بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اقتصاد

منهجها مصدر الأزمات وسبب انفجار الفساد

كشف حساب حكومة عاطف عبيد

الجنيه يفقد 54% من قيمته أمام الدولار و95% أمام العملة الأوروبية
انهيار فى الاستثمارات الأجنبية بسبب الفساد وحجب المعلومات والتجاوز عن حقوق الملكية الفكرية
ارتفاع رهيب فى العجز فى الموازنة العامة للدولة وتوقعات بارتفاعه إلى 52.3 مليار جنيه فى العام المقبل
انفجار فى نسبة البطالة و99% من عدد العاطلين بين 15 إلى 40 عاما
بيع شركات القطاع العام بمبالغ تقل عن ربع قيمتها الدفترية والاتجاه لبيع الأصول الإنتاجية لتمويل الإنفاق الجارى
ارتفاع الدين الحكومى من 154.9 مليار جنيه فى أكتوبر 99 إلى 266.3 مليار جنيه بداية العام الجارى بنسبة 7.%

فى الموازنة العامة للدولة للعام 2004/2005، تشير حكومة عاطف عبيد إلى أنها خصصت نحو 1150 مليون جنيه لمواجهة البطالة، وهو رقم محدود، بل وهزلى تماما بالمقارنة بحجم البطالة الموجودة فى مصر، وبحجم الداخلين الجدد لسوق العمل والمطلوب توظيفهم حتى لا يتفاقم معدل البطالة. وتشير البيانات الحكومية إلى أن معدل البطالة قد ارتفع مؤخرا إلى 10.6% من قوة العمل، بما يعنى أن هناك نحو 2.3 مليون عاطل، علما بأن المعدل كان 9.90% فى العام المالى 2002/2003، وكان قد بلغ 8.1% فى العام المالى 1998/1999، أى قبل مجىء حكومة الدكتور عاطف عبيد مباشرة. وتشير البيانات الرسمية إلى أنها تبلغ قرابة 20.5 مليون نسمة، بينما تشير بيانات البنك الدولى إلى أن تعداد قوة العمل المحتملة فى مصر، بلغ 25.9 مليون نسمة فى عام 2002، بما يزيد بمقدار 5.4 ملايين نسمة عن تعدادها الرسمى فى مصر. وللعلم فإن هناك 40.9 مليون نسمة فى مصر فى سن العمل أى ما بين 15، و64 عاما وذلك فى عام 2002. ولو أخذنا بحجم قوة العمل المحتملة فى مصر، وفقا لتقديرات البنك الدولى الذى قدرها بنحو 25.9 مليون نسمة عام 2002، ولو خصمنا منها، عدد العاملين فعليا، البالغ نحو 18.2 مليون نسمة فى العام المالى 2002/2003 وفقا للبيانات الرسمية المصرية التى ليس من مصلحتها تخفيض هذا العدد، فإن حجم العاطلين يمكن أن يرتفع إلى نحو 7.70 مليون عاطل، يشكلون نحو 29.7% من قوة العمل المصرية وفقا لتقديرات البنك الدولى لحجمها، وهو معدل بالغ الارتفاع، وهناك بيانات مأخوذة من اللجنة العليا للتشغيل برئاسة رئيس الوزراء تشير إلى ان عدد العاطلين قد بلغ 2.05 مليون عاطل منذ عام 2001، يضاف إليهم 660 ألف سيدة لم تعتبرهم اللجنة عاطلات لأنهن متزوجات ومستقرات(!!)، يضاف إليهم 440 ألف من العاطلين من غير خريجى النظام التعليمى، ونحو 286 ألف من المتخرجين قبل أو بعد السنوات المحددة لقبول طلبات التوظيف، ليكون المجموع نحو 3.4 مليون عاطل، ومعدل بطالة يصل لنحو 17.6% وفقا للتعداد الرسمى لقوة العمل فى العام المذكور. لكن حتى لو أخذنا بالبيانات الرسمية فإن وجود نحو 2.3 مليون عاطل، ومعدل بطالة يبلغ 10.6% فى بداية العام الجارى، وفقا للبيانات الرسمية المصرية، يعنى أن هناك مشكلة اقتصادية-اجتماعية مهمة نظرا لعدم وجود آلية لإعانة العاطلين فى مصر، حيث يشكل العاطلون الذين تتراوح أعمارهم بين 15 ، و 40 عاما، نحو 99% من عدد العاطلين فى مصر، وفقا للبيانات الرسمية. وفضلا عن ذلك فإن بطالة الشباب المتعلمين، تعنى أن هناك إهدارا للأموال التى أنفقت على تعليمهم، وإهدارا أكثر ضررا لعنصر العمل الذى يشكل أهم عنصر من عناصر الإنتاج، كما أنه يعد العنصر الذى تملك مصر ميزة نسبية فيه نظرا لانخفاض مستويات الأجور فى مصر. وقد أصر بيان الحكومة على تكرار “برنامجه” الذى سبق وطبقه لمواجهة البطالة ولم يحقق النجاح المطلوب، حيث تزايد معدل البطالة وفقا للبيانات الرسمية، كما أشرنا آنفا، وهذا البرنامج يتلخص فى التزام الحكومة بتعيين 150 ألف خريج كل عام فى وظائف بالجهاز الحكومى بمرتبات متدنية للغاية، وهو أمر لا يعنى خلق فرص حقيقية للعمل بقدر ما يعنى تكديس المزيد من البطالة المقنعة المعطلة للأعمال والمشوهة لمستوى إنتاجية العمالة.

أما البرنامج الحكومى المكرر أيضا حول التدريب التحويلى لنحو 400 ألف من الخريجين على الحرف المختلفة، فإنه يعنى إهدار كل ما أنفق على تعليم هؤلاء الخريجين الذين سيتم تدريبهم على حرف لا تحتاج لأى تعليم. هذا فضلا عن أن هذا التدريب لا يعنى تحقيق التشغيل للمتدربين لأن ذلك يتوقف على حاجة سوق العمل، وعلى فرص العمل المتاحة فعليا فى القطاعات التى تم تدريبهم للعمل فيها.

الأزمة الكبرى فى سوق الصرف
عندما جاءت حكومة الدكتور عبيد، كانت مصر تملك احتياطيات دولية من العملات الحرة تقارب 18 مليار دولار، وكان سعر الصرف فى حدود 3.4 جنيه مصرى لكل دولار أمريكى، وكانت الجنيه المصرى مرتبطا بالدولار الأمريكى ويتغير مقابل كل العملات الأخرى بالتبعية لتغير سعر صرف الدولار مقابل هذه العملات، وانتهى الأمر بهذه الاحتياطيات إلى نحو 13.6 مليار دولار فى فبراير من العام الجارى، رغم ما تم اقتراضه لضخه فى هذه الاحتياطيات بعد استنزاف جزء كبير منها، وانتهى الأمر بالنسبة لسعر صرف الجنيه المصرى بتراجعه إلى 6.2 جنيه لكل دولار. ورغم أن سياسة الصرف القائمة قبل مجيء حكومة الدكتور عبيد، كانت فى حاجة لتغيير بالذات فيما يتعلق بتبعية الجنيه المصرى للدولار، وجمود سعر الصرف، إلا أن الاضطراب الكبير حدث بعد مجيء هذه الحكومة بما لهذا الاضطراب من تأثيرات متشعبة على أوجه النشاط الاقتصادى وعلى مؤشرات رئيسية مثل التضخم والاستثمار والادخار وغيرها. وقد تعاظم هذا الاضطراب الطويل الأجل والممتد، فى أعقاب قيام الحكومة المصرية بما سمى بتحرير سعر الصرف فى بداية عام 2003 . والحقيقة أن هذا “التحرير”، لم يفض إلا إلى تدهور الجنيه المصرى، دون أن يتم تحريره فعليا، حيث استمرت السوق السوداء إلى جانب السوق الرسمية. وعندما توجد سوق سوداء للنقد الأجنبى فى أى بلد، فإن أى حديث عن تحرير حقيقى لسعر الصرف، يصبح مجرد حبر على ورق. أى أن الجنيه المصرى فقد أكثر من 45% من قيمته مقابل الدولار الأمريكى، كما فقد نحو 59% من قيمته مقابل العملة الأوروبية فى زمن حكومة عبيد. وترتب على ذلك زيادة أسعار السلع المستوردة بنفس نسبة انخفاض الجنيه مقابل العملات الرئيسية، بما أدى إلى حدوث موجة من ارتفاع أسعار السلع المحلية أيضا وانفجار التضخم مرة أخرى.

ويمكن القول إجمالا إن الوضع فيما يتعلق بسوق وسعر الصرف فى مصر، هو تعبير مكثف عن حالة الأزمة الاقتصادية الممتدة فى مصر، وعن ضعف القدرة التنافسية للاقتصاد المصرى وبالتالى العجز الكبير فى ميزانه التجارى، وتعبير أيضا عن ضخامة حجم تحويلات النقد الأجنبى للخارج والمرتبطة بالفساد وبنشاطات الاقتصاد الأسود بكل جوانبه من تمويل عمليات التهريب السلعى التى هى فى النهاية واردات سلعية، وتمويل استيراد المخدرات والسلاح، وكذلك تحويل الأموال الناتجة عن الفساد وعن نشاطات الاقتصاد الأسود إلى دولارات أو عملات حرة حتى يمكن تهريبها للخارج. أما المخرج من هذا الوضع فهو مرتبط بمعالجة كل هذه الظروف مجتمعة وعلى رأسها عجز الموازين الخارجية، من خلال سياسة اقتصادية أكثر كفاءة وفعالية ترتقى للتفاعل الإيجابى مع الظروف الاقتصادية المحلية والدولية التى تعيش مصر فى وسطها فى هذه المرحلة المفعمة بالفرص والمخاطر.

تراجع درامى للاستثمارات الأجنبية
تشير البيانات الحكومية المصرية إلى أن الاستثمارات الأجنبية التى تتدفق لمصر قد انهارت تقريبا لتصل إلى نحو 237.5 مليون دولار فى عام 2003، وفقا لبيانات البنك المركزى (النشرة الإحصائية الشهرية، أبريل 2004، ص53)، وللعلم فإنه عند مجيء حكومة الدكتور عاطف عبيد، كانت قيمة الاستثمارات الأجنبية التى تدفقت لمصر قد بلغت نحو 1656.1 مليون دولار فى العام المالى 1999/ 2000، ثم تراجعت إلى 509.4 مليون دولار فى العام المالى 2000/2001، إلى 428.2 مليون دولار فى العام المالى 2001/2002، قبل أن ترتفع شكليا إلى نحو 700.6 مليون دولار فى العام المالى 2002/2003، وهو ارتفاع ناجم بالأساس عن بيع شركة “الأهرام للمشروبات”، بقيمة 288.6 مليون دولار، وشركة “فاملى نيوتريشن” بقيمة 61.4 مليون دولار، وجزء من شركة الجزيرة للفنادق والسياحة بقيمة بما يعنى أن الجانب الأكبر من الاستثمارات الأجنبية التى تدفقت على مصر فى العام المالى المذكور، كانت عبارة عن شراء الأجانب لأصول مصرية قائمة فعليا، وهذا هو الحال مع الاستثمارات الأجنبية المباشرة التى تتدفق على مصر منذ منتصف تسعينيات القرن الماضى وحتى الآن. علما بأن هناك عوامل طاردة للاستثمار الأجنبى مثل حجب المعلومات وانتشار الفساد وعدم وجود آليات شعبية لمكافحته والاقتصار على أجهزة حكومية تابعة للسلطة التنفيذية وبالتالى تعوقها الاعتبارات السياسية فى مكافحة فساد السلطة التنفيذية والأجهزة الحكومية، كما أن هناك حالة من عدم ضبط المواصفات القياسية، والتجاوز على حقوق الملكية الفكرية، والتهريب السلعى المهدد لأى سلع تنتجها الاستثمارات الأجنبية فى داخل مصر، وغياب الشريك المحلى القادر على التعامل بكفاءة ونزاهة مع شريكه الأجنبى، فضلا عن استمرار التعقيدات البيروقراطية المعرقلة للأعمال والتى تعد الباب الملكى للفساد. كما أن التمييز بين رجال العمال أنفسهم حسب قوة نفوذهم السياسى، هو أمر مدمر لمناخ الأعمال، ولا يشجع بالتالى على تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

عودة التضخم للانفلات
شكل تخفيض معدل التضخم أحد أهم الإنجازات الحكومية فى مرحلة تثبيت الاقتصاد فى منتصف تسعينيات القرن الماضى، لكن هذا الإنجاز ذهب أدراج الرياح مع تدهور الجنيه المصرى وما تلاه من ارتفاع فى أسعار السلع المستوردة، وما تلا ذلك من ارتفاع أسعار السلع المحلية سواء تلك التى تستخدم معدات ومدخلات أجنبية أو المحلية الصرف، كما أن انتشار الاحتكار والتسعير الاحتكارى للسلع والمدعوم بالنفوذ السياسى الفاسد، قد ساهم فى ارتفاع الأسعار وعودة معدل التضخم للانفلات. والطريف أن البيانات الحكومية عن التضخم تشير إلى أنه بلغ 2.8% فى العام المالى 1999/2000، وأنه تراجع إلى 2.4% فى العام المالى 2000/2001، وثبت عند هذا المستوى فى عام 2001/2002، بينما نشر صندوق النقد الدولى نفس هذه البيانات المأخوذة من الحكومة المصرية، وأشار إلى أن المعدل قد بلغ نحو 3.2% عام 2003، ومن المتوقع أن يبلغ نحو 5.2% فى العام الجارى 2004. والحقيقة أن البيانات الحكومية الرسمية بشأن معدل التضخم تقوم على اختيار سلة مضللة من السلع والخدمات التى يقاس التضخم على أساسها، بحيث تنتج فى النهاية معدلا للتضخم أقل من المعدل الحقيقى. ويكفى أن نذكر قيمة الواردات السلعية المصرية قد بلغت نحو 14763.8مليون دولار فى العام المالى 2002/2003، بما يوازى أكثر من خمس الناتج المحلى الإجمالى فى العام المذكور، وهذا يعنى أن ارتفاع أسعار هذه الواردات عند تقويمها بالجنيه بنسبة تصل إلى نحو 33% فى المتوسط كمتوسط لانخفاض الجنيه المصرى مقابل العملات الأجنبية فى العام المذكور، يعنى وجود تضخم قدره 7% فى العام المالى المذكور، وإذا أضفنا إلى ذلك ما حدث من ارتفاعات فى أسعار السلع والخدمات المنتجة محليا، فى أعقاب ارتفاع أسعار الواردات، فإن معدل التضخم فى مصر لا يقل فى عام 2003 بالذات عن 15%، أى ما يزيد على أربعة أضعاف الرقم الرسمى غير الصحيح. ومما يفاقم من العوامل التى تسهم فى انفلات الأسعار أن العجز فى الموازنة العامة للدولة كنسبة من الناتج المحلى الإجمالى، قد ارتفع بشكل مطرد من 2.9% من الناتج المحلى الإجمالى فى العام المالى 1998/1999، إلى 3.9% فى العام المالى 1999/2000، إلى 5.6% فى العام المالى 2000/2001، إلى 5.8% فى العام المالى 2001/2002، إلى أكثر من 6.5% فى العام المالى 2002/2003، ليرتفع مجددا إلى نحو 9.4% من الناتج المحلى الإجمالى فى العام المالى 2003/2004. وتشير تقديرات الموازنة الجديدة للعام المالى 2004/2005، إلى أن هذا العجز سوف يبلغ نحو 52.3 مليار جنيه توازى نحو 10.5% من الناتج المحلى الإجمالى المقدر فى العام المالى المذكور. وتبدو الحكومة ووزارة المالية التى تتبعها فاقدتان للإدراك بخطورة العجز الهائل فى الموازنة العامة للدولة والذى يسهم فى رفع معدل التضخم بما ينطوى عليه من زيادة معاناة الموظفين والعمال وكل الفقراء والطبقة الوسطى، بما يعنيه ذلك من قهر اجتماعى لهذه الطبقات التى تعانى الأمرين أصلا، فضلا عن أن انفلات التضخم يخلق مناخا مضطربا على الصعيد المالى يؤدى إلى حدوث اختلالات فى الحسابات المستقبلية بما يؤدى أيضا إلى تحجيم الاستثمار المحلى، والمساهمة فى تباطؤ الاقتصاد وركوده، خاصة وأن الحكومة لا تستخدم إنفاقها العام فى بناء مشروعات تساعد تحقيق النمو الاقتصادى، بل هى مشروعات للبنية الأساسية والإنفاق الجارى، وكلاهما قد يهيئ الظروف للنمو لكنهما لا يحققان النمو فعليا.

ما بنى على باطل فهو باطل
من الصعب الحديث عن مصداقية حقيقية للبيانات الخاصة بالميزان التجارى المصرى بعد كل التضارب الكبير فى البيانات الرسمية بشأن الصادرات السلعية التى تشكل أحد جانبى ذلك الميزان، وأيضا فى ظل التضارب الكبير فى البيانات الرسمية بشأن هذا الميزان. وتشير بيانات البنك الأهلى المصرى المأخوذة من بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء فى مصر، إلى أن الميزان التجارى المصرى أسفر عن عجز كبير بلغ نحو 34168.3، 35299.2 مليون جنيه فى عامى 2001، 2002 على التوالى، بما يوازى نحو 8400.7، 7620 مليون دولار فى العامين المذكورين بالترتيب. وبالمقابل فإن بيانات البنك المركزى المصرى، تشير إلى أن الميزان التجارى المصرى أسفر عن عجز بلغت قيمته نحو 7516.5، 6575 مليون دولار فى العامين الماليين 2001/2002، 2002/2003 على التوالى. ورغم أن الحسابات هنا قائمة على أساس الأعوام المالية على عكس حسابات البنك الأهلى القائمة على أساس الأعوام الميلادية، تبرر بعض الاختلافات، إلا أن التضارب الهائل الذى أشرنا إليه آنفا بشأن قيمة الصادرات فى وحدات زمنية واحدة، يعنى أن أحد جانبى الميزان التجارى المصرى قائم على بيانات غير صحيحة، وهو ما يضرب مصداقية بيانات العجز التجارى المنشورة فى النشرة الإحصائية للبنك المركزى على الأقل. وفى كل الأحوال فإن هناك عجزا كبيرا فى الميزان التجارى المصرى، سواء وفقا لبيانات البنك الأهلى المأخوذة من بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، أو وفقا لبيانات البنك المركزى المصرى، أو وفقا لبيانات صندوق النقد الدولى التى تشير إلى أن هذا العجز قد بلغ نحو 12.6 مليار دولار عام 2002(راجع: IMF, Direction of Trade Statistics Yearbook 2003, p. 189). وهذا العجز يعبر عن الضعف المزمن للقدرة التنافسية للاقتصاد المصرى، والذى يحتاج إلى حل يبدأ من تطوير الإنتاج المصرى بصفة عامة من زاوية المواصفات ومراعاة المعايير الصحية، سواء كان هذا الإنتاج صناعيا أم زراعيا، إضافة إلى ضرورة أن تكون أسعاره ملائمة وقادرة على المنافسة السعرية مع المنتجات المناظرة التى تصدرها بلدان أخرى. انفجار الدين العام المحلى

ارتفعت الديون المحلية فى مصر بشكل هائل فى زمن حكم الدكتور عاطف عبيد، حيث ارتفع إجمالى الدين العام المحلى (الدين الحكومى، مضافا إليه ديون الهيئات الاقتصادية العامة ودين بنك الاستثمار القومى)، من نحو 245.5 مليار جنيه فى العام المالى 1999/2000، ليبلغ نحو 387.4 مليار جنيه فى بداية عام 2004، بنسبة زيادة قدرها 57.8%. وهذه الزيادة الكبيرة جعلت الدين المحلى الإجمالى يرتفع كنسبة من الناتج المحلى الإجمالى، من 72.2% فى العام المالى 1999/2000، إلى نحو 81.1% فى العام المالى 2000/2001، ثم إلى نحو 86.4% عام 2001/2002، قبل أن يرتفع إلى نحو 90.6% من الناتج المحلى الإجمالى فى العام المالى 2002/2003، وهو مستوى خطير يهدد الاستقرار الاقتصادى ويسهم فى رفع معدل التضخم.

وبدلا من أن تعمل الحكومة على مواجهة هذا الوضع، فإن وزير ماليتها يحاول التحايل على هذا الأمر من خلال التركيز على الدين الحكومى فقط، وكأن الهيئات الاقتصادية وبنك الاستثمار القومى يتبعون حكومة جمهورية أخرى فى كوكب بلوتو(!)، وحتى بالنسبة للدين الحكومى الذى تتعامل معه الحكومة ووزير ماليتها باستخفاف لا يليق بمن هو فى موقع المسئولية، فإنه بلغ نحو 154.9 مليار جنيه فى بداية أكتوبر من عام 1999، عند مجيء الحكومة الحالية، وأصبح نحو 266.3 مليار جنيه فى بداية العام الجارى، أى أنه ارتفع بنسبة 71.9% فى العهد “السعيد” للدكتور عاطف عبيد ووزير ماليته. فماذا فعلت الحكومة بهذه الديون الهائلة(؟!)، ولماذا لم تستخدمها فى بناء مشروعات تدر عائد يمكنها من السداد ويساعد فى تنمية الاقتصاد وخلق فرص العمل؟!

والمؤسف حقا أن الحكومة العاجزة عن تنمية الاقتصاد وتنمية الإيرادات العامة كنتيجة طبيعية فى تلك الحالة، طرحت استراتيجية لحل أزمة الدين العام المحلى الكبير من خلال مبادلة جزء من هذا الدين ببعض الممتلكات الحكومية التى تدر عوائد قادرة على سداد ديونها. وقد قدر السيد رئيس الوزراء قيمة هذه الممتلكات بنحو 105 مليارات جنيه، وذلك فى بيانه الذى ألقاه أمام مجلس الشعب فى نهاية العام الماضى. ولم يحدد بيان الحكومة طبيعة هذه الممتلكات، لكن بما أنها تدر عوائد، فهى بالتأكيد جزء مما تبقى من القطاع العام وربما المشروعات التابعة للهيئات الاقتصادية. وهذا يعنى أن الحكومة العاجزة وضعيفة الكفاءة وضعيفة الإحساس بالمسئولية أيضا، تلجأ لبيع الأصول الإنتاجية التى بنتها حكومات وأجيال سابقة، بل وبيع بعض الموارد الطبيعية العامة مثل بحيرة ناصر التى طرح وزير الزراعة بيع 40% منها بالمزاد العلنى، وذلك لتمويل إنفاق جارى، بما يؤكد عجز هذه الحكومة التى يخشى إذا استمرت هفى موقعها أو جاءت حكومة أخرى تسير على نهجها أن نجد كل شيء فى مصر مطروحا للبيع!

وإذا كانت الممتلكات التى تريد الحكومة بيعها، تدر عوائد قادرة على سداد ديونها، فلماذا تباع أصلا، وما هى هذه الممتلكات بالضبط(؟)،وهذا ما ينقلنا أخيرا إلى برنامج الخصخصة الذى خططت حكومة عبيد لتوسيعه، لنرى كل ما انطوى عليه من فساد وإهدار لأموال الشعب..

الخصخصة..المسرح الكبير للفساد
بنهاية مايو 2003، كانت الحكومة المصرية قد باعت 194 شركة بشكل كامل أو جزئى، وقد بلغ العائد من بيعها نحو 16.6 مليار جنيه فقط. وهناك مؤشرات وحقائق عدة تدلل على حجم إهدار المال العام الذى انطوت عليه عملية الخصخصة، ويمكن الوقوف عليها بدراسة كل صفقة على حدة وهو ما نشر سابقا على صفحات جريدة العربى وفى كتب وتقارير صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام. وبعيدا عن هذه الصفقات المنفردة فإن الفارق الكبير بين التقديرات الإجمالية للقيمة السوقية لقطاع الأعمال العام، وبين القيمة الفعلية التى بيعت شركاته بها تؤكد على وقوع فساد مروع فى عملية البيع. وقبل البدء فى عملية بيع القطاع العام كانت التقديرات الخاصة بقيمته السوقية متفاوتة بدرجات عالية فقد أشار رئيس تحرير جريدة الأهرام شبه الرسمية فى أبريل 1990 إلى أن قيمة أصول القطاع العام تتراوح بين 84 ، 100 مليار جنيه (أهرام 20/4/1990)، أى تتراوح بين 42 ، 50 مليار دولار حيث بلغ سعر الدولار فى المتوسط فى عام 1990 نحو 2 جنيه مصرى حسبما تشير بيانات صندوق النقد الدولى. وفى نفس الوقت تقريبا أشار أحد الكتاب إلى أن القيمة السوقية لشركات القطاع العام تبلغ وفقا للتقديرات الحكومية نحو 345 مليار جنيه، أى 172.5 مليار دولار بأسعار عام 1990، ويشير رئيس الوزراء السابق د. كمال الجنزورى ، وكان وزيرا للتخطيط ونائبا لرئيس الوزراء فى عام 1991، إلى أن قطاع الأعمال يحكم استثمارات قيمتها 124 مليار جنيه مصرى، أى نحو 37 مليار دولار وفقا لسعر صرف الجنيه مقابل الدولار عام 1991، وهو يقصد غالبا القيمة الدفترية لشركات قطاع الأعمال العام وليس القيمة السوقية لها. وفى عام 1993 أشار وكيل اول بنك الاستثمار القومى ، إلى أن القيمة الفعلية لشركات القطاع العام تزيد على 500 مليار جنيه مصرى، أى نحو 150 مليار دولار أمريكى وفقا لسعر صرف الجنيه المصرى فى العام المذكور. وإذا كانت تلك هى التقديرات المتفاوتة لقيمة القطاع العام ، فإنه عندما كانت الدولة قد باعت 135 شركة عامة، فإن عائد البيع كان قد بلغ حسب تصريحات د. مختار خطاب وزير قطاع الأعمال العام نحو 14.8 مليار جنيه. كما أشار الوزير الى أن قيمة الشركات التى مازالت مملوكة للدولة تبلغ 10 مليارات جنيه يضاف إليها 4 مليارات جنيه قيمة الأسهم المملوكة للدولة فى الشركات التى تمت خصخصتها . وبذلك فإن كل قيمة القطاع العام تصبح 28.8 مليار جنيه فى عام 2000، أى ما يقل عن 8.6 مليار دولار وفقا لسعر صرف يبلغ 3.35 جنيه مصرى لكل دولار، وهو رقم هزيل للغاية بالمقارنة بالتقديرات الخاصة بالقيمة السوقية والدفترية للقطاع العام قبل خصخصته والتى أوردناها آنفا . وهذا الرقم الذى ذكره وزير قطاع الأعمال العام الحالى ( أكتوبر 2000 ) يقل عن ربع القيمة الدفترية لشركات القطاع العام ، ويقل عن عشر القيمة السوقية لشركات القطاع العام. وإذا كانت هذه هى الخطوط الرئيسية لكشف الحساب الختامى لحكومة الدكتور عاطف عبيد، فإن أى حكومة قادمة تحتفظ بمنهج حكومة عبيد فى إدارة الاقتصاد وفى الانحياز للأثرياء على حساب الفقراء والطبقة الوسطى لن تأتى بأفضل مما جاء به، فمنهج الحكومة هو مصدر الأزمات الاقتصادية، والفساد المروع الذى شهدته مصر، والذى لن يكون بالإمكان مكافحته إلا من خلال نظام ديمقراطى كامل تستحقه مصر وشعبها.