«مستقبل مصر».. من الطيار العسكري إلى الملياردير الرئاسي

إقرار قانون جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» يمثل إعادة تنظيم أعمق لعلاقة المؤسسة العسكرية والاقتصاد، فالجهاز الذي نشأ داخل القوات الجوية، وتضخم عبر قرارات رئاسية غير منشورة وتخصيصات هائلة للأراضي والاختصاصات، يُعاد الآن تقديمه كذراع اقتصادي مباشر للرئاسة، أقل ظهورًا بصفته عسكريًا، وأكثر قدرة على ابتلاع أصول الدولة وتنظيم الأسواق وإدخال رأس المال الخاص في شراكات تحت حماية السلطة التنفيذية.
وافق مجلس النواب نهائيًا على مشروع القانون بعد مسار برلماني خاطف، في حين كانت السلطة التنفيذية قد أحالت المشروع في 6 يوليو، وجرى فحصه في لجان مشتركة يومي 8 و9 يوليو قبل إقراره في الجلسة العامة يوم 14 يوليو. وحتى يصير نافذًا، ينتظر القانون التصديق الرئاسي والنشر، لكنه بالفعل يرسم الإطار الذي سيحوّل جهازًا عمل أربع سنوات في منطقة رمادية إلى مركز دائم لإدارة الأرض والغذاء والاستثمار والموارد العامة.
ليس خروجًا للجيش
سيُنقل الجهاز، وفق القانون، من تبعيته الرسمية لوزارة الدفاع إلى التبعية المباشرة لرئيس الجمهورية، بوصفه «جهازًا قوميًا ذا طبيعة خاصة» يتمتع باستقلال مالي وإداري. لكن قراءة ذلك كتراجع للجيش عن الاقتصاد ستكون قراءة سطحية: فالجهاز نفسه وُلد داخل البنية العسكرية، ونشأ تحت إدارة العقيد طيار بهاء الغنام، واعتمد منذ البداية على امتيازات المؤسسة العسكرية في الوصول إلى الأراضي والموارد والقرار الرئاسي السريع.
بدأ «مستقبل مصر» جزءًا من مشروع استصلاح المليون ونصف المليون فدان، ثم خصصت الشركة المنفذة للمشروع 200 ألف فدان للقوات الجوية عام 2017، التي أسندت إدارة المشروع إلى الغنام. وبحلول 2021، توسعت الأراضي المسندة إليه إلى أكثر من مليون فدان في مشروع الدلتا الجديدة، قبل أن يتحول بقرار رئاسي في 2022 إلى جهاز اقتصادي تابع للقوات الجوية؛ وهو قرار لم يُنشر في الجريدة الرسمية، بما أبقى تفويضه وآليات عمله وعلاقته ببقية أجهزة الدولة غامضة.
إذن، لا يبدأ القانون من مؤسسة مدنية عادية تحت سيطرة المؤسسة العسكرية وجرى تحويلها إلى جهاز اقتصادي مستقل، بل من كيان عسكري كامل متكامل راكم النفوذ والأرض والموارد خارج الرقابة العلنية. والنقل إلى الرئاسة لا يمحو هذا التاريخ أو شبكات المصالح والعاملين والطرق الاستثنائية التي مكّنت الجهاز من التوسع، بل يمنحها غطاءً قانونيًا أكثر اتساعًا.
لماذا الرئاسة الآن؟
السبب ليس تقليص نفوذ العسكر، بل تعديل الشكل المؤسسي الملائم لمرحلة جديدة. فالاقتصاد العسكري المباشر يثير منذ سنوات انتقادات من المستثمرين المحليين والدوليين، ومن المؤسسات المالية الدولية، لأنه يجمع بين امتيازات السيادة وعفو الضرائب والمنافسة في السوق: الأرض والأصول والدعم والقدرة على تجاوز القواعد من جهة، والنشاط التجاري والمزاحمة والربح من جهة أخرى.
هذا ما يجعل الصيغة الرئاسية الجديدة مفيدة للنظام. فهي قد تسمح بفصل الواجهة المدنية-الاستثمارية عن الجذور العسكرية، من دون تفكيك الامتيازات التي صنعتها تلك الجذور. فبدل أن يظهر الجيش بوصفه مالكًا مباشرًا أو منافسًا مباشرًا للتجار والمستثمرين، يظهر «مستقبل مصر» بوصفه جهازًا قوميًا للتنمية وجذب الاستثمار، فيما يحتفظ بالقدرة نفسها على الاستحواذ على الأرض، وتلقي الأصول، وعقد الشراكات، وإدارة مناطق كاملة خارج البيروقراطية العادية.
بعبارة أخرى، نحن أمام انتقال من اقتصاد عسكري ظاهر إلى رأسمالية رئاسية مُمَأسسة عسكريًا: تظل فيها أصول الدولة وقراراتها مركزة في قمة السلطة، بينما يُتاح لرأس المال الخاص الدخول شريكًا أو مستأجرًا أو متعاقدًا، لا صاحب قرار مستقل.
قانون يشرعن الواقع
يصف أحد المصادر القضائية لموقع «مدى مصر» القانون بأنه «قانون ينظم غياب القانون»، وهي صياغة دقيقة لأن القانون لا ينشئ الجهاز من الصفر بقدر ما يضفي الشرعية بأثر راجعي على سنوات من التصرفات غير المعلنة. فهو يعترف بالأراضي التي آلت للجهاز قبل صدوره كمناطق تنمية مستدامة، ويُبقي البروتوكولات ومذكرات التفاهم والإنابات السابقة سارية، وينقل ملكية المركبات التي سبق للجهاز استعمالها، ويقنن مباني ومنشآت أقامها في الدلتا الجديدة ومدينة السادات.
والأخطر أن الخزانة العامة ستتحمل، بحسب مواد الإصدار، الاعتمادات اللازمة لسداد الاشتراكات التأمينية والضرائب والرسوم وغيرها من الالتزامات المستحقة على الجهاز عن الفترة السابقة للقانون. أي أن جهازًا راكم أصولًا واختصاصات في ظل غياب قواعد معلنة يحصل الآن على شرعنة قانونية، بينما يدفع المال العام فاتورة الضرائب والغرامات والتأمينات التي لم يسددها.
هذه قاعدة أساسية في نمط الرأسمالية السلطوية: خصخصة النفوذ والعائد، وتأميم الخسائر والالتزامات. فإذا كان الجهاز قد حقق مكاسب من تشغيل الأرض أو التجارة أو إدارة الأصول، فإن التزاماته المتأخرة لا تُستوفى بالضرورة من هذه المكاسب، بل من الخزانة التي يمولها المواطنون بالضرائب.
إمبراطورية الغذاء والأرض
لم يعد «مستقبل مصر» مشروع استصلاح صحراويًا. فخلال سنوات قليلة، توسع من الزراعة إلى استيراد القمح، وإدارة سلاسل الإمداد، والإنتاج الحيواني والداجني، وتخزين الحبوب، وإدارة بحيرات، وتصدير الأرز، والعمل في البورصة السلعية، والتعاون في شركات غذائية مثل قها وإدفينا.
وفي أواخر 2024، صار الجهاز المستورد الحكومي الوحيد للقمح والسلع الغذائية الاستراتيجية، بعد أن كانت الهيئة العامة للسلع التموينية هي الجهة المركزية لهذه المهمة. كما انتقلت إليه اختصاصات متعلقة ببحيرات المنزلة والبردويل وناصر، وحصل على دور في تصدير الأرز والتحكم في شهادات التصدير والعائدات بالعملة الأجنبية.
والتوسع الأحدث هو دخول سوق بيع الأسمدة محليًا عبر الجمعيات الزراعية. فقد بدأ الجهاز توريد أسمدة غير مدعمة إلى جمعيات في عدة محافظات، ليحدد هو أسعار البيع ويعمل وسيطًا بين الشركات المنتجة والمزارعين، من دون مشاركة مباشرة لوزارة الزراعة في هذا المسار. يحدث ذلك بالتوازي مع تقليص أو إلغاء دعم الأسمدة لمحاصيل متعددة، وزيادة الحصة الموجهة للتصدير من الإنتاج، ما يدفع مزارعين أكثر للاعتماد على السوق الحرة لتدبير احتياجاتهم.
هنا يتضح المعنى الطبقي للتوسع. فبدل أن تضمن الدولة السماد المدعم للمزارع الصغير عبر جهاز عام خاضع للمساءلة، يجري تقليص الدعم ثم تقديم جهاز رئاسي-عسكري بوصفه المنقذ الذي يبيع سمادًا «أرخص» من السوق. لا يعالج ذلك أصل الأزمة، أي تحويل الإنتاج الزراعي نحو التصدير وربحية الشركات، بل ينقل السيطرة على حلها إلى كيان جديد غير منتخب، يحدد السعر والتوريد وشروط الدخول إلى السوق.
دولة داخل دولة داخل مكتب الرئاسة الخارج عن القانون
يمنح القانون للجهاز وضعًا استثنائيًا واسعًا. فهو يُستثنى من ثمانية قوانين، بينها قوانين الهيئات العامة، والخدمة المدنية، والحد الأقصى للأجور، وتنظيم التعاقدات الحكومية، والقطاع العام وقطاع الأعمال العام، والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة. هذا يعني أن الجهاز يستطيع وضع قواعد خاصة للتوظيف والأجور والتعاقدات وإدارة الشركات، بعيدًا عن القيود التي تُفترض على الجهات العامة.
داخل «مناطق التنمية المستدامة»، تتوسع سلطته بصورة أكبر: تنتقل إليه ملكية الأراضي والمنشآت العامة الواقعة في المنطقة، وتؤول إليه الحقوق والالتزامات المرتبطة بالعقود القائمة، ويصبح، باستثناء اختصاصات وزارة الدفاع، الجهة الإدارية المختصة بتطبيق الأنظمة فيها. كما يحصل رئيس الجهاز داخل هذه المناطق على صلاحيات الوزراء والمحافظين ورؤساء الهيئات العامة ومسؤولي شركات المرافق.
هذا يعني أن الجهاز يمكن أن يكون في الوقت نفسه:
مالك الأرض أو المتصرف فيها
المطور العقاري أو الشريك الاستثماري
مدير المرافق والخدمات
الجهة المانحة للتراخيص
واضع الرسوم
الجهة التي تفرض الجزاءات المالية
الطرف الذي يبرم العقود ويحدد شروطها
إنه جمع بين دور التاجر والحكم. فبدل أن تنظم وزارة مستقلة نشاط المستثمرين، أو تراقب هيئة محايدة التعاقدات، يصبح الجهاز الذي يستثمر ويؤجر ويكوّن الشركات هو نفسه من يقرر من يُرخص له ومن يُعاقب ومن يستمر في السوق.
من الملكية العامة إلى محفظة استثمارية
يستطيع رئيس الجمهورية، بموجب القانون، نقل أموال وأصول مملوكة للدولة أو لجهاتها، بما في ذلك الأسهم والحصص في الشركات العامة أو تبعية الشركات بالكامل، إلى جهاز «مستقبل مصر». كما يجيز القانون تخصيص أو تأجير أصول الدولة للجهاز أو للكيانات التابعة له مجانًا أو بإيجار اسمي أو بأقل من أجر المثل، إذا وُصفت الغاية بأنها قومية أو استراتيجية أو ذات نفع عام.
حتى حين لا تُباع الأرض رسميًا، يمكن تحويلها إلى أصل قابل للتشغيل التجاري: تدخل في شركة، أو توضع في صندوق، أو تؤجر طويلًا، أو تُقدَّم لمستثمر خاص، أو تُستخدم ضمانة للحصول على تمويل. وهذا يغيّر طبيعة الملكية العامة نفسها. فبدل أن تكون أصلًا اجتماعيًا تديره مؤسسات عامة ويُفترض أن يخضع استخدامه للنقاش والمساءلة، تصبح بندًا في ميزانية جهاز يمكن إعادة هيكلته واستثماره والتفاوض عليه بعيدًا عن أعين الجمهور.
ويُنشئ القانون صندوقين تابعين للجهاز: صندوقًا سياديًا لاستقبال وإدارة واستثمار الأصول والشركات، وصندوقًا خدميًا يمكنه تلقي التبرعات والمنح وتمويل مشروعات اجتماعية. بهذه الصيغة، لا تكون الدولة هي الطرف الذي يحدد بوضوح كيف تُدار أصولها وعوائدها عبر الموازنة العامة، بل تُنقل الأصول إلى منظومة شركات وصناديق تحكمها قرارات رئاسية ومجالس إدارة.
فوائض خارج الموازنة
واحدة من أهم نقاط القانون هي طريقة التعامل مع عوائد الجهاز والصندوقين التابعين له. فهذه الكيانات مستثناة من القواعد التي تُلزم جهات عامة بتحويل نسب محددة من فوائضها إلى الخزانة العامة، ويُترك تحديد ما يُنقل للخزانة إلى قرار من رئيس الجمهورية.
قد يعني ذلك، نظريًا، أن تُستخدم الفوائض في دعم الموازنة أو مواجهة الطوارئ. لكن القانون لا يفرض نسبة دنيا ثابتة، ولا يضمن رقابة برلمانية، أو غيره، فعلية على قرار إبقاء العوائد داخل الجهاز أو تحويلها. وبالتالي، تتكون كتلة من رأس المال العام تُدار بصورة مستقلة عن دورة الموازنة: أراضٍ وأصول وعوائد وشراكات وقروض، لكنها ليست بالضرورة خاضعة للشفافية نفسها التي تُفترض في الإنفاق العام.
العمال خارج الحماية
الاستثناء من قوانين الخدمة المدنية والحد الأقصى للأجور والتعاقدات العامة يفتح الباب أمام قوة عمل شديدة التفكك: موظفون منتدبون، عاملون بعقود خاصة، شركات تابعة، مقاولون من الباطن، وعمال داخل مناطق تنمية ذات لوائح منفصلة.
كما أن تسوية متأخرات التأمينات على أربع سنوات ومن دون فوائد، بحسب ما أُقر برلمانيًا، تمنح الجهاز معاملة تفضيلية لا يحصل عليها عامل أو صاحب عمل عادي عند التأخر في التزامات التأمين. وهذه ليست حماية للعاملين، بل حماية لسيولة الجهاز على حساب القيمة الفعلية لحقوقهم المؤجلة.
وفي نموذج كهذا، يصعب على العمال تنظيم أنفسهم أو توحيد مطالبهم. فمن يعمل في شركة تابعة ليس بالضرورة خاضعًا للقواعد نفسها التي يخضع لها زميله في مرفق منقول أو منطقة تنمية أو شركة خاصة شريكة. التفكيك المؤسسي هنا ليس مجرد طريقة للإدارة، بل آلية لإضعاف التنظيم الجماعي والمطالبة بأجور موحدة وتأمينات وضمانات مستقرة.
برلمان بلا سلطة
أدخل مجلس النواب تعديلات تقلص بعض الاستثناءات شكليًا، منها استعادة رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، وإلغاء إعفاء ضريبي شامل، وإلزام عرض إنشاء مناطق التنمية على البرلمان. لكن هذه التعديلات لم تمس جوهر الصيغة: التبعية المباشرة للرئيس، وسهولة نقل الأصول، والاستقلال المالي والإداري، ودمج سلطات التنظيم والتشغيل، واستثناء عوائد الجهاز من القواعد العامة للموازنة.
بل إن تقارير من داخل المناقشات البرلمانية تشير إلى أن وزارات عديدة أبدت امتعاضًا من تآكل صلاحياتها، وأن ضغوطًا مورست لتمرير القانون بالإجماع. وهذه ليست مفارقة: فالقانون لا يعيد توزيع الاختصاصات داخل حكومة منتخبة أو خاضعة للمساءلة، بل يعيد تركيزها حول الرئاسة.
والبرلمان لا يملك مساءلة الرئيس على النحو الذي يستطيع به مساءلة الحكومة. لذلك، عندما تُنقل هيئة اقتصادية عملاقة إلى التبعية المباشرة للرئاسة، بل تصبح أبعد عن دوائر الرقابة السياسية العادية.
مشروع السلطة بعد فشل الحكومة
خلف القانون اعتراف ضمني بفشل نمط الحكم القائم. فمصادر برلمانية وصفت لـ«مدى مصر» الحكومة بأنها الطرف الأضعف، وأن القانون مدفوع بيأس «جهات عليا» من قدرة الوزارات على تحقيق النمو والتنمية. لكن البديل ليس بناء جهاز دولة كفء وشفاف، ولا تمكين المزارعين والعمال والمجتمعات المحلية من تقرير أولويات
التنمية، بل بناء جهاز فوق حكومي.
هذا النموذج لا يلغي البيروقراطية، بل ينقلها إلى مركز أكثر حصانة. ولا يحل أزمة التنمية، بل يخلق طريقًا أسرع لتجميع الأرض والأصول والموارد في يد مؤسسة واحدة، ثم ترتيب دخول المستثمرين إليها عبر صفقات وشراكات لا يملك المجتمع تفاصيلها ولا حق الاعتراض عليها.
معركة ضد رأسمالية القصر
لا ينبغي الدفاع عن وزارة الزراعة أو التموين أو الهيئات العامة كما لو كانت نماذج للديمقراطية والكفاءة؛ فهذه الأجهزة نفسها جزء من دولة بيروقراطية تخدم المؤسسة العسكرية ورأس المال وتفرض سياسات تقشفية على الشعب. لكن البديل عن بيروقراطية الوزارات لا يمكن أن يكون جهازًا رئاسيًا-عسكريًا يملك الأرض وينظم السوق ويعقد الصفقات ويحدد العقوبات.
إن «مستقبل مصر» يمثل اليوم عنوان لمستقبل مختلف تمامًا: دولة تتراجع فيها سلطة الحكومة والوزارات والرقابة العامة، بينما تتقدم سلطة القصر وشبكات الجيش ورأس المال الكبير على الأرض والغذاء والعمالة والموارد. وما يُقدَّم اليوم باعتباره تنمية وطنية سيتحول غدًا إلى أكبر آلية لتركيز الثروة والسلطة خارج أي محاسبة اجتماعية.





