بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

دافوس في شرم الشيخ.. السياسة في قلب الاقتصاد

المنتدى الاقتصادي العالمي دافوس ينتمي لمنظومة متكاملة من المنظمات الداعمة والوكالات الاستشارية الخاصة والتعبوية لسياسات الليبرالية الجديدة في قلب الاقتصاد العالمى جنباً إلى جنب مع البنك الدولي وصندوق النقد. والمؤتمر السنوي لهذا المنتدى أصبح كعبة لرجال الأعمال والقيادات السياسية البرجوازية على أعلى المستويات وحتى نجوم الفن والأدب الذين اشتراهم النظام القائم. حنين حنفي تتتبع الأسس التي يقوم عليها المنتدى الذي يعقد مؤتمره الإقليمي لأول مرة في مصر.

المنتدى الاقتصادي العالمى، المعروف بمنتدى دافوس، هو منظمة غير حكومية مقرها جنيف بسويسرا تأسست في السبعينات. ويعتبر هذا المنتدى بمثابة مساحة تلاقي للنخب الاقتصادية والسياسية في العالم للنقاش في المشكلات الاقتصادية والسياسية التى تواجه هذا العالم وكيفية حلولها. وعلى الرغم من أن المنتدى لا يعد صانع قرار كمنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي، إلا انه يلعب دوراً محورياً في التعبئة حول سياسات الليبرالية الجديدة، والتي تستهدف بالأساس خصخصة الخدمات الأساسية، وتحرير السوق، وخلق مناخ مواتي للاستثمار الخاص، بما يتطلبه ذلك من إصلاحات سياسية واجبة. ليس هذا فقط، فعلى هامش تلك المؤتمرات يتم وضع مسودات لخطط ومشاريع اقتصادية مشتركة بين الحكومات والشركات الكبرى. ومن ناحية أخرى يتيح المنتدى مساحة لدرء الخلافات السياسية بين الحكومات وتقريب وجهات النظر.

ويتشكل المنتدى من 1000 شركة من عمالقة الشركات المتعددة الجنسيات أمثال نستلة ونايكى وميكروسفت وبكتل. يعقد هؤلاء اجتماعهم السنوى في دايفوس “عاصمة مايكروسوفت” بحضور رؤساء الدول والوزراء، وبعض منظمات المجتمع المدنى المختارة بعناية إلى جانب بعض المحامين والصحفيين والأكاديميين المختارين بعناية أيضاً. وعلى الرغم من أن المنتدى يُعد رسمياً “منظمة غير حكومية ولا تستهدف الربح ومفتوحة لمن يرغب” إلا أن شروط عضويته مغلقة وتحتم على أن يكون دخل الشركة لا يقل عن مليار دولار في السنة، إلى جانب اشتراكات عضوية واشتراكات حضور المؤتمر السنوي ووضع أجندته التى تتكلف عشرات الآلاف من الدولارات، مما يصب فى دخل سنوي للمنتدى ككل يتعدى مليارات الدولارات.

اجتماع دافوس السنوي “الإبداع الذي لا مفر منه”

منذ أحداث 11 سبتمبر والرأي العام العالمي أصبح مهتماً بالاستقرار طويل المدى فى الشرق الأوسط أرض “الإرهاب”، والبترول والطاقة، والعمالة الرخيصة والأسواق الكبيرة. وفى عرض سريع لما تناوله المؤتمر السنوي للمنتدى لهذا العام، الذى عقد تحت شعار “الإبداع الذي لا مفر منه” بمشاركة 600 مشارك، سنجده قد حدد قضايا أساسية تحتاج “لإبداع خاص” من القطاع الخاص، منها الوضع الاقتصادي المستقبلي للهند والصين وكيفية إدماجهما في السوق العالمي والاستفادة من عمالتهما وأسواقهما الكبيرة. وتعلقت القضية الثانية بمستقبل البطالة فى العالم، حيث التوقعات تشير إلى تدفق مئات الملايين من العمالة على السوق خلال العشرين سنة القادمة. وتعكس هذه النقطة توجه للمنتدى في الأعوام الأخيرة ينحو إلى دراسة الآثار الاجتماعية والسياسية لسياسات التكيف الهيكلي بغرض نزع فتيل الانفجار منها.

إلا أن كيفية إدارة الصراع وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط ومستقبله السياسى والاقتصادي كان هو المحور الأهم هذا العام. ومرة ثانية نرى روشتة الإصلاح الجاهزة: الانفتاح الاقتصادي على مصراعيه والدمج في السوق العالمى، إلغاء الدعم عن كل الخدمات الأساسية، إطلاق يد القطاع الخاص وتسهيل حركته، ولكن مع مزيد من الديمقراطية تسمح باستيعاب التيارات الإسلامية (العدو الصديق). خلاصة الموقف من وجهة نظر الرأسمالية العالمية هي أن استمرار عدم الاستقرار في المنطقة سوف يعنى خلق بذور وأرض خصبة للإرهاب توجه سبابتها للخارج، ويعنى تذبذب أسعار البترول وعدم استقرار السوق، ويعنى ظهور قوى في المنطقة لديها الخيار النووي كإيران. لذا الخيار الوحيد هو التسريع بدفع أجندة الليبرالية الجديدة وتقديم أجندة “للإصلاح السياسي” تكفل قتل أي إصلاح حقيقي من خارج الإطار في مهده.

المؤتمرات الإقليمية

ولأن المؤتمرات السنوية لم تكن كافية أبداً لدرء كل المخاطر، تحول المنتدى إلى عمل مؤتمرات إقليمية تجوب العالم وتناقش المشكلات في عقر دارها. فيعقد المؤتمر من خمسة إلى عشرة مؤتمرات اقليمية سنوية دوارة في أميركا اللاتينية وإفريقيا والشرق الأوسط من أجل التسريع بعملية “الانفتاح والاندماج الاقتصادي” والتعبئة لسياساته. وكان نصيبنا في منطقة الشرق الأوسط ثلاثة اجتماعات إقليمية عُقدت خلال الفترة من 2002 إلى 2005، وكانت جميعها في الأردن. هذه الاجتماعات تناولت قضايا كالإرهاب في المنطقة ومستقبل العراق وتأثيره، إلى جانب نقاش اتفاقيات تحرير التجارة وفتح الأسواق وارتفاع أسعار البترول. والاحتياج لقيادة حكيمة ومثابرة متعاونة مع متطلبات القطاع الخاص.

وعلى هامش تلك الاجتماعات الإقليمية، تم عقد اجتماعات ثنائية وضعت خلالها خطط مشاريع اقتصادية مثل مشروع مد قناة بين البحر الأحمر والميت وهو مشروع مشترك بين الأردن وفلسطين وإسرائيل، وبحث منطقة تجارة حرة بين أمريكا والعرب، وبين العرب وإسرائيل إلى جانب مناقشات قضية السلام الكبرى المتمثلة في اجتماعات اللجنة الرباعية لخارطة الطريق مع شيمون بيريز وعباس وكولن باول. ومثلت الأردن فى ذلك السياق “روح دافوس في الشرق الأوسط” ونموذجاً للديمقراطية والإصلاح على الطريقة الأمريكية، فهى الدولة التى “في سلام مع جيرانها”، والتى عقدت اتفاقية تجارة حرة مع امريكا، ويمكن أن تلعب دور مستقبلي في مشروع الشرق الأوسط الكبير وعملية السلام بين العرب وإسرائيل.

وفى اطار تلك الاجتماعات الاقليمية فى المنطقة، كان من الضرورى ترك وريث شرعي يكمل عمل الاب فى غيابه. وهكذا تأسس مجلس للاستثمار العربي في الاجتماع الإقليمي في الأردن 2003. وكان الهدف منه خلق نواة دافوس صغيرة في المنطقة العربية تحمل صوت القطاع الخاص في المنطقة إلى العالم للتسريع من عملية الإصلاح الاقتصادي. وبالفعل يضم هذا المجلس مائة من رجال الأعمال العرب يقوموا بالتنسيق وبحث إمكانيات التعاون المشترك وفرص الإصلاح الاقتصادي والسياسي بقيادة رجل الأعمال المصري محمد شفيق جبر.

دافوس في شرم الشيخ

في هذا السياق سوف يُعقد الاجتماع الإقليمي القادم في مصر في شرم الشيخ من 20-22 مايو وذلك بحضور أباطرة الشركات، وأباطرة “السلام العالمي”، ومجلس الاستثمار العربي لبحث مستقبل المنطقة. ويكتسب هذا الاجتماع طبيعة خاصة بسبب الأحداث الأخيرة التي شهدتها المنطقة. فصعود حماس إلى السلطة والشعور بأن الصراع العربى الإسرائيلي قد وصل إلى منطقة سد، شكل في واقع الأمر لطمة لخارطة الطريق ومشروعات السلام الإمبريالي. كما أن صعود حماس يتزامن مع إصرار الإمبريالية على طرح الملف النووي الإيراني على ساحة المجتمع الدولي بصفته الخطر القادم، وتهديدها باستخدام القوة العسكرية. وأخيراً وليس آخراً، ازدياد وضع العراق تعقيداً وتزايد وتيرة المقاومة والعنف وعدم الاستقرار.

يُعقد مؤتمر شرم الشيخ تحت عنوان براق هو: “السلام وفرص الرفاهية في الشرق الأوسط” وتراه البرجوازية المصرية، على حد تعبير رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة، على أنه “يعطى إشارة واضحة للعالم كله أن مصر مفتوحة للاستثمار وجادة في عملية الإصلاح”. واعتبرت حكومة نظيف نقل المؤتمر من الأردن إلى مصر واحداً من انتصاراتها على الصعيد الدولي. ولا عجب فهذه الحكومة ببرنامجها النيوليبرالي الكلاسيكي تتلقى دعم ومساندة بلا شرط من المؤسسات الدولية اليمينية. وهكذا فكأن هذا الاجتماع يأتي لمساندة هذا البرنامج الذي ينقل بلادنا وفقراءها وعمالها إلى محطة انهيارات المكسيك والأرجنتين بسرعة مهولة.

وسيتناول المؤتمر قضية البطالة وخلق فرص عمل جديدة وإصلاح التعليم إلا إنه سيتناولها على طريقة “داوني بالتي كانت هي الداء”: إذا كانت هناك بطالة وفقر بسبب “الإصلاح” فالحل هو المزيد من “الإصلاح”. أحمد نظيف قال مرة إن “رياح التغيير تهب على مصر من الإتجاه الصحيح .. الديمقراطية وفتح الأسواق يسيران يداً في يد”. وبالفعل هناك رياح تغيير تهب على مصر على مدى السنتين الماضيتين ولكنها رياح ـ إن لم نتصد لها ـ سوف تقضى على ما تبقى من أخضر ويابس. فقد أثبتت تجربتنا مع هذا النظام مرة بعد مرة ويوماً وراء يوم أي نوع من “الديمقراطية” يسعى إليها ويحتاجها ليكمل مهمة “فتح الأسواق”.