العاصمة الإدارية: عمران الخوف من الثورة

في منتصف المسافة بين القاهرة والسويس، وعلى بعد 60 كيلومترًا من وسط القاهرة، تُلقى خرسانات فوق أراضٍ تمتد على مساحة 170 ألف فدان. ما يعادل ضعف مساحة مدينة القاهرة أو مساحة قلب القاهرة الكبرى القديم بما يشمل مدن القاهرة والجيزة وشبرا الخيمة. تعادل العاصمة الإدارية الجديدة تقريبًا مساحة سنغافورة، أو أربعة أضعاف مساحة واشنطن.
- مصدر الصورة: المويلحي، حـ. (2019). العاصمة الإدارية الجديدة – القاهرة: السلطة، والتنمية الحضرية، والظلم الاجتماعي – النموذج المصري الرسمي للنيوليبرالية. العمران النيوليبرالي.
تقدم الدولة وشركات الاستثمار العقاري هذه الأرقام بوصفها دليلًا على الإنجاز، حتى يبدو حجم المشروع نفسه وكأنه برهان على نجاحه. وتتكرر المقارنات بالأرقام القياسية: أطول برج في أفريقيا، وثالث أكبر مسجد في العالم بعد الحرمين، وأكبر كاتدرائية في الشرق الأوسط، وأطول نهر صناعي في العالم بطول 35 كيلومترًا، وحديقة تبلغ مساحتها ستة أضعاف حديقة سنترال بارك في نيويورك. كما تضم المدينة مطارًا تبلغ مساحته أربعة أضعاف مطار هيثرو في لندن، ومدينة ملاهٍ تعادل سبعة أضعاف ديزني لاند في كاليفورنيا، ومقرًا لوزارة الدفاع على هيئة الأوكتاجون (المثمن) يفوق في مساحته مبنى البنتاجون (المخمس) الأمريكي. ويشمل المشروع كذلك 40 ألف غرفة فندقية، و2000 مدرسة، و1.1 مليون وحدة سكنية، و1250 مبنى دينيًا، ويستهدف نقل 50 ألف موظف حكومي في مرحلته الأولى، يرتفع عددهم لاحقًا إلى 100 ألف.
تُسوَّق العاصمة باعتبارها مدينة عالمية صُممت لتناسب المستثمرين الدوليين بأبراجها الزجاجية الشاهقة. وجاء على لسان مدير شركة العاصمة السابق اللواء أحمد زكي عابدين أن «من يذهب للتسوق في قبرص أو اليونان أو دبي، لازم يجي عندنا، فدبي كلها قائمة على تلك المراكز التجارية، وهذا ما نخطط له أيضًا في العاصمة الإدارية». بينما صرح المتحدث باسم الشركة العميد خالد الحسيني بأنها مدينة «تليق بالمصريين»، لأن المدن المصرية الحالية تفتقر إلى الإنسانية. غير أن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة أن الغالبية الساحقة من المصريين لا مكان لها داخل هذا المشروع الفاخر، سواء في السكن الذي لا يستطيعون تحمل تكلفته، أو حتى في مشاهدة مباريات كأس العالم التي مُنعوا منها بعد أول مباراة، إذ أصبح دخولها بتذكرة 300 جنيه.
كل شيء بات يدور حول العاصمة الجديدة: الوزارات والمصالح الحكومية والسفارات، وخطوط ومحطات المونوريل والقطار الكهربائي السريع، ومشروعات الطرق التي تشق أحياء القاهرة وسكانها ومدافنها للوصول إليها. وحتى مباريات كأس العالم كانت تُعرض على أكبر شاشة في العالم، بينما انتقلت مشاهد الأذان التلفزيوني إلى مسجد الفتاح العليم. ومنذ ما يقرب من عشر سنوات، تتركز جهود المهندسين والمقاولين وعمال البناء والنقل في هذا الموقع، كما تتوالى القروض والمنح والاستثمارات لخدمة المخطط نفسه.
ولا يمكن إنكار التأثير الهائل لهذا المشروع على المدن المصرية وسكانها، وعلى قطاع السكن والعقارات، وعلى طريقة توجيه الموارد وتشكيل حياتنا لعقود، وربما لقرون. ومع ذلك تكاد مشاركة المواطن العادي في تقرير هذا الشكل من إعادة هندسة حياته تنعدم.
تشكل العاصمة الجديدة حياتنا في إطار برنامج «جمهورية 30 يونيو الجديدة»، وهي ابنة هذا البرنامج بما يميزها عن التاريخ الطويل للمدن الجديدة في مصر. فهي تمثل عمرانًا عسكريًا معاديًا للبشر وللتجمعات، ونموذجًا للتمويل يتجاوز مجرد الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ليعتمد على تحويل مؤسسات القطاع العام إلى شبكة من الصناديق والهيئات الاقتصادية المهيأة لاستقبال التمويل السريع. وهكذا يصبح العمران أداة تستخدمها السلطة لإعادة هندسة المجتمع والحيز العام، بما يخدم أمنها واستمرارها ومصالح حلفائها الاقتصاديين.
عسكرة المدن
خلال افتتاحه للأوكتاجون «مركز القيادة الاستراتيجي للدولة» في يوليو 2026، ذكر عبد الفتاح السيسي أنه: «ليه القيادة الاستراتيجية للدولة موجودة هنا؟ لأن كان في يوم من الأيام بيتم محاصرة المحكمة الدستورية، وفي يوم من الأيام بيتم محاصرة مجلس الوزراء، وفي يوم من الأيام بيهددوا وزارة الدفاع. […] كان لا بُد إن الدولة تخرج من العاصمة عشان الكلام ده ميتكررش تاني […]كان لا بُد أن الدولة متبقاش موجودة، البرلمان مايبقاش هناك، وميبقاش مجلس الوزراء هناك، ووزارة الدفاع هناك، الكلام ده خلاص.»
لا يمكن أن تظهر بصمة ثورة يناير بشكل أوضح في خطط الدولة وتصريحاتها المتعلقة بنقل الوزارات والمؤسسات إلى العاصمة الجديدة.
بدأت الخطط بمحاولات لتغيير الأماكن المرتبطة بذاكرة الثورة، وإعادة تصميمها بما يمحو تلك الذاكرة، ويمنح الدولة قدرة أكبر على التحكم في من يحق له استخدام هذه المساحات وفق منطق أمني يبرره خطاب «منع الخطر» و«مواجهة البلطجة». كما انتشرت بصورة دائمة وسائل التحصين الأمني، من أسوار وبوابات وأسلاك شائكة، في شوارع المدينة.
ولم يبدأ تقليص هذه التحصينات إلا مع أول موجة لنقل المؤسسات الحكومية من وسط القاهرة عام 2016، حين انتقلت وزارة الداخلية، ومكتب النائب العام، ونيابات أمن الدولة، وهيئة قضايا الدولة إلى القاهرة الجديدة. عندها فقط تراجع الوجود الأمني في وسط البلد، في خطوة مهدت لاحقًا لنقل هذه المؤسسات إلى العاصمة الجديدة.
وفي ذلك الوقت، صرح المدير السابق لأكاديمية الشرطة قائلًا:
«الظرف الأمني مرتبط باستهداف هذه المؤسسات من جانب عدد من المتظاهرين المتمركزين بمنطقة وسط البلد، الذين يسعون لنشر الفوضى في البلاد، خصوصًا بعد بلوغ هذه التظاهرات درجات مؤسفة من الفوضى، وكسر هيبة الوزارة وعدد من مؤسسات الدولة بحصارها، وتشويه جدرانها بعبارات مهينة لأفرادها ورسومات قميئة.»
وهكذا انتهت رمزية وسط البلد باعتبارها مركزًا لمؤسسات الدولة، لتحل محلها فنادق فاخرة يظل كثير منها نصف فارغ. أما حماية المؤسسات في العاصمة الجديدة فتتحقق على مستويين: ماديًا، عبر صعوبة الوصول إليها في مواقعها الجديدة؛ واجتماعيًا، بإحاطتها بمناطق سكنية للطبقات الأكثر ثراءً، والمتوافقة معها في المصالح.
تختلف عسكرة العاصمة في عهد السيسي، من حيث الحجم ودرجة تحققها، عن عسكرة القاهرة عبر تاريخها. ففي الماضي كانت التحصينات جزءًا من تخطيط المدن التي شكلت القاهرة الحالية. فقد أُنشئت مدينة العسكر خارج الفسطاط لتكون مقرًا منفصلًا للجند (العسكر) العباسيين، ثم جاءت القاهرة الفاطمية التي شُيدت في بدايتها مقرًا للحكم، وأحيطت بأسوار لحمايتها من الغزو ومن ثورات أهل الفسطاط. وبعد ذلك، أدت قلعة صلاح الدين دور الحصن الذي يحمي السلطان وجنده، ومنهم المماليك البرجية الذين أقاموا فيها.
لكن منطق عسكرة المدن تغير مع تطور الرأسمالية وتغير طبيعة الحروب. فتراجع دور المدينة المحصنة، وبرز بديل يقوم على تخطيط المدن بطريقة تسمح بالسيطرة عليها عبر سرعة انتشار القوات وقمع التمردات. فخلال الاستعمار الفرنسي للجزائر، وضع القادة العسكريون الفرنسيون إرشادات لقمع الانتفاضات اعتمدت على تدمير أحياء من المدن وإعادة تشكيلها بإنشاء شوارع واسعة. وبعد الثورة الفرنسية والاضطرابات التي تلتها، أزال البارون هوسمان أجزاء واسعة من أحياء باريس وشوارعها، وشيد مكانها الشوارع العريضة التي تميز المدينة اليوم، وكتب في مذكراته أن أولويته كانت تمكين الجيش من الانتشار السريع لإخماد التمردات. ولاحقًا، استعان به الخديوي إسماعيل عند تخطيط الأحياء الجديدة التي أصبحت تعرف اليوم بالقاهرة الخديوية.
وفي الولايات المتحدة، خلال ستينيات القرن العشرين، وبعد موجة من الانتفاضات الحضرية، استُخدمت الطرق السريعة كحواجز تفصل بين أحياء الفقراء ومناطق الأثرياء. وفي مصر، ظل تطويق المناطق الشعبية هدفًا دائمًا لهيئات التخطيط العمراني؛ إذ استهدفت مشروعات مثل الطريق الدائري تقسيم الأحياء الشعبية ومحاصرتها. كما بدأ مشروع إنشاء «التجمعات» المحيطة بالطريق الدائري بوصفه خطة لنقل السكان الأفقر ومواجهة نمو العشوائيات ببناء إسكان اجتماعي. إلا أن الاستثمار العقاري حول هذا الهدف إلى المناطق السكنية الفاخرة التي تعرف باسم القاهرة الجديدة حالياً.
نجح السيسي في نقل المؤسسات الحكومية إلى العاصمة الجديدة، حيث يصل عرض بعض الشوارع إلى 120 مترًا. وتتيح هذه الشوارع الواسعة، إلى جانب المسافات الكبيرة بين المباني، سهولة انتشار قوات الأمن في مواجهة أي تحرك شعبي. كما أن الطرق الجديدة التي تشق قلب المناطق السكنية تسهل وصول القوات إليها، بينما يساهم اقتلاع الأشجار في توسيع مجال الرؤية، وتساعد إعادة تخطيط المناطق الشعبية وفق شوارع مستقيمة على إحكام مراقبتها، في نموذج يذكر بمخطط سجن «البانوبتيكون» الذي استخدمه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو لوصف آليات المراقبة في المجتمع الحديث.
في أكتوبر 2023، اعتصم مئات المعلمات والمعلمين أمام وزارة التربية والتعليم في العاصمة الإدارية احتجاجاًعلى استبعاد تعيين ١٤ ألف معلم بعد خضوعهم لاختبار «كشف الهيئة» في الكلية الحربية. فض الأمن الاعتصام في نفس اليوم وأجبر المعتصمين على ركوب حافلات لنقلهم بعيداً عن مكان الاعتصام. يختلف هذا النمط عن نمط الاعتصامات السابق في مناطق الوزارات في وسط البلد والدواوين التي سمحت للمعتصمين بالمناورة عبر الشوارع والمواقع المختلفة أمام الوزارات.
وبهذا المعنى، نجح السيسي فيما حاول الرؤساء السابقين، محمد أنور السادات وحسني مبارك، تحقيقه دون أن يبلغا الدرجة نفسها. فقد خُطط لمدينة السادات لتكون عاصمة إدارية، وانتقلت إليها بالفعل وزارة الإسكان لمدة ثمانية أشهر قبل أن تعود إلى القاهرة عقب اغتيال السادات. كما سعى مبارك إلى نقل الوزارات، إلا أن المشروع تعثر بسبب نقص التمويل واعتراض الموظفين.
أما الجانب الأحدث من عسكرة المدينة فيقوم على توظيف تكنولوجيا المراقبة. فالعاصمة الإدارية تُسوَّق باعتبارها «مدينة ذكية». وقد صرح اللواء أحمد زكي عابدين، رئيس شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، بأن جميع شوارع المدينة ستكون مراقبة بكاميرات تعمل بالطاقة الشمسية، بما يجعل الجريمة مستحيلة. كما تعتمد المدينة على منظومة دفع غير نقدية، وإشارات مرور تعمل بالحساسات دون الحاجة إلى أفراد شرطة لتنظيم الحركة. وهكذا تُبنى مدينة ذكية في بلد يُصنف ضمن أبطأ دول العالم في سرعة الإنترنت، في تجسيد لمزيج يجمع بين النيوليبرالية، التي تخدم مصالح شركات التكنولوجيا، والسلطوية، التي توظف هذه التكنولوجيا لتعزيز السيطرة.
في عمران 30 يونيو، يهيمن الجيش على تخطيط المدن وهندستها وإدارتها. فعلى المستوى الإداري، عيّن السيسي 20 محافظًا من أصل 27 من خلفيات عسكرية، ولأول مرة منذ ثلاثة عقود أصبح محافظ القاهرة لواءً سابقًا، كما يتولى ضباط سابقون إدارة الأحياء والعديد من المصالح الحكومية. وعلى المستوى العمراني، يتدخل الجيش عبر الهيئة الهندسية للقوات المسلحة وجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة في تصميم المدن وتنفيذ مشروعاتها. وفي الوقت نفسه، يحقق أرباحًا من بيع الأراضي ومن شبكات الشركات والمتاجر التابعة له والمرتبطة بمشروعات التطوير. فبعد نقل موقف وسوق السيدة عائشة مثلًا، أصبحت جميع المحال التجارية في الموقف الجديد تتبع كيانات مثل «أمان» و«مستقبل مصر»، وحتى تحصيل فواتير الكهرباء أصبح من اختصاص شركة «فالكون»، وأعلنت شركة الكهرباء عملاءها بأن فالكون «جهة سيادية». وهو ما يمكن رؤيته كعملية «إخلاء للمجال الاقتصادي الشعبي لصالح احتكار عسكري ريعي». الأراضي التي يتم إخلاؤها تُنزع ملكيتها «للمنفعة العامة» ثم تُمنح لشركات وأجهزة سيادية لإقامة محلات تجارية لبيعها أو تأجيرها، مما يعني تجريد الباعة والعمال المحليين من اقتصادهم الذاتي وتحويلهم إلى أجراء أو مستهلكين في فضاءات تملكها أجهزة الدولة.
نجح السيسي في تحقيق ما عجز عنه السادات ومبارك جزئيًا بفضل قدرته على توفير التمويل، إلا أن عسكرة الدولة نفسها أصبحت عنصرًا أساسيًا في جذب هذا التمويل. فقد دفعت الأزمة المالية العالمية عام 2008 المستثمرين إلى البحث عن مشروعات بنية تحتية ضخمة باعتبارها استثمارات منخفضة المخاطر. وفي هذا السياق، يُنظر إلى دخول الجيش شريكًا أو مطورًا للمشروع باعتباره عاملًا يقلل المخاطر الاستثمارية، لأنه يمتلك القدرة على إزالة العقبات التي قد تعترض التنفيذ، سواء تعلق الأمر بإخلاء السكان، أو نزع ملكية الأراضي، أو تجاوز التعقيدات القانونية. وهكذا يُترجم العنف السلطوي، في لغة المستثمرين، إلى ضمانة لاستثمار أكثر أمانًا.
تمويل واستثمارات البنية التحتية
عندما بنى أحمد بن طولون مدينة القطائع، الواقعة اليوم بين السيدة زينب والقلعة، وأقام فيها جامعه الكبير، قاطع المصريون المسجد والمدينة معًا لاعتقادهم أن بناءها تم بأموال حرام. ويرجح المؤرخون أن سبب هذه المقاطعة كان الضرائب الباهظة التي فرضها ابن طولون لتمويل مشروعه العمراني. وتروي رواية ابن طولون أنه تراجع عن فرض تلك الضرائب، وبرر ضخامة المشروع بأنه عثر على كنز أثناء إحدى رحلاته في الصحراء مع حاشيته. واليوم، يطرح السؤال نفسه بصورة مختلفة: هل عثر السيسي والجيش بالفعل على كنز في الصحراء، كما يرددان حين يؤكدان أن العاصمة الجديدة «لن تكلف المصريين جنيهًا واحدًا»؟ إن فهم بنية التمويل وآليات الاستغلال ونهب الموارد يكشف أن هذا الكنز في الصحراء والذي يُستخدم في تمويل المشروع هو في جوهره ثروة عامة جرى الاستيلاء عليها.
في المؤتمر الاقتصادي الذي عُقد في مارس 2015، أُعلن مشروع العاصمة الإدارية الجديدة بتكلفة إجمالية بلغت 500 مليار دولار، منها 45 مليار دولار للمرحلة الأولى. وخلال المؤتمر، خاطب السيسي مصطفى مدبولي مؤكدًا أن المشروع لن يستغرق عشر سنوات ولا حتى سبعًا، بل سينفذ في فترة أقصر. كما أعلن مدبولي أن العاصمة «لن تكلف المصريين جنيهًا واحدًا». لكن هذه التصريحات تبخرت تباعًا مع تطور المشروع.
ففي عام 2018، صرح العميد خالد الحسيني، المتحدث باسم شركة العاصمة الإدارية، بأن ميزانية المرحلة الأولى تعدت المخصص لها ولم يعد هناك سقف أعلى لتكاليفها. كما تأخر تنفيذ المرحلة الأولى مرات متتالية منذ ذلك العام، خاصة مع تراجع المستثمرين بسبب الخلافات المالية وبطء التنفيذ.
وانسحب عدد من أبرز المستثمرين الذين كان يعول عليهم المشروع، مثل محمد العبار وشركاته الإماراتية، وفي مقدمتها إعمار، إضافة إلى شركة كابيتال سيتي بارتنرز، التي كانت قد وقعت مذكرة تفاهم عام 2015 للمشاركة في بناء العاصمة. كما انسحبت شركتا «تشاينا لاند فورتشون» و«شركة الصين الحكومية للإنشاءات» من التمويل المباشر للمشروع. وأمام هذا التراجع، اعتمدت شركة العاصمة الإدارية بصورة أكبر على هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة التي ضخت عام 2018 دعم حكومي وقروض بقيمة 15 مليار جنيه، والهيئة الهندسية للقوات المسلحة، ومستثمرين محليين مثل طلعت مصطفى، وأوراسكوم، والمقاولون العرب.
ومع تراجع التمويل الخليجي وانسحاب الشركات الصينية من الاستثمار المباشر، تحول المشروع تدريجيًا إلى مشروع يعتمد على الاقتراض. ومن أبرز هذه القروض، قرض صيني بقيمة ثلاثة مليارات دولار قدمه تحالف من البنوك الصينية بقيادة البنك الصناعي والتجاري الصيني (ICBC)، لتمويل منطقة الأعمال المركزية (CBD) والبرج الأيقوني بالتعاون مع شركة (CSCEC) الصينية. كما حصلت الدولة على قرض آخر بقيمة 1.2 مليار دولار من بنك التصدير والاستيراد الصيني لتمويل القطار الكهربائي المرتبط بالعاصمة.
وبموجب القرار الجمهوري رقم 57 لسنة 2016، تأسست شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية كشراكة بين هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، التي تمتلك 49% من الأسهم، وهيئتين تابعتين للقوات المسلحة تمتلكان 51% من الأسهم مقابل الأرض التي قدمت حصةً عينية، وهما جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية.
وتستند ملكية القوات المسلحة لأراضي العاصمة إلى القرار الرئاسي الصادر عام 1997، الذي نقل ملكية جميع الأراضي غير الزراعية وغير المطورة إلى القوات المسلحة، وهو ما منحها السيطرة على ما يقدر بنحو 87% من أراضي مصر. أما مشاركة هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، فترتبط بكونها واحدة من أوائل نماذج تحويل المؤسسات الحكومية إلى هيئات اقتصادية تعمل خارج الموازنة العامة وأنجحها، وتعتمد على بيع الأراضي بالمزاد لمستثمرين محليين ودوليين.
وقد أعيدت هيكلة هذه الهيئات الثلاث بحيث أصبحت تملك صلاحيات شراء الأصول وبيعها وتطويرها بصورة مستقلة عن الموازنة العامة، مع ميزانيات خاصة بها. وحتى عام 2006، كانت هيئة المجتمعات العمرانية تبيع الأراضي وفق هامش ربح محدد، لكنها تحولت بعد ذلك إلى نظام المزادات، وهو ما وفر لها موارد ضخمة. ففي عام 2007 حققت إيرادات بلغت 3.12 مليار دولار، وهو ما يعادل 117 ضعف حصيلة الضرائب العقارية في المدن آنذاك، ونحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي، واستخدمت هذه الإيرادات في تمويل مشروعات مثل الطريق الدائري.
وعندما يؤكد مصطفى مدبولي أن العاصمة «لن تكلف المواطن أو الموازنة العامة شيئًا»، فإنه يتجاهل أن الأراضي التي يجري التصرف فيها هي في الأصل أراضٍ عامة، تُباع عبر هيئات اقتصادية مستقلة عن الموازنة، ولا تخضع لرقابة ديمقراطية على كيفية استخدامها. كما أن الثروة التي تراكمها هذه الهيئات هي نتاج تطوير المدن والأراضي بعمل ملايين المصريين، في حين لا يملك هؤلاء أي سلطة على كيفية إدارة هذه الثروة أو توجيهها. فحتى لو كانت الموازنة التقليدية (الضرائب) لا تدفع مباشرة لبناء العاصمة، فإن العاصمة تلتهم الفرصة البديلة لتطوير المجتمع المصري. الأموال التي كان يجب أن تدخل ميزانية الدولة من بيع أراضي التجمعات، تم عزلها في ميزانيات الهيئات المستقلة لتُصرف في الصحراء بشرق القاهرة، بينما تعاني الموازنة العامة من عجز خانق يُسد عبر جيوب المواطنين بالقروض والضرائب وتخفيف الأحمال.
وفي الوقت الذي تُوجه فيه هذه الثروة العامة إلى مشروع تبلغ تكلفة مرحلته الأولى وحدها نحو 50 مليار دولار، لا تتجاوز ميزانية محافظة القاهرة، بكل سكانها، ثمانية مليارات جنيه، أي ما يعادل نحو 160 مليون دولار فقط. ولتخيل محدودية هذا الرقم، فإن مدينة ريو دي جانيرو، على سبيل المثال، التي يبلغ عدد سكانها 6.7 مليون نسمة، تبلغ ميزانيتها 52 مليار ريال برازيلي، أي ما يقارب 9.1 مليار دولار فقط هذا العام.
وبدلًا من توجيه الاستثمارات إلى الإسكان والخدمات العامة التي يحتاجها السكان، يبلغ سعر شقة من غرفتين في العاصمة نحو 50 ألف دولار، ويصل متوسط سعر المتر إلى نحو ثمانية آلاف جنيه، في مدينة لا يمكن التنقل داخلها عمليًا إلا بالسيارة الخاصة، في بلد لا تمتلك فيه السيارات سوى نحو 9% من الأسر.
وفي بلد يعاني سكانه من انقطاع الكهرباء، تُبنى أبراج زجاجية تستهلك كميات هائلة من الطاقة اللازمة لتكييفها. وفي الوقت نفسه، بينما يعاني الفلاحون من تراجع حصص المياه، يُنشأ أطول نهر صناعي في العالم وسط الصحراء، وحديقة تعادل ستة أضعاف مساحة سنترال بارك. ولا تخضع هذه الأولويات لأي قرار ديمقراطي، بل يحددها منطق السوق والاستثمار.
وفي دولة 30 يونيو، أصبح الجيش وسيطًا رئيسيًا ومهيمنًا على الاقتصاد المصري، ويتجلى ذلك بوضوح في مشروع العاصمة الإدارية. فهو شريك للقطاع الخاص في المشروعات الكبرى، ويعمل عبر هيئات مستقلة عن الموازنة العامة، ويحصل على المنح والقروض، ليصبح الضامن الرئيسي للاستثمار من خلال سلطته وأجهزته. كما يحقق أرباحًا من مشروعات البنية التحتية الكبرى، مثل الطرق، والمونوريل، والعاصمة الجديدة، ويؤول إليه استثمار مباني الوزارات القديمة بعد إخلائها وتحويلها إلى فنادق ومشروعات فاخرة.
وفي الوقت نفسه، تحولت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية إلى مقاول عام ضخم لمشاريع الإنشاءات العقارية في البلاد، إذ يتوليان إسناد عقود المقاولات من الباطن إلى الشركات الخاصة، مقابل رسوم إدارة تضمن تدفقات مالية ضخمة خارج الموازنة العامة للدولة.
كما أصبح التمويل القائم على مشروعات البنية التحتية الضخمة أحد أعمدة اقتصاد دولة 30 يونيو. ففي عام 2018، ساهم قطاع الإنشاءات بنسبة 7.7% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما ساهم قطاع الاستثمار العقاري بنسبة 11.7%. ولا يقتصر هذا النمو على العاصمة الإدارية، بل يشمل أيضًا إنشاء أربعة آلاف كيلومتر من الطرق الجديدة، و22 مدينة صناعية، و25 مدينة سياحية، وثمانية مطارات، وثلاثة موانئ.
ولا يمكن فهم هذا التوسع المحموم في مشروعات البنية التحتية بمعزل عن موقع مصر في الاقتصاد العالمي. ففي عام 2021، لم يمثل الاقتصاد المصري سوى نحو 0.3% من الاقتصاد العالمي، مع واردات بلغت نحو 70 مليار دولار، مقابل صادرات لا تتجاوز 40 مليارًا. وفي ظل بحث فوائض رؤوس الأموال في الصين وأوروبا والخليج عن فرص استثمارية سريعة ومنخفضة المخاطر، أصبحت مشروعات البنية التحتية الضخمة في مصر أحد المنافذ لتصريف هذه الاستثمارات.
ما العمل
لا يمكن فهم العاصمة الإدارية الجديدة بوصفها قطيعة مع تاريخ العمران في مصر أو بداية منفصلة عنه، بل باعتبارها امتدادًا لمسار طويل من التحولات التي ارتبط فيها بناء المدن بإعادة تشكيل السلطة. فالعمران في الحالة المصرية لم يكن يومًا مجرد استجابة للنمو السكاني أو وسيلة للتنظيم الإداري، وإنما كان، في جوهره، أداة سياسية لإعادة توزيع السلطة، وترسيخ النظام القائم، وإنتاج شكل جديد من العلاقة بين الدولة والمجتمع. ومن هذا المنظور، لا تبدو القاهرة مدينة واحدة، بل مجموعة من العواصم المتراكبة، تعكس كل واحدة منها لحظة سياسية مختلفة.
فالمدينة ليست مجرد مبانٍ وطرق، وإنما إطار يشكل حياة السكان، وعلاقاتهم الاجتماعية، وأنماط عملهم، ووسائل تنقلهم. ومن ثم، فإن مشروعًا بحجم العاصمة الإدارية، بما يستنزفه من استثمارات وموارد، وبما يعيد توجيه الأولويات العامة، يترك أثرًا مباشرًا في حياة الجميع، رغم أنهم لا يشاركون في اتخاذ القرار بشأنه. وفي المقابل، يحرص نظام 30 يونيو على قمع أي نقد للتحولات العمرانية التي يقودها. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك اعتقال الباحث إبراهيم عز الدين عام 2019، بعد انتقاده العاصمة الإدارية والمشروعات الكبرى وسياسات تهجير السكان.
ولا يمكن كذلك فصل مشروع العاصمة عن العملية الموازية المتمثلة في تهجير السكان. فكثيرًا ما بررت الدولة إنشاء المدن الجديدة بالرغبة في تخفيف التكدس السكاني ونقل السكان إلى مناطق جديدة، إلا أن منطق الاستثمار الذي يحكم هذه المدن يجعلها عاجزة عن استيعاب الزيادة السكانية الفعلية. فمنذ سبعينيات القرن الماضي وحتى عام 2006، أُنشئت 21 مدينة جديدة، لكنها لم تستوعب سوى نحو نصف مليون نسمة، بينما يشكل القطاع اللارسمي 86% من الإسكان في مصر.
ولا تختلف العاصمة الإدارية عن هذا النمط. فبعد أن استهدفت، عند الإعلان عنها عام 2015، استيعاب سبعة ملايين نسمة خلال عشر سنوات، لم يكن يقيم فيها بحلول عام 2025 سوى 25 ألف ساكن. ومع ذلك، فإن المدن الجديدة تحتاج إلى فائض من العمالة التي تخدمها، وهو ما وفرته دولة 30 يونيو عبر موجة غير مسبوقة من الإخلاءات والتهجير، نقلت سكان مناطق عديدة في قلب القاهرة إلى الأسمرات ومدينة بدر والروبيكي وغيرها من المناطق القريبة من مواقع الاستثمار الجديدة. وهناك وجد كثير من السكان أنفسهم معزولين عن مصادر رزقهم القديمة، ومضطرين للبحث عن فرص عمل جديدة في محيط هذه المشروعات، بل إن العديد منهم فضّل العودة إلى مناطقه القديمة أو محيطها كمستأجر نظرًا لصعوبة فرص العمل في هذه المناطق الجديدة.
وهنا يظهر أحد التناقضات الأساسية في التطور الرأسمالي للعمران؛ فبينما يبني فضاءات جديدة لتراكم الثروة، فإنه ينتج في الوقت نفسه جماعات واسعة جُردت من مساكنها، أو فُصلت عن مصادر رزقها، لتصبح أكثر قابلية للاندماج في سوق العمل الذي تفرضه هذه المشروعات.
ولا يمكن لمشروع السيسي العمراني أن يستمر دون أشكال متعددة من القمع والاستغلال. ومن هنا تنبع أهمية التضامن مع الاحتجاجات والنضالات التي يفرزها هذا المشروع، وربطها بالبنية السياسية والاقتصادية لدولة 30 يونيو التي أنتجت هذه النتائج.
وقد شهدت السنوات الماضية نماذج عديدة لهذه المقاومة؛ من الاحتجاجات على مشروعات الطرق الجديدة، مثل مظاهرات طريق المطرية إلى الغضب المتزايد بسبب ارتفاع معدلات حوادث الطرق المستحدثة. وفي مواجهة التهجير، يواصل سكان طوسون بالاسكندرية نضالهم رغم القمع والترويع واعتقال محاميهم، كما نجح سكان عزبة الهجانة، حتى الآن، في وقف محاولات تهجيرهم، بينما يخوض أهالي جزيرة الوراق معركة مستمرة منذ سنوات دفاعًا عن حقهم في البقاء.
ولا تقل أهمية عن ذلك مساندة الموظفين الحكوميين الذين سبق أن قاوموا نقل المؤسسات الحكومية، بوصف هذه المعارك جزءًا من الصراع على شكل المدينة، وعلى كيفية إدارة الموارد العامة.
فالهدف لا يقتصر على مقاومة مشروع بعينه، وإنما يمتد إلى استعادة الحق في تقرير مصير الأراضي والثروات العامة، وإخضاع تخطيط المدن والإنفاق العام لإرادة المجتمع واحتياجاته، بدلًا من تركهما لمنطق السوق والاستثمار وحده.
المراجع كاملة على النسخة الموجودة على الموقع:
DUFFIELD, R. (2024). MILITARY CAPITALISM. Cairo Securitized: Reconceiving Urban Justice and Social Resilience.
BORHAM, A. (2024). PERIPHERALIZATION AND INFRASTRUCTURAL VIOLENCE. Cairo Securitized: Reconceiving Urban Justice and Social Resilience.
ABUL-MAGD, Z. E. I. N. A. B. (2024). CAIRO MILITARIZED. Cairo Securitized: Reconceiving Urban Justice and Social Resilience.
Wahdan, D., & Elshayal, T. (2024). Dissonant Times: The Land–Infrastructure–Finance Nexus in Post-Mubarak Egypt. In Infrastructural Times (pp. 160-182). Bristol University Press.
Loewert, P., & Steiner, C. (2019). The new administrative capital in Egypt: The political economy of the production of urban spaces in Cairo. Middle East-topics & arguments, 12, 66-75.
Elmouelhi, H. (2019). New administrative Capital-Cairo: Power, Urban Development and Social Injustice-the Official Egyptian Model of Neoliberalism. Neoliberal Urbanism.
https://placesjournal.org/article/the-anti-cairo/?gclid=EAIaIQobChMIy5Ker8r36QIVyOAYCh3AHwTLEAAYASAAEgLiUvD_BwE&cn-reloaded=1&cn-reloaded=1&cn-reloaded=1
https://www.dezeen.com/2025/06/10/egypt-new-capital-city-everything-you-need-to-know/
Harvey, D. (2012). Reclaiming the City for Anti-Capitalist Struggle. Rebel Cities: From the Right to the City to the Urban Revolution, 1.





