بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اقتصاد

نظام ينهار وليس مجرد إغراق واحتكار..

أحمد عز وحديد التسليح: أزهى عصور الفساد السياسي والاقتصادي في مصر

في عام 2001 كان سعر طن حديد التسليح في مصر حوالي 1200 جنيه، وأصبح 2000 جنيه في أكتوبر 2003. وفجأة وصل إلى 3000 جنيه بنهاية هذا العام. وقد ساهم ذلك في زيادة حوالي 40% في أسعار البناء. أدى ذلك لانخفاض عدد المقاولين في مجال المقاولات والبناء والتشييد خلال العامين الماضيين من 27 ألف إلى 7 آلاف مقاول. مما دفع الحكومة إلى صرف تعويضات للمقاولين الذين يتعاملون معها في بناء المرافق العامة من مدارس ومستشفيات بلغت أكثر من 300 مليون جنيه بسبب هذه الأسعار.

أحمد عز هو المتحكم الأول ليس فقط في إنتاج حديد التسليح في مصر، بل أيضاً في عمليات توزيعه واستيراده وتصديره. هل ذلك بسبب احتكاره لحوالي 60% من إنتاج حديد التسليح في مصر؟ صحيح أن السيد عز يمتلك هذه النسبة، كما انه ومنذ حوالي 10 سنوات يتم نعطيل إصدار قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار، وقد كان أحد الأسباب الأساسية لتعطيل إصدار هذا القانون، لكننا لا يمكن أن نفهم قصة حديد التسليح واحمد عز إلا بفهم قصة الفساد الاقتصادي والسياسي الضخم في مصر، كما لا يمكن أن نفهم هذه القصة إلا إذا تحدثنا عن طبقة حاكمة توشك على الانهيار. فتعالوا نرى الصورة عن قرب.

الفساد الاقتصادي وعز:
بدأت قصة أحمد عز مع احتكار صناعة الحديد في مصر في سبتمبر 1999، حيث قام أحمد عز من خلال شركة عز لحديد التسليح بشراء 543.50 سهم في شركة الإسكندرية الوطنية لصناعة الحديد المعروفة بشركة الدخيلة (وهي شركة قطاع عام أنشئت عام 1982 لإنتاج حديد التسليح للسوق المحلى).

وفى أكتوبر تم إصدار 3 ملايين سهم أخرى، وتم تخصيصها بالكامل لشركة احمد عز بقيمة إجمالية 456 مليون جنيه على أن يتم السداد بالأقساط. وفى نوفمبر 1999 تم نقل ملكية 644.500 سهم أخرى من اتحاد العاملين إلى شركة عز، مما جعل الأسهم التي يملكها في الشركة تصل إلى 9.9% من رأسمال الشركة، وبقيمة 1.2 مليار جنيه. وبناء على ذلك تم تعديل مجلس إدارة الدخيلة بحيث يضم احمد عز.

وما أن دخل عز مجلس الإدارة حتى امتنع عن سداد القسط الثاني في الشراء وهو 228 مليون جنيه. وعلاوة على ذلك تم التعامل معه على أساس انه يملك 28% من أسهم الشركة، ثم تم إقصاء رئيس مجلس الإدارة ليتم تعيين عز في مارس 2000.

وهكذا وبقدرة قادر أصبح عز رئيساً لمجلس إدارة شركة لا يملكها، بل وأصبحت هذه الملكية هي منجم الذهب الذي يستخدمه للتحكم في سوق الحديد في مصر، عن طريق خسارة الدخيلة لمبالغ تربحها شركته( بمدينة السادات). والأكثر من ذلك قام عز بطمس أسم الدخيلة وقام بتغيير شعار شركة الدخيلة. وكانت الطريقة المثلى لاستنزاف الدخيلة هي تخصيص مبيعاتها من قضبان الصلب نصف المصنع (من خام البيليت) إلى شركته فقط وبسعر 680 جنيه واحتكارها لنفسه. هذا بالرغم من أن شركة الدخيلة أنشئت أصلاً لكفاية السوق المحلى. وقد أدى هذا لخسارة “الدخيلة” لمبلغ 82 مليون جنيه إلى أرباح تدخل جيبه الخاص. ثم تتطور الأمر لتصل خسائر الدخيلة إلى مليار جنيه، ومنها فقط 250 مليون جنيه عام 2000 في منتج واحد وهو المسطحات، بالإضافة إلى غرامات تأخير وخدمة دين، وكلها بسبب ديون تراكمت على الشركة وصلت إلى 3.6 مليار جنيه وقروض من البنوك بلا ضمانات حقيقية.

ووفقاً لأحد خبراء الصناعة، فان عز بدأ مشواره مع احتكار الصلب بجريمة قانونية تمثلت في رفع رأس مال الشركة من 1.2 مليار إلى 1.5 مليار جنيه، وذلك من خلال طرح اكتتاب بمبلغ 456 مليون جنيه تم تخصيصه بالكامل له وحده، وذلك بالمخالفة لقانون سوق المال الذي ينص على أن الاكتتاب إذا زاد عن 5 % لابد أن يتم طرحه للاكتتاب العام والإعلان عنه في جريدتين يوميتين.

والأمثلة البسيطة السابقة توضح كيف آن هناك مؤسسة فساد اقتصادي ضخمة تحمى عز وأمثاله. لكن هناك المزيد والمزيد. ففي عام 2001 قدم أبو العز الحريري النائب التجمعي استجواب لرئاسة الوزراء حول ما يحدث في الدخيلة. وبعدها شكل رئيس الوزراء عدة لجان وزارية، لم تجتمع يوماً قط. وفى ذات العام استغل عز نفوذه السياسي واقنع زميله بطرس غالى بأن هناك إغراق لحديد التسليح من دول ليبيا وأوكرانيا وروسيا والسعودية. وقد كان سعر الطن المستورد من هذه الدول يصل إلى 650 جنيه مصري فقط لا غير.

ومن خلال زياراته كمسئول في الحزب الوطني للولايات المتحدة نجح في إعفاء مصر من عقوبات تجارية في مسألة تصدير حديد التسليح للولايات المتحدة، على غرار ما تقوم به مع الحديد الأوربي، وهو الأمر الذي زاد من صادراته للولايات المتحدة. وهكذا أصبح بسلامته المتحكم الأول في الحديد في مصر، والمصدر الأول. وعندما جاءت كارثة 2003 بهذه الزيادة الجنونية لأسعار الحديد، وقدمت 5 طلبات إحاطة واستجواب جديد للحريري (لم يناقش أصلاً)، تم تشكيل لجنة برئاسة أمين مبارك (رئيس لجنة الصناعة وعضو العائلة المالكة المباركية). وقد جاء أعضاء مجلس الشعب ليناقشوا تقريراً للجهاز المركزي للمحاسبات لم يعرض عليهم. وقيل أن هناك اتفاقاً بين احمد عز والجهاز المركزي بعدم نشر هذا التقرير لأنه على حد زعمه ( يضر بمصالحه، إذا علم المنافسين هذه الأرقام). هذا بالرغم من إن هذا تقرير عن شركة الدخيلة التي هو مجرد شريك مساهم فيها، ويفترض أنها لا زالت شركة وطنية!!

وبعد خراب مالطة أصدر رئيس الوزراء قرار جديد بتخفيض نسبة رسوم الجمارك الخاصة بالإغراق من 20% إلى 5% في منتصف يناير الماضي. كما أكد رئيس الوزراء أنه سيترأس بنفسه لجنة وزارية دائمة ستقوم بمراقبة أسعار الحديد طبقاً للتكلفة الفعلية بجميع عناصرها المحلية والعالمية. وعندما سئل أحمد عز في قناة دريم عن هذه اللجنة قال: إن “هذه فقط لجنة للتهدئة، ورئيس الوزراء يعرف بكل التفاصيل التي أقولها”. فقد كان ببساطة يقول أن الحكومة بتاعتى وهي (بتريحكم).

فساد سياسي ضخم:
أما عن الفساد السياسي فحدث ولا حرج. فالطفل المعجزة، كان أول ظهور قوى له في الحياة السياسية هو انتخابات مجلس الشعب عام 2000 (الدورة الحالية)، وبعد سجن رئيس لجنة الخطة والموازنة السابق (توفيق عبد إسماعيل) أصبح سيادته رئيساً للجنة الخطة والموازنة. وهنا تأتى أعظم المفارقات. فالرجل المدين للبنوك بمليارات الدولارات والجنيهات، وذات الرجل الذي يتعامل مع الضرائب، أصبح هو ممثل الشعب المسئول عن محاسبة الحكومة في الموازنة العامة، وعن محاسبة وزارة المالية عما تفعله في قطاع الضرائب، بما في ذلك ضريبة المبيعات والجمارك والتسهيلات الضريبية. ووفقاُ لتقرير مؤسسة هيرمس المالية في عام 2001، إن “العز أعلى نسبة مخاطرة”، تقول المؤسسة إن ديون عز القصيرة والطويلة الأجل حوالي 1.5 مليار جنيه، وهذا فقط حتى عام 2000. وهكذا يصبح معجزة عصره بلا حساب. وقبل ذلك كان عضواً مؤسساً لجمعية المستقبل. وكان قد ظهر في اجتماعات مؤتمر السوق الشرق أوسطية في عام 1996. وفى عام 2002، أصبح عضواً في لجنة مصغرة من خمسة مسئوليتها إصلاح الحزب.

وبعد انعقاد مؤتمر الإصلاح الأعظم في سبتمبر 2002 فوجئ الناس بأن عز أصبح رئيساً لأمانة جديدة تسمى بأمانة العضوية، وهى أمانة تتيح لمن يرأسها أن يطلع على كل تركيبة الحزب، وهذا بالطبع اقتطاع من سلطات الشاذلي. ومنذ حوالي ثلاثة شهور تم تعيينه رئيساً للجنة جديدة داخل أمانة السياسات تسمى أمانة حماية الأراضي الزراعية، وهو أحد هؤلاء الذين استفادوا من قانون تم إصداره قبل سنتين حول ملكية الأراضي في المدن الجديدة مثل توشكي والعين السخنة وغيرها. أما قصة فتح النار على عز، فلا يمكن أن تفهم سوى في ضوء تململ الحرس القديم من اتساع صلاحيات عز (واستئثاره بكعكة ضخمة من أموال الشعب).

نظام ينهار:
كل الحقائق السابقة تقول إننا لسنا أمام مجرد مؤسسة فساد اقتصادي وسياسي ضخمة يمكن إصلاحها ببعض المحاسبة. فمن المعروف أن الرأسمالية تتعامل مع الفساد بطريقة انتهازية ومتناقضة. فهي تريد الفساد (لتمشية مصالحها) لكنها تضجر منه إذا اعترض هذه المصلحة. واقع الأمر أن كل هذه الوقائع تأتى في وقت ينهار فيه النظام. فنحن أمام طبقة حاكمة لا تستطيع إصدار قانون لتنظيم ( فقط تنظيم وليس منعه) الاحتكار منذ حوالي 10 سنوات، وتستبدله بلجان وزارية ليس لها معنى. كما أنه في الوقت الذي تعجز فيه الدولة عن دفع أموال المعاشات بعد شهرين من الآن، وفى الوقت الذي يذهب فيه الديكتاتور ليتسول من عمان والإمارات والسعودية، تدفع الدولة الملايين كتعويضات للمقاولين عن ارتفاع أسعار البناء. وفى الوقت الذي وصل غضب وكراهية هذا الشعب على النظام الحاكم إلى منتهاه، لا يجد النظام سوى وجوهاً قبيحة تتصارع على امتصاص دماء الشعب، وعندما يريد التجديد يستبدل كرش بكرش آخر، تحت مسمى إصلاح الحزب، والجميع يتصارعون على النهب. وأصبحنا أمام أزمة بناء وبطالة وأسعار شاملة، ولا توجد دولة ولا مؤسسات، وإنما تصدر القوانين وتنشئ الهيئات لضرورات البيزنس واعتبارات المنافسة.

أم حان الوقت إذن ليوحد الفقراء صفوفهم ليطيحوا بهذا العفن في أقرب وقت ممكن؟!