بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

في مصر: «للشفافية حدود»

تتغير الأنظمة الحاكمة في مصر وتبقى الدولة موصومة دائماً بالفساد وانعدام الشفافية، وهى مميزات ملتصقة بالبيروقراطية المصرية العريقة لم تنجح ثورة الشعب في تغييرها بسبب بقاء البنية الأساسية لنظام ما قبل 25 يناير في سلطات الدولة.

ففي نهاية عام 2013 كشف مؤشر مدركات الفساد عن حصول مصر على المركز 114 من بين 177 دولة ومنطقة بالعالم، حيث يقيس المؤشر نسب الفساد المتصورة في القطاع العام في هذه الدول وذلك وفقاً لما أعلنته منظمة الشفافية العالمية. وتتركز المهمة الرئيسية للمؤشر على التذكير بأن استغلال السلطة والفساد والرشوة والتعاملات السرية ونقص الشفافية – وهي العوامل التي يقيسها المؤشر – تواصل النهش في جسد دول العالم.

فساد فساد.. مالي البلاد
يرصد المؤشر أوضاع 177 دولة على مقياس متدرج من الصفر إلى 100 درجة، حيث الصفر يشير للأكثر فسادًا بينما الـ100 تشير لدول الأكثر شفافية وقد حصلت مصر على معدل 32 من 100 مما يعني أنها من الدول التي لم تستطع تخطي حاجز المتوسط العالمي، وهو 43 درجة. وقد أوضح المؤشر أن 84% من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حصلت على نقاط أقل من المتوسط العالمي، وأن المعدل عبر المنطقة كان 37 درجة وذلك رغم موجات الربيع العربى التى اندلعت في عدد من الدول وأطاحت بأنظمة الحكم في تونس ومصر وليبيا واليمن.

التقرير أكد أن السلطات الحاكمة في كل من مصر والمغرب وتونس على مستوى دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط لم تحسن الإجراءات التي تتخذها في إطار مكافحة الفساد ونزاهة واستقلال القضاء وتشريع قوانين، مثل حق الوصول إلى المعلومات وحماية المبلّغين، مذكراً بأن هذه الدول احتلت نفس مرتبتها في تقرير العام الماضي دون أي تحسن.

القطاع العام في مصر كان أداة للفساد والإفساد طوال فترة حكم مبارك، وسعى للتخلص منه عن طريق خصخصة بعض الشركات وإهدار حقوق العمال فيها، وهو ما ذكّرت به تقارير منظمة الشفافية الدولية حيث اعتبرت أن الفساد في القطاع العام مازال من بين أكبر التحديات بجانب الفساد في الشرطة ونظم القضاء والأحزاب السياسية.

الخطوات الواجب اتخاذها لمحاربة الفساد ورفع مستوى الشفافية في أى دولة، وفقاً لما ذكره التقرير، تتركز في كون المؤسسات العمومية أكثر انفتاحًا فيما يخص عملها وأنشطتها وأن يكون المسئولون أكثر شفافية في صناعة القرار، إلا أنه يعود ليؤكد أنه مازال من الصعب للغاية التحقيق في الفساد وملاحقة المسئولين عنه أمام القضاء بسبب حماية أنظمة الحكم لتابعيها في السلطة.

هذا ما أظهره التقرير في نهاية 2013، ولكن في بداية العام نفسه كشف تقرير آخر لمنظمة الشفافية الدولية أن مصر من أكثر 9 دول فسادًا في قطاع الدفاع والأسلحة على مستوى العالم.

وكشف مؤشر منظمة الشفافية الدولية الأول لمكافحة الفساد في قطاع الدفاع أن مصر ضمن الفئة (F)، وهي الفئة الأخيرة في تصنيف الفساد في قطاع الدفاع والأسلحة والتي تشمل دول مثل أنجولا والجزائر والكاميرون والكونجو وإريتريا وسوريا واليمن وليبيا. وأوضح التقرير أن الفترة التي رصدها تتعلق بعام 2011 إبان حكم الرئيس السابق حسني مبارك ثم الفترة الانتقالية التي قام المجلس العسكري بإدارتها مشيراً إلى أن الفترة التي أعقبت ثورة 25 يناير أظهرت وجود فساد سياسي كبير.

الفساد المالى في مصر كان له نصيب من تقييمات المنظمة حيث أوضح التقرير أنه ”عالي للغاية”، وعدّد أسباب مازالت موجودة إلى الآن رغم تغير النظم السياسية، منها أن البرلمان لا يعلم شيئاً عن موازنة الدفاع والجيش، ونحو 99% من مصروفات المؤسسة العسكرية تقع تحت بند “أمور غير محددة” وهو ما أقرته حتى الدساتير التي تم إعدادها بعد ثورة يناير بسبب تواطؤ النخب السياسية مع المجلس العسكري.

وأكد التقرير أن المؤسسة العسكرية المصرية لديها اهتمامات اقتصادية واضحة للعيان؛ فهي تتحكم فيما بين 10 إلى 40% من الاقتصاد المصري، وأرباحها تعتبر من الأسرار القومية، كما أن شركاتها غير مدرجة في سوق المال المصري.

الإرادة السياسية.. صفر
التأثير السلبي للفساد وانعدام الشفافية لا يعانى منه إلا الشعب نفسه، حيث يتسبب في زيادة العجز في الموازنة العامة للدولة وارتفاع تكلفة الخدمات التي يحتاجها المواطنون وزيادة معدلات التضخم، خاصة أن هناك سلطات واسعة للمسئولين الحكوميين دون رقابة أو محاسبة لقصور الآليات اللازمة لتفعيل جهود مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية.

حتى وزراء السلطة الحاكمة لم يحاولوا مواجهة الفساد المستشرى في الاقتصاد الصري أو سن تشريعات لمواجهته ولكن حملوه للأنظمة السابقة رغم ممارستهم نفس السياسات واعتمادهم على آليات الحكم التي أدار بها مبارك ومرسي الدولة خلال فترة حكمهما.
ففي تصريح للوزير “اليساري” كمال أبو عيطة، الذي تولى وزارة القوى العاملة والهجرة في حكومة الببلاوي، قال أن “دولة الإخوان المسلمين كانت فاشلة تماماً على جميع الأصعدة”، وأن هناك “إصرار على سياسات الخصخصة وبيع المصانع والشركات لمجموعة من المغامرين والمرتزقة من رجال أعمال جماعة الإخوان المسلمين وشركائهم، وعمليات الفساد المستمرة وهو ما أدى إلى احتلال مصر في ظل هذا النظام الفاشل المركز 114 في الشفافية والنزاهة من 177 دولة”.

لكن الوزير “الثوري” قد تناسى أن الحكومة التي “يتشرف بعضويتها” لم تقم بأي تعديل يمنع انتشار الفساد، بل على العكس؛ فقد سعت لإصدار قانون حسن النية لحماية تصرفات الوزراء والمسئولين عند اتخاذ القرارات وتوقيع التسويات المتعثرة، كما أسندت مشروعات بمليارات الجنيهات إلى القوات المسلحة ساهمت في حماية استثمارات المؤسسة العسكرية. وكل ذلك خلال 6 أشهر فقط وليس عام مثل الإخوان أو 30 سنة مثل مبارك!

يبقى الحل الوحيد في ثورة شاملة داخل مؤسسات الدولة للرقابة على أنشطتها وعلى قرارت المسئولين فيها وأوجه إنفاق المال العام، وللمتابعة الدقيقة لميزانية الدولة، بل وتوجيهها لخدمة أغلبية الشعب من الفقراء، والحد من الإنفاق الاستهلاكي والترفي المنتشر داخل المؤسسات السيادية في مصر.