بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أبراج الأغنياء ترتفع وبيوت الفقراء تنهار

طالعتنا الصحف مؤخرا بأكثر من خبر عن حوادث انهيار منازل قديمة بسبب بناء الأبراج بجوارها أو بالقرب منها. كان آخرها انهيار عمارة أرض اللواء التي أودت بحياة 20 شخصا، وقد انهارت قبلها ثلاث عمارات بمنطقة أبو السعود مما أدى إلى موت وتشريد عدة أسر مازال بعضها بلا مأوى. هنا وهناك كان رجال الأعمال هم الطرف المهيمن على مجرى الأحداث وذلك بعد اتجاههم الواضح لشراء العقارات الجديدة فى المناطق الشعبية ثم إعادة بنائها كالأبراج مزخرفة وسط آلاف البيوت العتيقة بما فيها من عمارات جديدة بنيت بشكل مخالف ما تلبث أن تنهار على رؤوس قاطنيها، فيكون الموت هو المصير أو التشرد في أفضل الأحوال.

تقول التقارير الرسمية والأرقام أن وراء كل عمارة منهارة موظف مرتش ومسئول نائم وقانون فى الثلاجة وقبل هذا وذلك انحياز سافر للأغنياء وسياسة إسكانية معادية طول الخط للجماهير الكادحة. والأرقام ذاتها لا تكذب. فهناك أكثر من 1034 منطقة عشوائية تنتشر فى أنحاء محافظات مصر. فتشغل مساحة 44 كيلو مترا مربعا ترتفع فوقها مئات العمارات العشوائية وجميعها معرضة للانهيار حيث تم إنشاؤها على سطح الأرض ودون أساس. ومنطقة القاهرة بدورها تتصدر قائمة المناطق التى تجمع أكبر عدد ممكن من العشوائيات وعددها 178 منطقة منها 79 منطقة بالقاهرة وحدها. عدد السكان المنتمين للعشوائيات حسب النتائج الأولية للتعداد العام للسكان والإسكان عام 96 فى 10 محافظات فقط من محافظات الجمهورية بلغ 8.1 مليون شخصا يمثلون 48 بالمئة من سكان الحضر. هذا وقد انحسر دور الدولة فى إدارة الأمور داخل تلك المناطق حتى أصبحت مناطق لها قوانين خاصة بعد أن غابت سلطة المحليات وسلطة وزارة الإسكان والتي ألقت كل منها بالعبء على الجهة الأخرى حتى أصبحت تمثل مناطق حكم ذاتي! الامتداد الطبيعي لتلك العشوائيات وصل إلى عمارات القطامية الـ 129 التى وجدوا بمحض “الصدفة” بعد تسكينها أنها دون أساسات بالإضافة إلى عمارات السويس وعددها 250 عمارة اكتشف أنها بنيت بأسمنت مغشوش!

المشكلة الأكبر أن الاهتمام الرسمى والبحثى والإعلامى لحجم الكارثة يتركز فقط على المدن وخاصة العاصمة وما حولها، أما الإسكان الريفى فلم يجد عناية تذكر، فإذا علمنا أن الريف يتضمن حوالي نصف سكان مصر فإن معنى هذا أن تقديرات الإسكان المسمى بالعشوائى قاصر عن الإحاطة بالموقف العام للإسكان فى مصر.

ومشكلة الإسكان هى مشكلة طبقية بصفة أساسية، وهذا الإسكان الفوضوى هو مرتع الفقراء في مصر الذين يبلغ عددهم نحو 40 مليون مواطن ما بين الفقراء فقرا مطلقا وفقرا نسبيا حسب تقديرات التقرير المصري للتنمية البشرية لعام 1995.

ومشكلة الإسكان العشوائى بدأت تطفو على السطح فى مصر مع أواخر الستينات وبداية السبعينات، حيث زحفت الجماهير من كل محافظات مصر، خاصة من الصعيد صوب القاهرة بحثا عن لقمة العيش. وبالطبع لم يجد هؤلاء المسكن الذى يتلائم مع دخولهم المحدودة. وكانت النتيجة هى بناء سلسلة من المناطق الممتدة كحزام يطوق القاهرة…الحكومات المتعاقبة تعمدت أن تغض النظر تماما عن هذه المساكن. واتخذت حيالها سياسة “لا أسمع، لا أرى، ولا أتكلم” فتركت الملايين من البشر تبنى المساكن دون الحصول على تراخيص ورفضت فى الوقت ذاته مدها بالخدمات اللازمة.

ليس مستغربا أن تجد أحياء فى قلب القاهرة كأرض اللواء بأمبابة لا يزال ساكنيها يعتمدون على العربات التى تجوب الشوارع لتبيع المياه، لأن الحكومة حتى يومنا هذا لم تزودهم بالمياه اللازمة للشرب، أو أن سكان دار السلام حتى عامين فقط لا يزال قسم كبير منهم محرومين من شبكات الصرف الصحى.

هذا وليس من المنتظر أن تجد مشكلة الإسكان على يد الحكومات البرجوازية حلا، بل بالعكس فهى فى طريقها للانفجار. فمن المتوقع أن يقر مجلس البرجوازية فى دورته القادمة مشروع تحرير العقارات القديمة من ساكنيها عبر رفع قيمة الأجرة عشرات الأضعاف مع زيادة سنوية، وذلك بعد أن تم تحرير عقود الإيجار لتخضع لمنطق “الشقق المفروشة” والتى يتراوح إيجارها الشهرى ما بين 250و600 جنيها ولمدة زمنية محدودة، وينتفى فيها أبسط الاحتياجات الإنسانية بالشعور بالأمان فى مأوى يحترم آدمية الإنسان.

فى كل المجتمعات الطبقية التى ينطبق عليها قانون التطور المركب “اللامتكافىء” نجد المساكن الفاخرة والسوبر لوكس وأخيرا الشقق الفارغة التى تصل إلى 2 مليون شقة بالقاهرة جنبا إلى جنب الإسكان الذى تصفه تعبيرات الأمم المتحدة بالإسكان دون مستوى الاستيطان البشرى، وقد عقدت المنظمة الدولية سلسلة من المؤتمرات بهذا الخصوص أولها مؤتمر “الموائل” فى مدينة فانكوفر فى كندا عام 1976 انتهت فيها إلى أن هناك أكثر من 500مليون من البشر فى العالم يعيشون تحت مستوى الاستيطان البشرى، أما فى مصر ريف وحضرا فإن عدد هؤلاء الساكنين لا يقل عن 12 مليون بل يزيد.

إنهم سكان (العشش) الريفية والحضرية وسكان الإيواء ومعسكرات التجميع فى أعقاب انهيار العمارات والزلازل وسكان البيوت والغرف المشتركة، بل وسكان المقابر.

وإلى أن تحل المسألة السكانية فى ظل دولة العمال والفلاحين، لابد أولا من التشهير بكل هذه الحوادث وإظهار مدى الاستهانة بأرواح الفقراء فى ظل النظام البرجوازى العفن، الذى لا يخجل القابع على رأسه، حسنى مبارك أن يردد كل صباح، أنه يعمل من أجل محدودى الدخل، ومن ناحية أخرى علينا أن نحشد الجماهير أينما كنا من أجل الضغط على هذه الحكومة من أجل توصيل كافة الخدمات للمناطق العشوائية، وتوفير أموال كافية من أجل الإسكان الشعبي. وعلينا أن نضع فى اعتبارنا تجربة منطقة إمبابة التي لم تمد لها الدولة الخدمات اللازمة إلا عندما باتت تشكل بؤرة للجماعات الإسلامية الراديكالية. فقط عندما تشعر الدولة بقوة الغضب الجماهيري والمعارضة لسياساتها تتحرك من أجل إيجاد حل لها.

ومن جهة أخرى علينا أن نطرح شعار “احتلال الشقق الفارغة” وتسكينها للملايين الذين يسكنون العشوائيات والقبور، ويجب أن نقوم بأوسع دعاية حوله.