بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عدالة حكومة الببلاوي الاجتماعية وحده الأدنى

جاء قرار حكومة الدكتور حازم الببلاوي بتحديد حد أدنى للأجور في القطاع العام بـ 1200 جنيه شهرياً مفاجئاً ومخالفاً لتصريحات رئيس الوزراء بأنه لا يمكن فرض حد أدنى فى الوقت الحالي بما لا يتجاوز 800 جنيه شهرياً. وبعد أيام من تصريحات الببلاوي، جاء قرار فرض الحد الأدنى بدايةً من يناير المقبل دون أن تحدد الحكومة آليات تطبيقه وخططها لمواجهة ارتفاع الأسعار الذي يسير بالتوازي مع أي زيادة تفرضها الدولة في الأجور.

الباحث الاقتصادي والصحفي الاشتراكي وائل جمال كتب: “القرار يخص إجمالي الدخل وليس الأجر الأساسي وسيشمل حساب المزايا العينية بجانب أنه مازالت هناك بعض المعايير التي قد تؤخذ في الاعتبار كأن ينطبق فقط على من مر على وجوده بوظيفة سنة على الأقل”.

ويضيف جمال “القرار جاء دون ترتيب، وهو ما يثبت صعوبته على ترتيبات الحكم رغم أنه إصلاح بسيط، حيث لم ترتب الحكومة موارد لتغطيته وهو ما يعني أنه من ناحية مازال هناك مجال لتقليص المكاسب منه، ومن ناحية أخرى أنه قد يكون مقدمة لواحد من خيارين إما فرض خيارات تقشفية في الخدمات العامة وفي تسريع ضرائب غير مباشرة كضريبة القيمة المضافة التي يضغط من أجلها جناح صندوق النقد في الحكومة. أما الخيار الثاني وهو ما كان يجب أن يحدث منذ زمن طويل فهو تدبيره من وفورات من يحصلون على أعلى الدخول في الحكومة بلا رقابة ولا وجه حق ومن خلال إعادة ترتيب حمول الموازنة لتقع على رجال الأعمال الكبار والأغنياء بدلا من وضعها الحالي الذي ينوء تحته الفقراء والعاملون بأجر.

عن القرار وأولوياته

يرى وائل في قرار الحد الأدنى جانب إيجابي وهو أن زيادة الأجور طريق العدالة الاجتماعية فهي أيضاً طريق الازدهار الاقتصادي وزيادة الانتاجية إلا أنها تتطلب إجراءات قاطعة لتفكيك احتكارات الاستيراد والتجارة الداخلية لكي لا يرفع المتحكمون فيها أسعار السلع فيلتهموا الزيادات بالتضخم الذي يقتطع من أي تحسن حقيقي في دخول العاملين مشيراُ إلى أنه لكي تكون زيادات الأجور ذات آثر تنشيطي وإنتاجي لابد أن يقترن هذا بسياسة توسع في الاستثمارات الحكومية لخلق مزيد من التشغيل.

إلا أن الثابت فى هذا القرار أن الحكومة تحايلت على رفع الحد الأدنى للأجور بكلمة “مجموع ما يتحصل عليه من دخل”، وليس الدخل الأساسي، ما قد يخفف تكلفة تمويل الزيادة المتوقعة فهناك من يتقاضى أساسي الراتب بالحكومة 300 جنيها ومجمل دخله 1300 جنيهاً بجانب أن عدد كبير من العاملين في القطاع الحكومي يتجاوز مجموع دخلهم الحد الأدنى الذي حددته الدولة، ولذا فإن الزيادة ستقتصر على المنضمين الجدد إلى سوق العمل ومن تم تعيينهم بعقود مؤقتة.

الحديث عن رفع الحد الأدنى للأجور بدون ضبط الأسعار يعتبر متاجرة بأحلام البسطاء لأنه إذا لم يتحقق ذلك مع بقاء القوانين التي تحمي الجشع والاستغلال وتطلق يد التجار فى تحديد الأسعار وتمنع أى تدخل حكومى فى هذا الشأن بحجة تشجيع الاستثمار فإن الحد الأدنى سيصبح بلا طائل. هذا ما ذهب إليه الباحث الاقتصادي الدكتور أحمد النجار فانتقد عدم إعلان آليات القرار مشيراً إلى أن تأجيل التنفيذ إلى يناير القادم هو نوع من المماطلة وربما محاولة لنقل مهمة التطبيق إلى حكومة قادمة.

تطبيق القرار والوسائل الممكنة

النجار حدد عدد من الخطوات لتطبيق الحد الأدنى بصورة صحيحة أولا أن تغيير الحد الأدنى للأجر بشكل جاد يتطلب إصدار قانون جديد للأجور يحدد فيه الحد الأدنى للأجر الأساسي سواء كان ألف أو ثمانمائة جنيه ويكملها ما في حكم الأجر لتصل إلى 1200 جنيه وفقا لما أعلنته الحكومة وينص في القانون على تغيير الحد الأدنى للأجر سنوياً بنفس نسبة معدل التضخم المعلن رسميا حتى لا تتآكل قيمة الحد الأدنى للأجر تدريجياً.

حيث وجد النجار أن إصلاح نظام الأجور يتطلب تغيير أجور العاملين القدامي بناء على الحد الأدنى الجديد أخذاً في الاعتبار سنوات الأقدمية والخبرة، وأكد أن الحكومة لم تلقٍ بالاً لمسألة التوصيف المهني ما يعني استمرار التفاوت الكبير في الدخول بين من يقومون بنفس العمل لدى الدولة حسب الوزارة أو المؤسسة التي يعملون بها وهو أحد ملامح فساد نظام الأجور الراهن.

وأضافً أن الحكومة لم تعلن عن آليات توفير الأموال الضرورية لإصلاح نظام الأجور ولو تم هذا التمويل من خلال إنهاء فوضى المستشارين والمد فوق السن ووضع حد أقصى للدخل وإنهاء دعم الكهرباء والطاقة للأثرياء والرأسمالية الكبيرة فإن ذلك لن ينتج أي آثار تضخمية لأنه سيعني نقل أموال ممن لا يستحقونها إلى من يستحقونها، كما يجب أن تعلن الحكومة عن إجراءات صارمة لحماية المستهلكين وحماية المنافسة ومنع الاحتكار وضبط الأسعار حتى لا ينهب التجار والمستوردين أي زيادة في الأجور بلا سبب منطقي.

اما وائل جمال فعاد ليتوقع معركة منتظرة مع رجال الأعمال المعترضين على قانون ملزم بـ ٨٠٠ جنيه سابقا قبل إقرار الحد الأدنى في القطاع العام محذراً من محاربتهم هذا القرار بإغلاق مصانع أو فصل لعمال.

تسعيرة الببلاوي الجبرية

وفى ظل الحديث عن الحد الأدنى وإمكانية ارتفاع أسعار السلع ناقش مجلس الوزراء فرض التسعيرة الجبرية على السلع وصرح وزير التموين محمد أبو شادي إنه تمت مناقشة قرار فرض التسعيرة الإجبارية خلال اجتماع اللجنة الوزارية الاقتصادية وعُرض على الدكتور حازم الببلاوي وأبدى موافقته على فرضها بشرط لفترة محددة. وأضاف أن الحكومة أكدت أنه لا مساس بالمبالغ المخصصة لدعم السلع الاستهلاكية وأنها أعدت آليات أخرى لمنافسة الغلاء في الأسعار التي ترجع لضمير البائع والمنتجين. وأنه وفقًا للقانون فإن من يخالف التسعيرة الجبرية أو يلجأ للغش سيتعرض للعقاب بالحبس أو الغرامة.

ثم عاد الوزير فى اليوم التالي لاجتماع المجموعة الاقتصادية ليؤكد أنها جادة فى تطبيق التسعيرة الجبرية على أسعار الخضر والفاكهة ما لم تنخفض أسعارها خلال الأيام القادمة وكأن هناك إجراء جاد وآخر غير جاد أو ربما وصل إلى مسامعه ما تردد عن أن القرار مجرد تخويف للتجار ليتراجعوا عن الزيادات فى السلع!.

الحكومة اتجهت إلى الحل السهل بفرض تسعيرة جبرية دون حلول جذرية للأزمة بمواجهة المشاكل التى يعانى منها الفلاح. في حين أن وزير التموين تحدث عن قانون تم فرضه في أربعينيات القرن الماضي دون أن يوضح آليات تطبيقه وهل تملك الوزارة العدد الكافي من المفتشين للقيام بحملات لضبط الأسواق فى ظل عجزها عن مراقبة المخابز أم سيطلب منح المفتشين الضبطية القضائية لتطبيق القانون؟

قرار التسعيرة الجبرية يفتقد مقومات نجاحه فى ظل توقعات بعودة السوق السوداء والتى سيتحكم فيها التجار الرافضين لقرار التسعير بجانب الفساد المستشري في وزارة التموين ورشاوي أصحاب المخابز للتجاوز عن المخالفات وهو ما يمكن حدوثه مع التجار غير الملتزمين خاصة أن أسعار الخضر والفاكهة تتغير بشكل يومى وفقاً للمعروض فى السوق.

فى النهاية يبقى الأمر الثابت أن حكومة الببلاوي تلجأ إلى اتخاذ قرارات مثل الحد الأدنى والتسعيرة الجبرية وهى في ظاهرها محاولات لتحقيق العدالة الاجتماعية ولكن فى باطنها تحمل الكثير من الأزمات للمواطن الذي تمنحه الدولة الحد الأدنى من راتبه باليد اليمنى ليحصل عليه كبار رجال الأعمال وأباطرة الاحتكار باليد اليسرى.

وفى كل الأحوال فإن الحكومة تتخذ حالياً إجراءات لن تشرف على تنفيذها ولن تتحمل تبعاتها لأنها لن يطول عمرها إذا ما تم إجراء الانتخابات البرلمانية عقب الاستفتاء على الدستور وتشكيل حكومة جديدة، لذا فإن المحاولات التي يتم اتخاذها للمتاجرة بقضية العدالة الاجتماعية ستنتهي بكارثة إذا لم تتم على أساس اقتصادي سليم يوضح آلية التطبيق ويتجاوز اقتصاد السوق الحر بكوارثه.