بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

كارثة العبارة السلام 98.. جشع الأرباح وقتل الفقراء

في يوم 3 فبراير 2006، وفي الساعة الواحدة صباحا، بدأت العبارة “السلام 98” في الغرق. المتهم في الحادث، الذي أدى إلى غرق ألف شخص، هو حريق اشتعل بالعبارة!

هذا الحادث ربما يكون أكبر كارثة نقل في التاريخ المصري المعروف. وهو علامة على أوضاع نظام سياسي واجتماعي وصل إلى مرحلة التعفن. المثير للانتباه أن معظم التعليقات على هذه الجريمة النكراء ركزت على روائح الفساد التي زكمت الأنوف. ولكن أحدا لم يتحدث عن البعد الطبقي في المسألة. بالرغم من أن الفساد في حالتنا هذه هو انعكاس للرأسمالية.

الرأسمالية

أحد الوثائق حول التأمين على السفن العاملة في مصر تشتكي أن شركات التأمين النشطة في هذا المجال تعاني من خسائر فادحة. والسبب هو قدم السفن وعدم كفاءتها. يذكر التقرير أن معدل خسائر شركات التأمين وصل في عام 2001 إلى 129%.

معلومات أخرى ذكرها التقرير. مثلا أن إحصاءات 1999 تقول أن الوحدات البحرية بالأسطول المصري تبلغ 171 وحدة، منها 11 عمرها أقل من 10 سنوات، و63 ما بين 10 إلى 20 سنة، و56 ما بين 20 إلى 30 سنة، و27 ما بين 30 إلى 40 سنة. شرح التقرير أن السبب وراء قدم السفن هو أن المعيار الرئيسي الذي تستخدمه شركات النقل البحري، عندما تشتري سفينة، هو انخفاض السعر وليس مستوى الجودة، وهذا ما يدفعها إلى شراء السفن القديمة.

أما الأسطول النيلي فيتكون من 212 سفينة تجهيزاتها تتركز في الانشاءات الفندقية وليس في تجهيزات المتانة. ولكن لأن الحركة في النيل لا تمثل عادة مخاطر، فإن مشاكل هذه السفن لا تظهر على السطح.

العبارة

نعود إلى العبارة “السلام”. هذه العبارة عمرها 35 عاما، وكانت مملوكة لشركة إيطالية حتى عام 98. ثم انتقلت إدارتها إلى شركة السلام في 99. وكان سبب تخلص الشركة الإيطالية منها، بالإضافة إلى قدمها، هو اكتشاف عيوب في تصميمها بعد أن غرقت عبارة أخرى مشابهة.

من ناحية أخرى، فإن العبارة كانت تحمل علم بنما، وهي الدولة المشهورة ببيع علمها للسفن كوسيلة للتربح على أساس سهولة الإجراءات وقلة التكاليف وعدم وجود معايير للسلامة.

عبارة قديمة، بلا تجهيزات، بها عيوب في الصنع، هاربة من معايير الجودة، مملوكة لشركة لها باع في إغراق السفن – كل هذا ما معناه؟ الإجابة لدينا لن تكون فقط الفساد، بل ستكون الفساد والرأسمالية.

نذكر هنا أن ميناء سفاجا المصري هو مركز للنقل التجاري يستخدمه أساسا الفقراء. ذلك أن أسطول سفن البحر الأحمر يعتمد اقتصاديا على العمالة المهاجرة لدول الخليج. وعمالة دول الخليج تنقسم إلى قسمين: قسم ينتمي إلى الطبقة الوسطى، وقسم ينتمي إلى طبقة العمال الفقراء. هذا القسم الثاني، الذي ترك الكفور بحثا عن الرزق، هو الذي يستخدم العبارات بكثافة. هذا هو السر أن معظم الغرقى أتوا من قرى الصعيد.

صناعة النقل عبر البحر الأحمر إذن هي صناعة رأسمالية تحقق أرباحها من احتياج العمال المصريين المهاجرين إلى وسيلة نقل رخيصة. هذا ما يدفع الرأسماليين إلى تجاهل شروط السلامة، وذلك ببساطة لأنها ستضاف لخانة التكاليف وتخصم من خانة الأرباح. جشع الرأسمالية هو الذي يدفع أشخاص كممدوح إسماعيل ومحمود سالم إلى دخول هذا البيزنيس وارتكاب الجرائم بلا رقيب.

الفساد

فساد الدولة لعب هو الآخر دورا خطيرا في الكارثة. انظر مثلا إلى وسائل الأمان. فنظرا لنقص وسائل الأمان بالسفينة، قرر طاقمها استخدام المياه لإطفاء الحريق. ولكن لأنه لم توجد مضخات لطرد المياه خارج العبارة، فقد اختل توازنها وغرقت.

ثم خذ عندك مسألة استجابة السلطات المصرية للاستغاثة. السلطات المصرية تقول أن إشارة الاستغاثة وصلت في السابعة صباحا، وهذا هو ما أخر الإنقاذ الجوي الذي وصل إلى مكان السفينة بعد الثامنة.

لكن وزارة الدفاع البريطانية قالت أن إحدى قواعد الطيران الملكي تلقت إشارة قبيل الساعة الثانية صباحا. وأنها أوصلت الإشارة إلى السلطات المصرية.

لا أحد يشرح لنا ما الذي حدث في هذه الساعات الخمس. بعض التقارير تقول أن مركز تلقي الاستغاثات بمصر لم يكن به أحد. تقارير أخرى تتحدث عن أمور أخطر، كدور لأصحاب العبارة في تأجيل عمليات الإنقاذ.

على أن أهم نقطة في هذا كله أن ممدوح إسماعيل، هو عضو معين في مجلس الشورى وصديق شخصي لأحد رجالات مبارك المقربين: الدكتور زكريا عزمي.

أما تطورات الأحداث بعد غرق العبارة، فيشيب لها الولدان. كلنا يعلم كيف تم قمع أهالي الضحايا، وكيف يتم التسويف في صرف التعويضات، ألا يذكرنا هذا بمن احترقوا في قطار الصعيد قبل أربعة سنوات. بالمناسبة: الذكرى الرابعة لحريق القطار حلت يوم 20 فبراير الماضي. فهل نتذكر؟