بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

من يفوز بـ«كعكة» ضرائب الموازنة العامة

وافق مجلس النواب في 3 يونيو الجاري على الموازنة العامة للدولة عن السنة المالية 2025-2024. الموازنة الجديدة تعطي الأولوية لتحسين مستوى معيشة متوسطي الدخل مستهدفةً توسيع القاعدة الضريبية، حسبما قال وزير المالية محمد معيط، في بيان للوزارة.

الموازنة العامة هي بيان مالي سنوي للدولة يشمل الإيرادات المتوقع أن تحصلها الدولة، والمصروفات التي يلزم إنفاقها خلال السنة المالية التالية، التي تبدأ من أول يوليو وتنتهي في آخر يونيو من كل سنة. مجموع حصيلة إيرادات الموازنة وأوجه إنفاقها هي عملية حسابية معقدة طالما طُبِخَت من أعلى، وأُجبِرَت الأغلبية على تمويلها دون أن يكون لها قرار في أوجه إنفاقها. ولكن ما نشهده اليوم من هجوم غير مسبوق من السلطة على أدنى الحقوق الأساسية للعيش يتطلب النضال من أجل انتزاع الحق في المحاسبة، من أجل توزيع عادل للثروة، وضرورة فهم آلية عمل الموازنة المالية، ولصالح من تمتص الدولة دمائنا لهذه الدرجة.

بحسب بيان المالية، تبلغ الإيرادات العامة للموازنة العامة الجديدة 2.6 تريليون جنيه، بمعدل نمو للإيرادات الضريبية المستهدفة نحو 30.5% لتصل لأكثر من 2 تريليون جنيه. يشير البيان إلى أن النمو المستهدف للحصيلة الضريبية يأتي انعكاسًا لجهود الميكنة لرفع الكفاءة الضريبية وتوسيع القاعدة الضريبية.

ضمن خطة ميكنة الضرائب، جاء تطبيق منظومة الفاتورة الإلكترونية لتتبع جميع التعاملات نحو نظام مركزي للضرائب، وضم الاقتصاد غير الرسمي إلى وعاء الضرائب، وهو ما قوبل برفض من المهنيين ممثلين في نقابتيّ الأطباء وأطباء الأسنان، علاوة على احتجاجات المحامين في ديسمبر 2022، وسبق أن وصف المحامي الحقوقي خالد علي حينها أن هذه المنظومة بمثابة تسليع للعدالة.

يشير تقرير لـ«مشروع حلول للسياسات البديلة» في مايو الماضي، بعنوان «موازنة عامة يمولها الفقراء»، إلى محورية اعتماد حصيلة الضرائب على السلع من خلال الضريبة على القيمة المضافة، وتمثيلها لنحو 36% من حصيلة الإيرادات الضريبية في مشروع الموازنة الجديد، وهي ضريبة غير مباشرة يتحمل عبئها الأكبر الفئات الأقل دخلًا والأعلى إنفاقًا لدخولهم على احتياجاتهم الأساسية. وبصورةٍ عامة، تحصِّل الدولة كعكة الضرائب من الفئات الأقل دخلًا، في غياب تام للعدالة. ويشير تقرير «حلول» إلى أن ضريبة المرتبات تمثل نحو 55% من إجمالي ضرائب الدخل المفروضة على الأشخاص، والتي تشكل القاعدة العمالية للمنشآت المختلفة من الدرجات الوظيفية الأقل “الثانية والثالثة وما تحتها”.

كعكة الضرائب التي تمولها الفئات الأقل دخلًا يقابلها على الجانب الآخر إعفاءات وتسهيلات ضريبية لرؤوس الأموال. في فبراير الماضي رحبت جمعية خبراء الضرائب بقرار مجلس الوزراء تمديد إعفاء المصانع من الضريبة العقارية حتى عام 2026، وطالبت ببحث إعفاء المصانع من الضريبة العقارية بشكل نهائي بحسب الموقع الرسمي لمصلحة الضرائب العقارية. وفي يونيو الجاري، رحب أشرف عبد الغني، مؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية، بإعلان رامي يوسف، مساعد وزير المالية للسياسات والتطوير الضريبي، قرار الوزير رفع حد الإعفاء الضريبي على تقديم الملف الرئيسي والملف المحلي إلى 15 مليون جنيه، طبقًا للمادة 12 من قانون الإجراءات الضريبية الموحدة، مشيرًا إلى أن مساعد وزير المالية أعلن أيضًا أنه سيتم فصل الفحص الخاص بتسعير المعاملات عن الفحص الخاص بالضريبة على الدخل، بحسب تصريحات صحفية لموقع «المال».

جزءٌ مما تضخه الفئات الأقل دخلاً في وعاء الضرائب يفوز به المصدِّرون، إذ تمول الموازنة المالية الجديدة قطاع الصناعة والأنشطة التصديرية بإجمالي 40.5 مليار جنيه، ووصل دعم الحكومة للمصدرين خلال الأربع سنوات الأخيرة إلى 60 مليار جنيه، بحسب بيان لوزارة المالية في 11 يونيو الجاري.

الانحيازات المكشوفة للموازنة العامة للدولة تتجاوز كونها مجرد أرقام، ولكنها تقدم مؤشرًا عن السياسة الفوقية لسلطة الدولة، واستثمارها في لحم وعظم العمال والطبقات الفقيرة. الدولة لا تدعم المصدرين فقط بل إن جزءًا كبيرًا من أرباحهم قائم أيضًا على دعم سياسي دون قيود، قد نراه في غض الطرف عن التربح من تشغيل الأطفال، واستغلال النساء مقابل أجور أقل. الموازنة العامة التي كتبت من أعلى، بدون نقاش أو مشاركة مع مموليها وعماد إيراداتها، تبقى في مهب الريح وعرضة للجمع والطرح والقسمة، بشكل ارتجالي كلما راودت الرئيس تجليات ليمنح أو يمنع، بحسب ما تراوده خيالاته أو حاله “الفقير أوي”.

لا موازنة عادلة بدون أن يكون بيانها المالي نابع من أسفل، وفقًا لاحتياجات ومصالح الأغلبية، حينها من الممكن أن يأكل من الكعكة من يصنعها، ومالكها في الأصل.