بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بيان الحكومة وموائد الرحمن.. الجوع في ظل الرأسمالية

جاء بيان الحكومة الذى ألقاه كمال الجنزوري رئيس الوزراء فى منتصف الشهر الماضى مليء بالادعاءات والتصريحات الكاذبة والخادعة وبيع الوهم للعمال وجماهير الفقراء فى الريف والمدينة. وأشد صور الخداع سطوعا هو الإدعاء بتحسن مستوى معيشة الفقراء، إذ أشار بيان الحكومة فى هذا الصدد إلى.. “أنه أمكن الارتفاع بمستوى المعيشة عن طريق تحسين الأجور التى تقررت لها علاوات اجتماعية منذ عام 1987 وحتى الآن سبقت فى متوسطها معدلات التضخم”.. “ارتفع متوسط دخل الفرد من الناتج المحلى الإجمالى إلى نحو 4800 جنيه أى ما يعادل 1410 دولارات ليرتفع بمصر من عداد الدول منخفضة الدخل إلى عداد الدول متوسطة الدخل”، وأشار البيان أيضا إلى ادعاءات أخرى كثيرة متعلقة بانخفاض حجم البطالة وتحسين الخدمات التعليمية والصحية، والواقع الذى نعيشه، ونكتوي بناره كل يوم يكشف زيف وخداع هذه الادعاءات.

فانتشار ظاهرة “موائد الرحمن” التى يقيمها الأغنياء لإطعام الفقراء فى شهر رمضان بشكل كبير وطبيعة المترددين على “موائد الرحمن” يفضح بيان الحكومة ويشير إلى حجم الإفقار الذى تعرضت له فئات كثيرة فى المجتمع نتيجة لسياسات التكيف الهيكلى التى تتبعها الحكومة، والتى تهدف فى الأساس لتكثيف استغلال الجماهير لخروج الرأسمالية المصرية من أزمتها وتسهيل عملية اندماجها فى الرأسمالية العالمية. هذه السياسات أدت إلى المزيد من إفقار وتدنى مستويات كل العاملين بأجر.

“موائد الرحمن” كانت ظاهرة مرتبطة إلى حد كبير بالأحياء ذات الطابع الدينى التى تتواجد فيها الأضرحة والمساجد الشهيرة كـ “السيدة زينب” و”الحسين” و”السيدة نفيسة” حيث يقبل الصائمون المسافرون من كافة أنحاء مصر لزيارة هذه الأضرحة والتبرك بها وكثير من هؤلاء الصائمين يقضون يوما أو أكثر بجوار هذه المساجد وكان أغنياء هذه المناطق ومازالوا يقيمون “موائد الرحمن” لإفطارهم وبمرور الوقت أصبحت هذه الموائد منتشرة فى كل أحياء مصر واصبح مع تزايد الفقر ليس المسافرين وفقراء الأحياء الدينية هم فقط المترددين عليها بل مئات الآلاف من سكان العشش والمقابر والأحياء الفقيرة الأخرى -تجئ من هذه الأحياء أسر بكاملها- والسريحة “الباعة الجائلين” وبائعى الخبز فى الشوارع وأصحاب عربات الفاكهة والصنايعية والحرفيون -الذين يحاصرهم الكساد- وصبية الورش وأيضا عشرات الآلاف من العاملين بأجر من سائقى النقل العام والتاكسيات والميكروباصات وشباب الأطباء والمهندسين والمدرسين والمحامين وجنود المرور والجنود الذين يحرسون الطرق والمنشآت العامة والسفارات ومجندى الجيش -وهم عمالة تكاد تكون معدومة الأجر- وطلاب الجامعة المغتربين وأطفال الشوارع.

وأشهر الموائد هى الموائد التى يقيمها السياسيون والفنانون ورجال الأعمال وبعض الشركات الكبيرة ومن أهمها مائدة فتحى سرور رئيس مجلس الشعب -ابن الدايرة- بالسيدة زينب ومائدة نادى الصيد التى يقيمها أحد الرأسماليين الكبار والتى تسع ما بين 5000 إلى 7000 فردا، وتقدم فى هذه الموائد اللحوم والخضار والأرز والسلطة.

وبعيدا عن الدافع الدعائى والدينى الذى يقف وراء إقامة مثل هذه الموائد وأثرها في تخدير الفقراء باعتبار الفقر والغنى ظواهر طبيعية وقدر لا مفر منه، وأن هناك أغنياء طيبين يفعلون الخير لوجه الله ويقدمون الزكاة على أموالهم ويطعمون الفقراء فى رمضان. كل هذا من أجل طمس جوهر الاستغلال فى ظل النظام الرأسمالى الذى يعمل على تكدس الثروة فى يد القلة فى جانب وزيادة الفقر والبؤس والجوع لأغلبية الجماهير على الجانب الآخر، بعيدا عن كل هذا الذى يحتاج إلى تحقيق آخر تعتبر أغلب الأسر من رواد هذه الموائد أنها ضرورية بالنسبة لهم نظرا لتوفيرها وجبات الإفطار التى تتكلف الكثير من المال طوال شهر رمضان ومن أجل التوفير لملابس العيد لأطفالهم، ويشير أحد الطلاب المغتربين إلى أن وجبة الإفطار التى تقدم على هذه الموائد أفضل كثيرا من الفول المدمس، ومن خلال هذه الوجبات نستطيع أن نوفر دفع إيجار الشقة ودفع ثمن الكتب وتصوير المذكرات خاصة والامتحانات على الأبواب، ويشير أحد المدرسين الشباب إلى أنه من الطبيعي أن تجد كل هذه الفئات على “موائد الرحمن” فالناس تعمل طوال النهار وجائعة وتعلم الطعام الموجود فى البيت فهو إما فول مدمس أو بطاطس مقلية أو كشرى، وحتى الكشرى ارتفعت أسعار مكوناته، انهم يجيئون إلى هذه الموائد بحثا عن وجبة ساخنة لا يمكن أن توفرها لهم أجورهم المتدنية فى ظل ارتفاع أسعار كل السلع الغذائية.

“موائد الرحمن” رد بالغ على بيان الحكومة الذى يدعى أن سياسات التكيف الهيكلى نجحت فى تخفيف الأعباء على الفقراء ومحدودى الدخل، لدرجة انزعاج الحكومة من اتساع هذه الظاهرة، فالصحف والمجلات الحكومية بدأت تشن حملة ضد هذه الموائد، فرجال الدين الحكوميين يعترضون عليها، مثلا رئيس لجنة الفتوى بالأزهر يقول: “إن من يجلسون على هذه الموائد هم من المفطرون والبلطجية واللصوص، وأى إنسان عنده عفة لا يسأل الناس، لتمسكه بالعفة والحياء ويستحى أن يذهب إلى هذه الموائد”، ويضيف:”لقد قمنا بحساب المبالغ التى تصرف على هذه الموائد فوجدناها على مستوى القاهرة وحدها فقط لا تقل عن مليار جنيه هذه المبالغ ينبغى أن تنفق على أشياء مفيدة كبناء المستشفيات أو المدارس ” وإذا أخذنا كلام هذا الرجل بجدية بان تكلفة هذه الموائد خلال شهر رمضان مليار جنيه، فبحسبة رياضية بسيطة يتضح لنا أن عدد من يتوافدون يوميا على “موائد الرحمن” يقدر بحوالى 3.3 مليون شخصا باعتبار تكلفة الوجبة 10 جنيهات على افضل الأحوال وهنا يمكننا أن نفهم مدى ذعر الحكومة من “موائد الرحمن” فانوس رمضان الساطع على الجوع فى ظل الرأسمالية.

نظرة سريعة إلى أحدث تقرير لصندوق النقد الدولى عام 1998 نستطيع أن نكتشف حجم الكذب والزيف فى بيان الحكومة فى هذا الصدد فقد جاء بالتقرير أن مصر احتلت المركز رقم 51 فى قائمة أفقر دول العالم ، وأن 7.5 مليون يعيشون تحت خط الفقر وينفقون أقل من دولار يوميا، ويقدر عدد الفقراء بـ 26 مليون مصرى بنسبة 52% من السكان، يعيشون على اقل من دولارين فى اليوم ويواجهون صعوبات فى تدبير الحد الأدنى للمعيشة ولا تكفيهم دخولهم، وان متوسط دخل الفرد فى مصر من الناتج المحلى الإجمالى يبلغ 790 دولار سنويا هو يساوى نصف الرقم الذى يدعيه الجنزورى فى بيان حكومته الكاذب، وأى علاوات يتحدث عنها الجنزورى فى ظل الارتفاع المستمر فى أسعار السلع الغذائية فقد سجلت التقارير الشهرية للاتحاد العام للغرف التجارية أن أسعار السلع الغذائية ارتفعت بنسبة تتراوح بين 20% و30% سنويا خلال عام 1998 فسعر كيلو اللحم الجيد وصل فى بعض المناطق إلى 20 جنيه ووصل سعر الدواجن المذبوحة 8.5 جنيها للكيلو كما ارتفعت أسعار الألبان ومنتجاتها ووصل سعر كيلو اللبن 225 قرشا وأيضا وصل سعر كيلو الزيت إلى 5 جنيهات لبعض الأنواع الجيدة وارتفعت أسعار الخضر وكان أبرزها ارتفاع سعر الطماطم إلى 5 جنيهات خلال شهري سبتمبر وأكتوبر، حتى استقر أخيرا عند 150 قرشا للكيلو ووصل سعر البصل إلى 150 قرشا للكيلو والثوم 250 قرشا للكيلو والبسلة الجافة 3 جنيهات، كل هذا الارتفاع فى أسعار السلع الغذائية فى ظل عدم وجود زيادة مماثلة فى الأجور يعنى انخفاض الأجور الحقيقية وانتشار الفقر والجوع على نطاق واسع.

مؤشر متوسط دخل الفرد هو مجرد قضية رياضية أكثر منها قضية طبقية، ولا يشير بشكل حقيقى إلى مستوى المعيشة وتزايد التفاوت الطبقى بين القلة الغنية وجموع الفقراء خلال الفترة الماضية لأنه يضم دخول الفقراء والأغنياء فلا يتضح مدى التفاوت الذي تعاني منه أفقر شرائح المجتمع، فتقارير البنك الدولى تشير إلى أنه فى سنة 1964-1965 بلغ نصيب أفقر 20% من السكان 4.6% من الدخل القومى مقارنة بـ19.2% لأغنى 20%من السكان وفى عام 1970 بلغت هاتان النسبتان 5.1% و22% على التوالى وفى عام 1980 بلغت 5% و24%على التوالى وفى عام 1991 بلغ نصيب أفقر 10% من السكان 3.9%مقابل 26% لأغنى 10% من السكان أما أفقر 20% من السكان فقد بلغ نصيبهم من الدخل القومى فى نفس العام 8.7% بينما بلغ نصيب أغنى 20% من السكان 41% وتوضح الأرقام عمق التفاوت الطبقى فى مصر، والظاهرة أصبحت اكثر استفحالا اليوم فأغنى10% من السكان يحصلون على27% من الناتج القومى بينما يحصل 50% من السكان على25% فقط من هذا الناتج.

إن الغنى الفاحش مقابل الفقر المدقع ليست ظاهرة تخص مصر وحدها بل هى جوهر النظام الرأسمالي العالمى، فالمعاناة من الفقر والبؤس تحيط بنا من كل مكان، فمثلا يشير تقرير التنمية البشرية 1998 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة إلى تلك الظاهرة فعدد أغنى الأغنياء فى العالم كله 225 شخصا تتجاوز قيمة ما يملكون تريليون (ألف مليار) دولار، وهذا رقم من الصعب تخيله ولذلك يوضح التقرير إن هذا المبلغ يعادل 47% من إجمالى دخل أكثر الناس فقرا فى العالم وعددهم 2.5 مليار نسمة، وأغنى ثلاثة أشخاص منهم يمتلكون بمفردهم ثروة تفوق الناتج المحلى الإجمالى لأربع دول العالم مجتمعة (48)، وتشير إحدى المجلات الأمريكية إلى التوزيع الجغرافى لأغنى أغنياء العالم ففى الولايات المتحدة يوجد 60، وألمانيا 21، واليابان 14، وتضم الدول العربية 11 من ذوى الغنى الفاحش إجمالى ثرواتهم 78 مليار بمتوسط 7.1 مليار دولار، وهو أعلى متوسط بين قمة أغنياء العالم، وبالتأكيد يعيش واحد أو اكثر من هؤلاء الـ11 فى مصر، فقد أشار الكاتب محمد حسنين هيكل إلى استفحال التناقضات الطبقية، فقد زاد الفقر المدقع بصورة رهيبة وفى نفس الوقت تضاعفت أموال القلة الغنية فيوجد بمصر 12 أو 16 شخصا يملك كل منهم أقل قليلا أو أكثر قليلا من مليار دولار، هذا الكلام يخص عام 1993، بعد أكثر من خمس سنوات ترى كم فى مصر من الأغنياء يمتلك أكثر من مليار دولار؟

إن النظام الرأسمالى ينتج الفقر والجوع فى كل مكان فى العالم فجوهر هذا النظام قائم على الاستغلال، فالقلة الغنية من الرأسماليين يملكون السواد الأعظم من وسائل الإنتاج ويستغلون بفضل ذلك الطبقة العاملة ويكثفون استغلالهم من أجل الحصول على المزيد من الأرباح والتراكم الرأسمالى.

ومن هنا لا يمكن القضاء على الفقر والجوع إلا عبر الإطاحة بالنظام الرأسمالى وتصفية الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وهى المهمة الرئيسية التى تحلها الطبقة العاملة فى سياق الثورة الاشتراكية، ولذا فالخلاص الوحيد لجموع الفقراء والجوعى هو فى النضال تحت راية الطبقة العاملة من أجل انتصار الاشتراكية.