسية.

من المعروف أن مصر تعاني من عجز كبير في الميزان التجاري وميزان المدفوعات، حيث تزيد الواردات عن الصادرات، وتعتمد على السياحة والتحويلات الخارجية والاستثمارات الأجنبية كمصدر للعملة الصعبة. وبسبب سوء إدارة الاقتصاد المصري من نظام الثورة المضادة الذي يفرض هيمنته على مصادر الثروة ، ويستخدم قروض صندوق النقد الدولي كوسيلة لتحقيق ذلك تراجعت هذه المصادر بشكل كبير، مما أدى إلى نقص في الدولار وارتفاع سعر الصرف فهذه القروض تفرض شروطا قاسية ، تتضمن خفض الإنفاق الاجتماعي، ورفع أسعار السلع والخدمات، وتحرير سعر الصرف، وبيع الأصول العامة.

وهذه الإجراءات تؤدي إلى تفاقم الفقر والبطالة والتضخم، وتقليل القدرة الشرائية للمواطنين
وبدلا من تبني سياسات تنموية تهدف إلى تنويع الاقتصاد وزيادة الإنتاج المحلي والتصديري وتقليل الاعتماد على الواردات، فضلت الحكومة المصرية اللجوء إلى الصندوق النقد الدولي للحصول على قروض تزيد من عبء الدين الخارجي وتفرض شروطا تقيد السيادة الوطنية وعلى الرغم من ان سياسات صندوق النقد الدولى تمثل عبئا متزايدا على الفقراء الا ان حتى النظام المصري لم يحاول ان يدفع بعجلة التنمية قيد انملة باستخدام القروض بل اهدر نظام الثورة المضادة تلك القروض على مشاريع لم تدرس جدواها ولم تنعكس على الوضع المعيشي والاقتصادى للشعب المصري بل اقل ما يقال عنها انها مشاريع (استعراضية ) مثل تفريعة قناة السويس الجديدة واكبر مسجد الذي يزين باكبر نجفة فى العالم واكبر كنيسة فى افريقيا واطول برج فى افريقيا والقطار الكهربائي الذي لا يخدم غالبية الشعب المصري وقد بلغت التكلفة الاولية لهذه المشروعات 11 مليار دولار فى بلد يواجه غالبية شعبه مشكلة الفقر المزمن تحت ظل اقتصاد متخبط فى الوقت نفسه اتجه النظام إلى بيع اصول الدولة وخصخصة الشركات التي تملكها للوفاء بسداد القروض.

ومن أبرز الشروط التي فرضها الصندوق على مصر هو تعويم الجنيه، أي تحرير سعر الصرف وتركه للعرض والطلب في السوق. وهذا الإجراء أدى إلى انهيار قيمة الجنيه مقابل الدولار، وارتفاع أسعار السلع ، وزيادة التضخم وتناقص القوة الشرائية للمواطنين. وهذا يعني أن الطبقة العاملة تدفع ثمن الاتفاق مع الصندوق من خلال تدهور مستوى معيشتها وتقليل حقوقها وفرصها.

ومن جهة أخرى، يستفيد الرأسماليون من الاتفاق مع الصندوق من خلال زيادة أرباحهم وامتيازاتهم. الصندوق يشجع على رفع سعر الفائدة وتحرير السوق وتشجيع الاستثمار الخاص وخفض الدعم والإنفاق العام. وهذه السياسات تؤدي إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية والمحلية في القطاعات الربحية مثل العقارات والسياحة والاتصالات والمصارف، وتقليل الاستثمارات في القطاعات الاستراتيجية مثل الزراعة والصناعة والتعليم والصحة، وتخفيض الإنفاق على الخدمات العامة والبنية التحتية والبحث العلمي والتنمية البشرية. وهذا يعني أن الرأسمالية تزيد من تركزها وسيطرتها على الاقتصاد المصري وتقوض التنمية الشاملة والمستدامة.

فى النهاية يمكن اعتبار أن الاتفاق مع الصندوق النقد الدولي يعكس التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج في المجتمع المصري. القوى الإنتاجية تتطور بفعل التكنولوجيا والعولمة والتنافس ، وتزيد من إنتاجية العمل والرأسمال. ولكن العلاقات الإنتاجية تبقى قائمة على ملكية الرأسمال لوسائل الإنتاج واستغلاله للعمالة واستيلائه على الفائض. وهذا يؤدي إلى تفاقم التباين بين الطبقات وتشديد الصراع بينها. يمكن رؤية ذلك في الشارع المصري الرافض لسياسات الإفقار على الرغم من تغول الدولة البوليسية إلا ان الاحتجاجات والاضرابات العمالية تطل علينا بين الحين والآخر لتعبر عن رفض الشعب للسياسات الاقتصادية المفروضة من الصندوق والحكومة.