بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

البحث عن مأوى في عصر “نهضة” الإخوان

تمثل الحاجة إلى السكن ضرورة ملحة في المجتمع المصرى، فشلت أنظمة الحكم المتتالية في التعامل معها واعتمدت على سياسات مؤقتة تعالج جزء من الأزمة، في حين أنها في الواقع تلقي العبء على الأجيال المتعاقبة لتتحمل مشقة البحث عن مأوى في مجتمع يركز كل هدفه على توفير الإسكان الفاخر في المنتجعات السكنية المهجورة، وملايين الوحدات المغلقة في المدن الساحلية التي تستخدم لشهرين فقط كل صيف.

ففي حين تقدر وزارة الإسكان العجز في الوحدات السكنية إلى 6.5 مليون وحدة تزداد سنوياً بمعدل يتراوح بين 250 و300 ألف وحدة تمثل معدل الطلب الجديد على السكن، إلا أن الحكومات المتتالية بعد الثورة اعتمدت على مشروع وحيد هو الإسكان الاجتماعي والذي ينقسم إلى 3 محاور، الأول هو توفير مليون وحدة خلال 5 سنوات، والثاني 250 ألف قطعة بالقرعة العلنية لمتوسطي الدخل، والثالث 50 ألف قطعة للقادرين.

المشروع أعلن عنه الدكتور فتحي البرادعي وزير الإسكان السابق في حكومة أحمد شفيق التي تشكلت أثناء الثورة واستمر في حكومات عصام شرف وكمال الجنزوري، ولاقى المشروع انتقادات حادة من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وحزبها الحرية والعدالة في مجلس الشعب المنحل، ولجنة الإسكان بالمجلس التي يرأسها القيادي الإخواني إبراهيم أبوعوف أمين عام الحزب بالدقهلية، وقدمت اللجنة طلبات إحاطة متتالية لوقف المشروع.

عندما جاء إلى الوزارة الدكتور طارق وفيق أحد قيادات الجماعة والمشرف على لجنتي الإسكان والسياحة بحزبها، أعلن استمرار المشروع وثمن مجهودات سلفه، وعندما سُئل عن رأي الإخوان السابق في المشروع قال أن الاعتراض كان على مصادر التمويل المجهولة وطريقة التوزيع.

ومرت الأيام وأثبتت التجربة استمرار المشروع بنفس خطته السابقة دون تحديد مصادر التمويل أو تغيير في أماكن التوزيع، فالمحور الأول للمشروع وهو المليون وحدة يحتاج إلى 100 مليار جنيه لتنفيذه بواقع 100 ألف جنيه لكل وحدة تنتهي في 2017، ورغم الإعلان عن المشروع في 2011 كان من المفترض أن يبدأ العام الأول 2012 بتنفيذ 200 ألف وحدة، إلا أنه حتى الآن لم يتم الانتهاء سوى من 20 ألف وحدة نفذتها القوات المسلحة على نفقتها ضمن مشروع الجيش والشعب في 3 مدن جديدة، بجانب 20 ألف وحدة من حصة هيئة المجتمعات العمرانية يجرى تنفيذها حالياً، أي أنه بحلول أغسطس المقبل سيتم الانتهاء من 40 ألف وحدة فقط.

وفي حين تواجه الوزارة معوقات في طرح 50 ألف وحدة تابعة للجهاز المركزى للتعمير، و20 ألف وحدة أخرى تابعة لهيئة المجتمعات العمرانية، أعلنت الحكومة عن عزمها تنفيذ 175 ألف وحدة خلال العام المالي المقبل، وإذا صدقت التوقعات سيكون قد تم الانتهاء من 215 ألف وحدة فقط خلال عامين من عمر المشروع.

معوقات التنفيذ كثيرة ومنها عدم ترفيق أراضي المشروع في 25 محافظة و22 مدينة جديدة، بسبب ارتفاع تكلفة التنفيذ وعدم توافر موارد كافية بمعدل 20 مليار جنيه سنوياً، مما يجعل المشروع في علم الغيب رغم أنه لا يفي بالحاجة المتزايدة للسكن، حيث تقدم ما يقرب من 8 ملايين مواطن للحجز بالمشروع.

المحور الثاني هو توفير 250 ألف قطعة أرض لمتوسطي الدخل، تم طرح 24 ألف قطعة حتى الآن، وتواجه الوزراة أزمة تتمثل في قيام الفائزين بإعادة بيع قطع الأراضي المدعومة من الدولة، وحدث التلاعب بسبب قصور القوانين المقيدة لإعادة التصرف في الأراضي، وتواطؤ الجهات الحكومية التي أمدت السماسرة بقائمة تضم أسماء الفائزين بالأراضي لتسهيل التواصل معهم، ورغم إعلان الوزارة عن طرح 69 ألف قطعة أخرى على 3 قرعات، إلا أن وعود الوزير المتتالية لم تُنفذ بسبب نقص اعتمادات الترفيق.

المحور الثالث هو 50 ألف قطعة للقادرين طرحت منهم الهيئة 326 قطعة أرض في عدد من المدن الجديدة بالمزاد العلني، وتم إلغاء المزاد بعد مشادات من المضاربين حيث رفعوا سعر المتر في مدينة القاهرة الجديدة إلى 11 ألف جنيه، رغم أن السعر التقديري الذى وضعته الهيئة لم يتجاوز 3400 جنيه للمتر.

في مقابل هذا المشروع تتجاهل الوزارة حل أزمة قانون الإيجارات القديم، وفيما يقدر وزير الإسكان عدد الوحدات المغلقة في مصر بـ 6.5 مليون وحدة مغلقة بسبب قانون الإيجارات، تقدم ما يقرب من 8 ملايين مواطن للحصول على وحدات سكنية من بين مليون وحدة يفترض أن تنفذها الوزارة خلال الخمس سنوات المقبلة.

الوزير الذي قالت عنه جماعته أنه صاحب رؤية شاملة لتنمية العمران المصري، وخاصة محور قناة السويس، الآن وبعد ما يقرب من عام على توليه وزارة الإسكان في حكومة الدكتور هشام قنديل لا يبدو وفيق أستاذ التخطيط العمراني بجامعة القاهرة، والمشرف على مشروع النهضة بحزب الحرية والعدالة سوى “ظل” للوزير السابق فتحي البرادعي ووزراء إسكان مبارك.

وبالتالي مازالت الحكومات المتعاقبة بعد الثورة تعمل وفق سياسة أثبتت فشلها في توفير السكن الملائم للمواطنين، ففي حين يبلغ الإنفاق على السكن 23% من دخل المواطن المصري، فإن طاقة البناء السنوية لاتتجاوز 150 ألف وحدة معظمها من الإسكان الفاخر وفوق المتوسط، وحتى الآن لم تقدم الدولة خطوات جدية لتنفيذ 200 ألف وحدة سنوياً تصل إلى مليون بنهاية مدة المشروع – وحتى هذا غير كافي لتغطية العجز في الوحدات السكنية، أو توفير أراضٍ بالقرعة لمتوسطي الدخل مطلوب منهم أن يقيموا عليها منازل خاصة بهم، دون أدنى اعتبار لربط المسكن بفرصة العمل، وتوزيع الأراضي في المدن الجديدة دون النظر إلى أماكن الإقامة الفعلية للمواطنين، وبالتالي تذهب الأرض لمن يقوم بتسقيعها أو إعادة بيعها أو يحصل على الوحدة ويغلقها كما يحدث في الكثير من المدن الجديدة.