بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

خصخصة الصحف القومية

عكست نتيجة انتخابات نقابة الصحفيين انحياز الجماعة الصحفية لتيار التغيير الرافض للفساد في المؤسسات الصحفية وللتوجه نحو خصخصة الصحف. لذلك فقد جاء الدور على مجلس النقابة ونقيب الصحفيين لتلبية طموحات الصحفيين والمضي قدمًا في معركة التغيير.

انتصر تيار التغيير للمرة الثانية بنقابة الصحفيين بفوز جلال عارف بمنصب نقيب الصحفيين بفارق 600 صوت في الجولة الثانية على منافسة إبراهيم حجازي أحد أذرع إبراهيم نافع، والمقرب للحرس القديم في الحزب الوطني. لم تكن المعركة سهلة بل كانت المنافسة على برامج وتحديدًا في الجولة الأولى. وتصدر موضوع الصحافة القومية برامج المرشحين، وهو ما كان واضحًا خلال الجولات الانتخابية التي قام بها المرشحون. فالسؤال الذي تردد كثيرًا كان حول مستقبل الصحافة القومية وموقف المرشحين من الخصخصة. وفي الجولة الأولى، حرص كل من مصطفى بكري وأسامة غيث وأسامة الغزالي حرب وجلال عارف على تأكيد رفضهم للفساد والدعوة إلى إصلاح أوضاع الصحافة المصرية. وأسفرت نتيجة الجولة الأولى عن خروج بكري وغيث وحرب، وتمت الإعادة بين عارف وحجازي. فعبرت الجماعة الصحفية بوضوح عن رفض الفساد والمفسدين وأيضًا رفض الرشاوي الانتخابية التي وصلت إلى موبايلات وأجهزة كمبيوتر ووعود بشقق وزيادة للبدل. بل يمكن القول أيضًا أن الجماعة الصحفية أرادت بعث رسالة واضحة بأنها سوف تستكمل مشوار التغيير للدفاع عن مصالحها وحقوقها، وأن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، وعلى هؤلاء المفسدين أن يرحلوا ليس فحسب من الصحف بل ومن النقابة.

تأتي هذه الخطوة في وقت يقترب فيه شبح الخصخصة من المؤسسات الصحفية القومية، ويروح لهذا حاليًا الحزب الوطني الحاكم عبر دوائر عدة تابعة له، سواء داخل مجلس الشورى أو في المؤسسات الصحفية. ويدفع في هذا الاتجاه أصحاب “الفكر الجديد” أعضاء لجنة السياسات ممن ينتمون إلى تيار “الليبرالية الجديدة”. وكان لهؤلاء دور واضح في اختيار القيادات الجديدة التي تم تعينها في المؤسسات الصحفية القومية.

يزعم أصحاب هذا الاتجاه بأن الخصخصة تمثل حلاً سحريًا للأزمة الخانقة التي تمر بها المؤسسات الصحفية الآن، على غرار ما حدث مع شركات قطاع الأعمال التي تم بيعها برخص التراب، بعد أن عمد النظام الحاكم القضاء عليها، وتقديمها على طبق من ذهب لرجال المال والبيزنيس. ففي إطار سياسات السوق الحر والخصخصة التي تحكمنا الآن، أصبح كل شيء مطروحًا للبيع، بما في ذلك صحفنا القومية بعد أن غرقت في ديون تقدر بحوالي أربعة مليارات جنيه، وأصبحت هياكلها المالية والإدارية مهترلة، والعديد من إصداراتها بلا جمهور، فضلاً عن استنزاف أموالها في مشروعات ليس لها علاقة بمهنة الصحافة، ناهيك عن إنشاء المطابع التي لا تدار بأسلوب اقتصادي، فأصبحت عبء على هذه المؤسسات. إلى جانب ذلك نجد سياق المباني الفاخرة وتجهيزات المكاتب لأباطرة الصحافة، مما أهدر ملايين الجنيهات من أموال هذه المؤسسات.

حدث كل هذا تحت سمع وبصر المالك القانوني لهذه المؤسسات (مجلس الشورى) الذي اكتفى بتعيين قيادات صحفية مضمون ولائها السياسي للنظام الحاكم. وجلست هذه القيادات على كراسيها لسنوات عديدة بعد تجاوزها سن المعاش بما يخالف القانون، وأدارت المؤسسات الصحفية بمنطق “العزب”، وتسبب ذلك في جمود هذه المؤسسات، وظهور الشللية والمحسوبية. لذلك فقد تدهورت علاقات العمل، وساد مناخ طارد للكفاءات والموهبين، وخضعت عمليات الترقي والحصول على المكافآت للمزاج الشخصي لرئيس مجلس الإدارة والتحرير وأتباعه، وبمباركتهم أيضًا شاع خلط الإعلان بالتحرير، والصحف المتخصصة وهي الباب الخلفي للإعلان، والولاء للمعلن سواء وزارة أو رجل أعمال، وتفاوتت الأجور فسمعنا عن أحد رؤساء مؤسسة قومية كان يتقاضى ثلاثة مليون جنيه في الشهر، وكشف الكاتب الصحفي فهمي هويدي في مقاله له عام 2001 عن وجود 320 مليونيرًا بين الصحفيين في المؤسسات القومية، كونوا ثرواتهم في سنوات قليلة عبر إهدار قيم ومبادئ المهنة، فضلاً عن تضخم ثروات رؤساء مجالس إدارات المؤسسات الصحفية إلى مليارات الجنيهات، في الوقت الذي يعاني فيه شرفاء هذه المهنة من ثبات رواتبهم وحوافزهم منذ سنوات وأصبحت الأجور لا تلبي المطالب الأساسية بعد تدني القيمة الشرائية للجنيه بفعل غلاء الأسعار.

بدلاً من محاربة الفساد ومحاكمة من نهب وسرق أموال هذه المؤسسات، التي هي أموال عامة ملكًا للشعب المصري – وصل الأمر إلى قيام الصحفيين بمؤسسة “دار التعاون” بتقديم بلاغات للنائب العام عن تجاوزات محددة لرئيس مجلس الإدارة السابق – تم تعيين رؤساء مجالس الإدارة والتحرير السابقين في المجلس الأعلى للصحافة للاستفادة من خبرتهم في إصلاح أوضاع المهنة!! ولمزيد من الوقاحة يسعى أحد القيادات السابقة لمؤسسة صحفية “كبرى”، ممن لعبوا أدوارًا واضحة في إفسادها، إلى شرائها.

ماذا جنينا من سيطرة حفنة من رجال المال على مقاليد الأمور سياسيًا واقتصاديًا عبر الحزب الوطني ومجلس شعبة الموقر غير مزيد من الإفقار، والمزيد من القوانين والتشريعات التي تمكنهم من تحقيق ثروات متضخمة، وتنتقص من حقوقنا. هكذا صاروا يتعاملون مع المؤسسات الصحفية باعتبارها مشروع تجاري، وأداة لمحاربة الخصوم، وفرصة لتحقيق نفوذ أكبر حتى وإن جاء هذا على حساب الصالح العام، ودور الصحافة ورسالتها. في ظل ذلك الوضع، سيكون مصير العاملين بهذه المؤسسات من صحفيين وعمال وإداريين هو المعاش المبكر، وانتزاع الكثير من حقوقهم، وحرمانهم من الخدمات التي تقدم لهم.

كشفت النقاشات التي أثيرت مؤخرًا حول قضية مستقبل الصحافة القومية، عن أن هناك اتجاهًا قويًا داخل الطبقة الحاكمة يدفع نحو خصخصة المؤسسات الصحفية. لكن الخلاف يدور حول التوقيت وآليات التنفيذ. فتتردد معلومات الآن من داخل مجلس الشورى وعناصر في الصحف القومية قريبة من دوائر صنع القرار، تشير إلى أن عمليات الخصخصة سوف يسبقها مرحلة انتقالية يتم فيها إعادة هيكلة المؤسسات الصحفية المعروفة باسم “صحف الجنوب” وهي (دار التعاون، ودار الشعب، ودار المعارف، ودار الهلال، وروز اليوسف) ودمج بعضها وطرح بعض أصولها للبيع، مع الاحتفاظ في الوقت الراهن بالمؤسسات الأربعة الكبرى (الأهرام، ودار أخبار اليوم، ودار التحرير، ووكالة أنباء الشرق الأوسط) حيث يصعب حاليًا التفريط فيهم، نتيجة لدورهم المؤثر في تشكيل الرأي العام، فضلاً عن أن الخصخصة سوف تفتح الباب أمام الاحتكارات الإعلامية الأجنبية الكبرى، وهذا الأمر يتطلب استعدادات تضمن المحافظة على التوازن الإعلامي والسياسي لصالح الطبقة الحاكمة.

يتطلب التصدي للمخاطر التي تهدد مستقبل الصحافة إلى دور فعال لنقابة الصحفيين وجمعيتها العمومية، حفاظًا على المهنة وأصحابها. وقد شهد العامان الماضيان تحركات للمجلس والجمعية العمومية بدأت بالتوصيات التي خرجت عن المؤتمر الرابع للصحفيين في فبراير 2004، وطالبت بإنهاء حالة الجمود في المؤسسات الصحفية القومية، والدفع بدماء جديدة للمناصب القيادية، وأهمية التوصل إلى صيغة للملكية تضمن الاستقلال الحقيقي لهذه المؤسسات. وتقدمت النقابة بمذكرة بهذا الشأن في أغسطس 2004 إلى صفوت الشريف بصفته رئيس مجلس الشورى، كما بادر عدد من أعضاء الجمعية العمومية بالمؤسسات القومية ومنها دار أخبار اليوم ودار التعاون بتنظيم اعتصامات أمام مجلس الشورى احتجاجًا على تدهور الأوضاع داخل مؤسساتهم على المستوى المهني وعلاقات العمل. كما نظم نشطاء نقابيون مؤتمرًا يطالب بتغيير القيادات الصحفية التي تجاوزت سن المعاش ولا تزال في مناصبها، ولجأ البعض للقضاء، إضافة إلى ذلك، جاء الانتصار الذي حققته الجمعية العمومية بمؤسسة دار التعاون التي تمكنت من إجبار رئيس مجلس الإدارة على تقديم استقالته. وبمجرد أن صدر قرار تغيير القيادات الصحفية بدأ الجميع في فتح ملفات الفساد في المؤسسات الصحفية، وانعكس هذا على نتائج انتخابات مجالس الإدارات بها، وبالطبع على نتيجة انتخابات نقيب الصحفيين.

على مجلس النقابة ونقيب الصحفيين الآن أن يستجيبوا لآمال وطموحات الجماعات الصحفية ويستكملا معركة التغيير، والتصدي لعمليات الخصخصة لأنها ليست قدرًا مفروضًا علينا. فثمة بدائل عدة لشكل الملكية تضمن استقلالية هذه المؤسسات الصحفية وتحافظ على حقوق العاملين بها. هذا الأمر سوف يطرح للنقاش أثناء المؤتمر الخامس للصحفيين المقرر عقده لبحث مستقبل الصحافة القومية، والخروج بحلول جذرية لأزماتها، وبحث الإجراءات اللازمة لمحاسبة من نهب ثروات هذه المؤسسات وكيف يتم إعادة هذه الأموال. وعلى التيار الداعم لاستقلالية النقابة وفي القلب منهم الاشتراكيين أن يتقدموا الصفوف في هذه المعركة، وينقلوها إلى داخل المؤسسات عبر إعادة الحياة مجددًا إلى الجمعيات العمومية ومجالس الإدارة والتحرير حتى يدير هذه المؤسسات أصحابها، وفقًا لمعايير مهنية وموضوعية وديموقراطية تكرس لقيم الشفافية والعدالة والمحاسبة، وتقطع الطريق على أتباع النظام الحاكم من السيطرة مجددًا على الصحف.