بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

البطالة والرأسمالية في مصر

إن التراكم الرأسمالي نفسه هو الذي يولد، على الدوام، وبتناسب طردي مع طاقته وحجمه، فيضًا نسبيًا في السكان العاملين أي عددًا فائضًا من السكان يفوق حاجات رأس المال الوسطية إلى النمو الذاتي، وبالتالي يولد فائضًا في السكان العاملين إن السكان العاملين، بإنتاجهم لتراكم رأس المال، إنما ينتجون وسائل تحويلهم إلى فائض نسبي من السكان؛ وهم يقومون بذلك على نطاق متنام أبدًا.

كارل ماركس – رأس المال
إن الذي يشرحه ماركس في الفقرة السابقة هو السمات الأساسية للقانون السكاني الخاص بأسلوب الإنتاج الرأسمالي. إن البطالة (أي وجود فائض من السكان القادرين على العمل يزيد عن حاجة رأس المال إلى التوظيف) ليست – كما يرى أنصار الرأسمالية – ظاهرة طبيعية لا سبب لها، وليست نتاجًا لزيادة معدل نمو السكان، أو لكسل المواطنين أو تخلف عاداتهم؛ إن البطالة – على النقيض من هذا كله – أحد النتائج الضرورية لعملية التراكم الرأسمالي. فبينما ينهمك العمال – في المصانع والمزارع ومؤسسات الخدمات – في إنتاج السلع والخدمات، يكونون أيضًا قد ساهموا – بطبيعة الحال – في إنتاج الفائض الذي يقتطعه الرأسمالي منهم ليحوله إلى رأس مال جديد متراكم. وفي كل دورة جديدة لإنتاج، مع توسع التراكم الرأسمالي، يتغير – وهذا أحد القوانين الأساسية للرأسمالية – تناسب رأس المال المستخدم في شراء الآلات والمواد إلى رأس المال المستخدم في دفع أجور العمال، حيث يزيد التناسب – مثلاً – من 1 إلى 1 ليصبح 2 إلى 1، ثم 3 إلى 1،… وهلم جرا. أي باختصار: كلما تزايد حجم رؤوس الأموال مع التقدم الصناعي، كلما انخفضت نسبة الجزء المستخدم منها في توظيف العمال، وبالتالي كلما تفاقمت مشكلة وجود فائض من السكان لا عمل له ولا يحتاج إليه الرأسماليون.

وقد ظلت ظاهرة البطالة ملازمة للرأسمالية، منذ نشوئها في المدن الصناعية الأولى في إنجلترا منذ قرون وإلى يومنا هذا؛ تارة تتفاقم لتصبح كارثة سياسية واجتماعية في أوقات الأزمة الاقتصادية الدورية، وتارة تتراجع وتنحصر في حدود أمنة لا تعرض النظام الرأسمالي للخطر، ولكنها دائمًا موجودة لتعبر عن لا إنسانية نظام يقوم في أساسه على تحقيق مصلحة حفنة من المالكين الرأسماليين الساعين للربح على حساب مصلحة جموع الفقراء والعمال المأجورين.

وفي الدول الرأسمالية المتخلفة كمصر كانت البطالة دائمًا – أو على الأقل غالبًا – تمثل كارثة سياسية واجتماعية مزمنة تبدو وكأنما لا حل لها. فالميلاد المتأخر لعلاقات الإنتاج الرأسمالية في هذه الدول – أساسًا تحت تأثير الدولة ورؤوس الأموال الأجنبية – دفعها إلى استيراد أحدث وأكثر المنتجات التكنولوجية الأوربية والأمريكية تطورًا، وبالتالي إلى الانتقال دفعة واحدة من أساليب الإنتاج البدائية إلى الأساليب الحديثة. فجأة، وفي عملية ولادة قيسرية، تحول الآلاف – بل والملايين – من سكان الريف الذين لفظتهم عملية الإنتاج الزراعي، مع الملايين من فقراء المدن، إلى جيش جرار من العمل “الأحرار” الذين فقدوا كل صلاتهم بعملية الإنتاج ما قبل الرأسمالي. لقد أصبح هؤلاء – في لمحة عين – طاقة عمل مأجور جبارة في مجتمع يستورد أصحاب رؤوس الأموال فيه – بسبب من ضرورات المنافسة الدولية – أكثر الآلات الموفرة للعمال تطورًا! والنتيجة الحتمية: تحول هؤلاء إلى فائض سكاني، إلى جيش احتياطي في حالة بطالة. وفيما عدا حالات استثنائية تعد على الأصابع، لم تستطع جملة الدول الأقل تطورًا – ومنها مصر – أن تخرج من الدائرة الجهنمية للبطالة المقترنة بالتخلف الصناعي. وحتى عندما استطاعت بعض الدول الأقل تطورًا أن تجد لنفسها موقعًا على خريطة التقسيم الرأسمالي العالمي للعمل، فإنها غالبًا ما كانت تجد نفسها – قبل أن تستمتع بنشوة النصر – وقد دخلت في دائرة البطالة المقترنة بأزمات الركود الدورية المتتابعة سريعًا التي باتت مرضًا عضالاً أصاب العالم كله منذ انهيار منتصف السبعينات (أنظر مثلاً الانهيار والبطالة الحادثين الآن في نمور جنوب شرق آسيا – نموذج النجاح الأمثل الذي كانت تفتخر به الرأسمالية العالمية).

تقلبات البطالة في مصر
وإذا كانت البطالة هي، بوجه عام، واحدة من أمراض المجتمع الرأسمالي الوحشي التي لا فكاك منها، فإن البطالة المصرية هي بالتأكيد تعبير عن الإفلاس المزمن للرأسمالية المصرية وعن فشلها في حل معضلاتها الرئيسية على مدى تاريخها كله. تتباين التقديرات حول نسب وأعداد المتعطلين في مصر تباينًا كبيرًا فطبقًا لتقرير التنمية البشرية الأخير الصادر عن معهد التخطيط القومي يتراوح المعدل الإجمالي للبطالة بين 13% و15%. وتقدر بعض التقارير الأخرى (غالبًا المستندة لتقارير دولية) نسبة البطالة بأنها 21%. وبين يدعو المرء للتساؤل عن السبب الحقيقي وراء هذا التباين: هل هي اجتهادات مختلفة فقط؟ أم أن وراء هذا “الخلاف الإحصائي” البري أسبابًا سياسية؟ الإجابة الأكيدة هي أن أسباب سياسية تقف وراء هذه الاختلافات البريئة في ظاهرها. فالأرقام الرسمية للدولة تحاول أن تجمل صورة الرأسمالية العالمية – كالبنك الدولي – تفضحها وتبرز الحجم الحقيقي للمشكلة. ووفقًا لتقديرات البنك الدولي كانت البطالة في عام 1976 9.6%، ثم ارتفعت في عام 1986 إلى 16%، ثم واصلت ارتفاعها بعد ذلك وهو ما يجعل تقدير النسبة بحوالي 21% حاليًا هو الأقرب إلى الصحة. وبالأرقام المطلقة فإن البطالة حاليًا تقترب من 4 ملايين عاطل يرغبون في العمل ولا يجدونه.

إن تفاقم مشكلة البطالة في السبعينات والثمانينات والتسعينات، بعد ما يقرب من عقدين من التراجع النسبي، يعكس تجدد أزمة الرأسمالية المصرية بدءًا من أواخر الستينات. في الخمسينات والستينات استطاعت رأسمالية الدولة تحت عبد الناصر أن تحتوي مشكلة البطالة في “الحدود الآمنة”. كان توسع فرص التوظف الصناعي، واستيعاب جهاز الدولة للخرجين الجدد – في ظل سياسة الإحلال محل الواردات التي استهدفت توسيع السوق المحلي والتي كان لها بعض الحظ من النجاح المؤقت – هما المجالان اللذان استوعبا قوة العمل الجديدة القادمة إلى سوق العمل. ولكن مع قدوم السبعينات، ومع تبني الطبقة الحاكمة لسياسات الانفتاح، حدثت تحولات هامة. أدى الانتعاش المالي المؤقت في السبعينات (معدل النمو في الفترة من 1974 إلى 1984 وصل إلى 9% في المتوسط سنويًا)، وهو الانتعاش الذي مولته تحويلات العاملين بالدول النفطية والديون الأجنبية للدولة،.. أدى هذا الانتعاش إلى التغير في طبيعة سوق العمل. فمن ناحية أولى توسع الطلب تخلفه التكنولوجي – في طفرة هائلة عكست الفوران المالي المقترن بالسعي إلى المضاربة العقارية وبالتوسع في المشروعات الإسكانية لتلبية طلب الفئات الطبقية المتوسطة العالمة في دول النفط: زاد حجم عمالة هذا القطاع بـ 57% سنويًا في الفترة من 1976 إلى 1986. ومن ناحية ثانية، توسع الطلب الخارجي على العمالة المصرية في نفس هذه الفترة، حتى أنه في نقطة ذروته كان مسئولاً عن توظيف 10% من العمالة المصرية. ومن ناحية ثالثة، تراجع التوظيف في تلك الفترة في القطاعات الإنتاجية الأساسية وخاصة الزراعة (معدل التراجع في العمالة الزراعية في الفترة من 1976 إلى 1986 كان 7% سنويًا في المتوسط) نتيجة للأزمة الخانقة التي ألمت بالقطاع الزراعي ونتيجة لتطور الميكنة نسبيًا. وبرغم من التوسع في قطاعي المقاولات والهجرة الخارجية، فإن التردي الحادث في القطاعات الإنتاجية المأزومة – بسبب الفشل في المنافسة الدولية – وخاصة التدهور الحادث في الريف الطارد لسكانه، قد أدى إلى تزايد معدلات البطالة بحوالي 0.5% سنويًا في الفترة من منتصف السبعينات إلى منتصف الثمانينات.

ومع نهاية حقبة الانتعاش المالي في منتصف الثمانينات، تحولت مشكلة البطالة إلى كارثة حقيقية. فقد طردت الدول الخليجية النفطية معظم العاملين لديها، ولفظ قطاع المقالات – بقدوم الركود – نسبة عالية من العاملين به، هذا إلى جانب توقف الدولة عن الالتزام بتعيين الخريجين في محاولة لحل أزماتها المالية. في هذه الأثناء – بدءًا من منتصف الثمانينات – أصبحت مشكلة البطالة علامة ليس فقط على تخلف الرأسمالية المصرية التاريخي وعدم قدرتها على استيعاب فائض السكان الذي يلفظه الريف، ولكن أيضًا على أزمتها الخانقة وتدهور ربحيتها (من منتصف الثمانينات وحتى منتصف التسعينات) مما أدى إلى تسريح عمال عدد من الصناعات والخدمات.

تكوين المتعطلين
وتشير التحولات الحادثة في تكوين المتعطلين إلى مدى التغيير الذي طرأ على الطبقة العاملة المصرية – بالأخص على قسمها المتعطل – في ربع القرن الأخير. إذ تؤكد دراسة صادرة عام 1995 أن نسبة المتعطلين الجدد الذين لم يسبق لهم العمل والذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا قد زادت من 39.5% من جملة المتعطلين في عام 1976 إلى 71% في عام 1992. تؤكد هذه الدراسة أيضًا أن نسبة المتعطلين بمؤهل إلى إجمالي المتعطلين تتزايد باستمرار. ففي عام 1960 بلغت هذه النسبة أكثر من 25% بقليل، وفي 1976 بلغت 60%، وفي 1986 بلغت 85% وفي 1992 بلغت 98%.

هذه النسب (بالرغم من احتمال كبير للخطأ فيها، إلا أنها تشير بوضوح إلى الاتجاهات العامة للتحول في نوعية المتعطلين) الأصغر سنًا التي لا تجد فرصة لدخول سوق العمل في ظل توقف الدولة عن تعيين الخريجين، وفي ظل عدم قدرة الرأسمالية المصرية عن التوسع بالقدر الذي يسمح لها باستيعاب نسبة غالبة من الداخلين الجدد لسوق العمل. ومن ناحية ثانية تعني النسب أن قسمًا متزايدًا من العمال المصريين قد أصبح مؤهلاً (أي حاصلاً على قدر ولو بسيط من التعليم)، وهو الأمر الذي يعكس نفسه في تزايد نسبة المتعطلين المؤهلين. فالتعليم لم يعد، كما كان في أيام العصر الذهبي للناصرية، بوابة الحصول على وظيفة، أو للترقي الاجتماعي من بين صفوف الطبقة الوسطى في شرائحها الدنيا.

وفي الأغلب، فإن تراجع نسبة المتعطلين غير المؤهلين إلى إجمالي المتعطلين لا يرجع إلى أي تحسن في أحوال هؤلاء الخيرين وفي شروط حياتهم، وإنما إلى استيعاب العمل الزراعي الموسمي لقسم كبير منهم، وإلى تحول قسم آخر منهم إلى ما يطلق عليه “مهمشين”، أو أشباه بروليتاريا يعملون طباعة جائلين، أو عمال مؤقتين، أو خدم.. الخ، في المدن المصرية المختلفة التي تغص بالهاجرين الريفيين الفقراء البائسين. أما تزايد نسبة المتعطلين المؤهلين فيعود في قسمه الأعظم إلى تزايد بطالة حملة المؤهلات المتوسطة (الدبلومات) الذين يمثلون قلب جيش الصناعة الاحتياطي للرأسمالية المصرية.

ومؤخرًا، ومع الإسراع في عملية الخصخصة، فإن تسريح عمال القطاع العام – عن طريق المعاش المبكر أو غيره – قد أصبح يسير على قدم وساق. عشرات الآلاف من العمال تم تسريحهم، وعشرات أخرى ينتظرون نفس المصير. وهؤلاء سيضيفون مددًا جديدًا للجيش الاحتياطي، يضغط أكثر فأكثر على أجور العمال لأسفل.

حلول برجوازية وهمية
كالعادة دائمًا، انهمكت الدولة وأبواق دعايتها من البرجوازيين في تفسير وتبرير تفاقم البطالة على أنه من نواتج الزيادة السكنية، أو التراخي في صفوف الشباب واعتمادهم المفرط على الدولة، أو أي شيء آخر عدا سياسات الطبقة الحاكمة نفسها!! وبألف شكل وشكل كانت الوصفة التي تقدمها الدولة وأبواقها لحل المشكلة هي – باختصار – المزيد من رأسمالية السوق الحر!

إحدى الاشكاليات “الطريفة” التي يطرح بها الرأسماليون حلولهم المقترحة لمشكلة البطالة هي السعي لتحويل الشباب – أكبر عدد ممكن منهم – إلى “رجال الأعمال”. على سبيل المثال تقدمت جمعية رجال الأعمال بالإسكندرية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية، في منتصف التسعينات بمشروع “للشباب الطموح” تحت شعار “كيف تحصل على فرصة عمل سريعة – مشروع ناجح لشاب جاد”. المشروع ببساطة هو – كالعادة – أن يمول الصندوق قروضًا للشباب لإقامة مشروعات صغيرة يتحولون بفضلها لرجال أعمال، ويتحول معهم عدد آخر من الشباب إلى عمال وفنيين وموظفين محترمين. وفي إحدى أوراق المشروع تقدم الجمعية نصائحها للشباب تحت العنوان التالي: كيف تنجح في أن تصبح رجل أعمال؟ تقترب النصائح في مضمونها مما تكتبه الصحف الصفراء في أبواب الحظ، أو من أقوال وشعوذات الدجالين: دعم إيمانك بالله ثم ثق في قدرتك واحترم مهنتك؛ الانضباط والالتزام يفتح لك الأبواب والقلوب المغلقة؛ لا تتعجل الأمور ولا تستسلم للصعوبات الأولى، نظم وقتك وحاسب نفسك عليه.. الخ.

وبغض النظر عن طرافة الشكل المطروحة به الفكرة، فإن مضمونها السياسي لا يزيد عن كونه عبثًا خياليًا. فانتعاش وتوسع المشاريع الصغيرة مرهون بالانتعاش العام للرأسمالية، ومن غير الممكن توقع أن أصحاب رؤوس الأموال القزمية قادرين على الاستمرار وسط الحيتان الكبار في ظل ركود الأسواق. لقد ربطت قروض الشباب رغم محدوديتها آلاف الشباب برؤوس الأموال البنكية والصناعية الكبيرة، وجعلتهم عبيدًا مستنزفين. الذي يقدر على الاستمرار من بين هؤلاء الشباب يجد نفسه – في وقاع الحال – أجير لدى الرأسمالي الكبير يدفع كل إيراداته سدادًا لديون والتزامات، ويعيش تحت رحمة الشركات الكبرى التي يورد لها منتجاته.

على أن الحل الأكثر أهمية الذي تقدمه الدولة على أنه المخرج الاستراتيجي من أزمة البطالة هو سياسة التحرر الاقتصادي وتشجيع الاستثمار الخاص نفسها. فلطالما أرهقنا مبارك – الممثل السياسي للبرجوازية المصرية – بأسلوبه التافه بتلك الفكرة السخيفة التي تقول إنه كلما أقبل رجال الأعمال على الاستثمار كلما تراجعت مشكلة البطالة. والحقيقة أنه في ظل المرحلة الراهنة للرأسمالية العالمية، وفي ظل المنعطف الذي تجد الرأٍسمالية المصرية فيه نفسها، فإن العكس هو الصحيح. كلما توسع الرأسماليون في الاستثمار وكلما استحوذوا أكثر فأكثر على مشاريع الدولة في القطاع العام والقطاع الحكومي، كلما كان “طرد العمال” هو النتيجة الحتمية. فالسعي الأول للرأسماليين هو تخفيض التكاليف ورفع المستويات التكنولوجية من أجل الدخول في المنافسة العالمية، وهذا معناه تسريح العمال في الصناعات المتخلفة القائمة، وإقامة صناعات جديدة كثيفة رأس المال لا تستوعب إلا قدرًا ضئيلاً من العمال. وتشير أحدى الدراسات إلى أن مجموع ما وفرته المشروعات التي أنشئت في ظل قوانين الانفتاح منذ منتصف السبعينات وحتى 1979 بلغ 28 ألف فرصة عمل. تشير هذه الدراسة أيضًا أنه في عام 1992 مثلاً تم الموافقة على إقامة 1030 مشروعًا صناعيًا جديدًا للقطاع الخاص بلغت تكاليفها الاستثمارية 4661 مليون جنيه وتوفر 53.512 ألف فرصة عمل – هذا مع ملاحظة أن عددًا كبيرًا من هذه المشروعات لم تبدأ العمل بالفعل. ويقدر الاقتصادي البرجوازي الليبرالي د. سعيد النجار أن معدل للنمو لا يقل عن 8% إلى 10% متواصلاً على مدى عشر سنوات على الأقل هو وحده القادر على خلق فرص عمل جديدة تستوعب العمالة الجديدة الوافدة كل عام، وتقلل تدريجيًا من البطالة المتراكمة، وتمتص العمال الذين تلفظهم منشآت الدولة القطاع العام، وذلك في ظل المستوى العالي لكثافة رأس المال للاستثمارات الرأسمالية.

البطالة والاشتراكية الثورية
تقوم الإستراتيجية الاشتراكية الثورية للقطاء الجذري والنهائي على مشكلة البطالة على فكرة واضحة وضوح الشمس مضمونها أن مصدر البطالة هو نظام الإنتاج الرأسمالي نفسه بالتعارض الذي يخلقه بين الطابع الفردي للسيطرة على أدوات الإنتاج، وبين الطابع الاجتماعي لعملية الإنتاج، وبالتالي فإن القضاء التام عليها لن يتحقق إلا عندما ينجح العمال والكادحون في السيطرة على العمالية الإنتاج ويديرونها بأنفسهم ووفقًا لمصلحتهم الجماعية. وقتها لن تخضع قوة العمل لرأس المال كخادمة ذليلة لأهدافه في الربح والتراكم، وإنما سيخضع الإنتاج لأهداف مجموع الكادحين في الحصول على الخبز والحرية. ووقتها لن يكون هناك أي أساس موضوعي للبطالة، أي لوجود فائض سكاني لا عمل له، وذلك لأنه لن يوجد رأسمال يحدد حاجته من العمال وفقًا لمعايير التكلفة والربح.

إن طريق الحل الجذري لبطالة العمال المصريين هو طريق الثورة العمالية. هذا أمر أكيد. ولكن من الأكيد أيضًا أن في مقدور العمال والكادحين – حتى من داخل إطار العلاقات الرأسمالية – أن يقاوموا سياسات التشريد وتشديد الاستغلال بالكفاح الجماعي المنظم. ومن واجبهم في هذا السياق التضامن مع العاطلين، وذلك لأن تدهور أحوالهم – كمعال مأجورين – هو الوجه الآخر لوجود جيش عمل احتياطي من العاطلين. إن خلق أمتن الروابط بين العمال الحاليين، والعمال المحتملين (جيش العاطلين)، هو أحد الركائز الأساسية التي يقوم عليها أي نضال عمالي من أجل تحسين شروط العمل.