بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الفقر في مصر

22.9% نسبة الفقراء في مصر 7.4% من سكان مصر (حوالي 4.5 مليون) يعيشون في فقر مدقع؛ 23.3% من سكان مصر فقراء؛ 22.5% من سكان الحصر فقراء؛ 8 مليون فقير في الصعيد.

هذه هي مجرد نماذج من الأرقام التي احتواها تقرير التنمية البشرية الأخير الصادر عن معهد التخطيط القومي. وهي التقديرات التي ترددها الحكومة والتي تقل كثيرًا بالطبع عن غيرها من التقديرات التي تؤكد بعضها أن 48% من السكان في مصر يعيشون تحت خط الفقر وأن 42.2% من الأسر التي تعيش في القرى و46.8% من الأسر التي تعيش في المدن تعيش تحت خط الفقر أو قريبًا منه وبينما ردد الجنزوري في بيان الحكومة الأخير المزيد من الأكاذيب حول العدالة الاجتماعية والتزام الحكومة برعاية محدودي الدخل نجد أن مجرد نظرة إلى حياة الفقراء في مصر تظهر مدى كذب هذه المزاعم.

وضع الفقراء في مصر:
كما ذكرنا فقد اختلفت التقديرات حول عدد الفقراء في مصر، ولكن حتى إذا نظرنا إلى أقل هذه التقديرات نجد أن عددهم يبلغ حوالي 15 مليون على أقل تقدير. يعانون شطب العيش في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف الحياة، وذلك باعتراف الأجهزة الحكومية نفسها. حيث أكد أحد تقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع أسعار السلع الأساسية خلال عام واحد بنسب تتراوح بين 6% و42% هذا في الوقت الذي لا توجد فيه زيادة موازية في الدخول.

وبوجه عام فهناك 8% من سكان مصر لا يحصلون على خدمات صحية، 21% من السكان لا يحصلون على مياه نقية، و12% من المباني بلا كهرباء و15% بلا صرف صحي من أن نوع. وتشير دراسة للمركز الديموجرافي بالقاهرة على وجود 1034 منطقة عشوائية على مستوى الجمهورية، منها 953 منطقة مطلوب تطويرها و81 مطلوب إزالتها فورًا لاستحالة تطويرها. ويقدر عدد من يسكنون هذه العشوائيات بحوالي 12 مليون و600 ألف نسمة 43% من هذه المناطق العشوائية محرومة من الطرق الرئيسية، و48% محرومة من الصرف الصحي و50% محرومة من المياه النظيفة. ويمثل الإسكان العشوائي 50% من مجموع ما أنشئ من وحدات سكانية عام 80 ثم زادت إلى 80% من الوحدات السكانية التي تقام كل عام وتمثل الوحدات السكانية العشوائية 60% من الوحدات التي أقيمت خلال الثلاثين عامًا الأخيرة. وبينما يوجد في مصر نحو نصف مليون وحدة سكنية في غير البيوت والعمارات والفيلات (أي أكشاك وعشش وخيام وأشكال أخرى غير نظامية)، يوجد حوالي مليون شقة خالية وهو ما يمثل 10.6 من المباني في مصر.

ولعل صحة الفقراء هي أول ما يتأثر بواقعهم الفقير، فعلى سبيل المثال 16.9% فقط، هي نسبة الأسر المصرية التي تحصل على غذاء متوازن يحتوى على كافة العناصر الغذائية اللازمة. وذلك بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، مما يجعلهم يعتمدون على الكاربوهيدرات، ففي الطبقات الفقيرة يحصل الفرد على 75% من السعرات الكلية على صورة نشويات. هذا الوضع المتردي أدى إلى معاناة أكثر من 50% من طلبة المدارس الابتدائية من أمراض سوء التغذية والأنيميا. وفي المناطق العشوائية يوجد 16 طبيب لكل 1000 نسمة، ولكل عشرة آلاف مواطن توجد 13 ممرضة فقط، ولكل عشرة آلاف نسمة يوجد 16 سرير في المستشفيات، وإذا وجدت غرفة للعناية المركزة تكون لكل عشرة آلاف فرد.

أما بالنسبة للبطالة وهي أحد أهمة جوانب مشكلة الفقر، فنجد أن المعدل القومي للبطالة قد تصاعد من 2.2% في أوائل الستينات إلى 7.7% طبقًا لتعداد 1976، ثم إلى 10.7% حسب تعداد 1986، ثم ارتفع هذا الرقم ليصل طبقًا لبعض التقديرات إلى ما يجاوز الـ 17.5%.

توزيع الفقراء في مصر:
لا يمكن الحديث عن الفقر بدون الإشارة إلى نمط توزيع هذا الفقر، أو بمعنى آخر إلى أزدياد نسبة الفقراء في مناطق بالمقارنة بمناطق أخرى، وهو ما يتفق تمامًا مع نمط التطور الرأسمالي في مصر. فالتطور المركب اللا متكافئ في مصر، قد أدى إلى وجود عدم تساوي في توزيع الموارد وفي معدلات التنمية. حيث يرتبط الارتفاع في معدلات التنمية بالمناطق التي حدث فيها نمو رأسمالي أكثر من غيرها من المناطق. عدم التساوي هذا يدعمه اتجاه الرأسمالية الحالي للتمركز، وهو الأمر الذي يتضح أثره بشكل واضح إذا نظرنا إلى الوجه القبلي والصعيد تمثل المراتب الأولى بالنسبة لعدد الأسر الفقيرة فيها مقارنة بمجموع الأسر في المحافظة. حيث تمثل بني سويف المركز الأول إذ تعد 77.8% من الأسر التي تقطن فيها أسر فقيرة، تليها المنيا بنسبة 63.9%، ثم أسيوط بنسبة 58%، ثم الفيوم بنسبة 55%، ثم سوهاج بنسبة 50.9%، وأخيرًا أسوان بنسبة 45.7%. وبشكل عام يحتاج الصعيد إلى حوالي 15 مليار جنيه حتى يصبح متوازنًا فقط مع الوجه البحري. كما يعيش 49% من أهالي الصعيد تحت خط الفقر، هذا بالإضافة لانتشار معدلات الأمية هناك. فنجد أن نسبة الأمية في المنيا قد بلغت 67%، وفي أسيوط 64%، وفي بني سويف 69%. وعلى مستوى الإنفاق القومي، نجد أن نسبة ما يخصص للقاهرة يبلغ 49% من إجمالي الإنفاق العام للدولة، بينما نسبة ما يخصص لجميع محافظات الصعيد من هذا الإنفاق لا يتجاوز 6.7%. وهو أمر مفهوم تمامًا في ظل وجود القاهرة كمركز رأسمالي، وبسبب قانون التطور المركب واللا متكافئ الذي أوجد جيوب أو مناطق متخلفة رأسماليًا ومحرومة من الخدمات وتتفاقم درجة هذا الحرمان بازدياد التنافس الرأسمالي والاتجاه نحو المزيد من المركزة.

السياسات الرأسمالية وارتباطها بالفقر:
النظر للأرقام السابقة وحده لا يكفي، فمن المهم أيضًا النظر للإنفاق الحكومي على مختلف القطاعات وتطور هذا الإنفاق حتى تكتمل الصورة. تشير أحدى الدراسات إلى أنه على الرغم من أن الإنفاق العام على الصحة في مصر قد ازداد بأكثر من الضعف خلال الفترة من 89 – 90 إلى 93 – 94 (من 1059.6 مليون جنيه إلى 2354.3 مليون جنيه)، إلا أن نصيب الصحة في إجمالي الإنفاق الحقيقي يتم توجيهه للأجور والمرتبات. ومن ناحية أخرى فإنفاق وزارة الصحة وبسبب معدلات التضخم قد انخفض بالأسعار الثابتة من 384.7 مليون جنيه عام 89 – 90 إلى 382.8 جنيه عام 91 – 92 وانخفض إنفاق وزارة الصحة على الفرد من 7.4 جنيه عام 89 – 90 إلى 6.9 جنيه عام 91 – 92. أما بالنسبة للتعليم فقد انخفض إنفاق الإجمالي الحقيقي خلال الفترة من 82 إلى 90 انخفاضًا قدره حوالي 20% طوال الفترة. هذا مع ملاحظة أنه كما هو الحال بالنسبة للصحة فالأجور والمرتبات تشكل نحو 80% من إجمالي الإنفاق على التعليم.

يحلو للدولة وممثليها الحديث عن ارتباط المشاكل الاقتصادية ووجود أزمات مالية، وبين ارتفاع عدد الفقراء أو نقص الخدمات، مؤكدين أنه مع تحسن الأداء الاقتصادي فمن المؤكد أن نسب الفقر ستخفض ومستوى الخدمات سيرتفع. وأن إتباع سياسات التحرير الاقتصادي والسماح لآليات السوق بالعمل هو الوسيلة الوحيدة لتحسين الأداء الاقتصادي وبالتالي تحسين مستوى معيشة الفقراء.

واقع الأمر يختلف، فإتباع سياسات التكيف الهيكلي يهدف في الأساس إلى خروج الرأسمالية المصرية من أزمتها على حساب الفقراء وعلى حساب المزيد من التدني لمستويات معيشتهم. فلا يمكن الحديث عن واقع وجود فقر بدون الحديث عن الأسباب التي أدت لوجود هذا الواقع، أي طبيعة النظام الرأسمالي نفسه الذي يدفع إلى مزيد من الاستغلال، بهدف حقيقي المزيد من الربح والتراكم الرأسمالي.

إن حقيقة وجود أزمة تواجه الرأسمالية المصرية نتيجة تناقضاتها الداخلية وضعفها وبالتالي عدم قدرتها على المنافسة في السوق العالمي، هذه الحقيقة يعني أنه لابد من تكثيف الاستغلال من أجل مزيد من الأرباح. وهكذا فمنذ شرعت الحكومة المصرية في تطبيق سياسات التكيف الهيكلي منذ عام 1978 والبدء في تحرير السياسات السعرية والتسويقية الزراعية وتقليص برنامج دعم الغذاء، حدث ارتفاع حاد في الأسعار النسبة للمستهلك. حيث زاد الرقم القياسي لأسعار المستهلك في المناطق الحضرية من عام 1978 إلى 1992 بنسبة 226.7%، وزادت أسعار الحبوب والنشويات داخل مجموعة الأغذية والمشروبات خلال نفس الفترة بنسبة 308.2%، وفي المناطق الريفية نجد أن الرقم القياسي لأسعار المستهلك قد زاد خلال نفس الفترة بنسبة 228% والرقم القياسي للأغذية والمشروبات بنسبة 223.8% وأسعار الحبوب والنشويات بنسبة 286.6%.

ورغم التصريحات والادعاءات الحكومية – التي تحاول الحكومة من خلال إيهامنا بنجاح هذه السياسات في تخفيف الأعباء على الفقراء ومحدودي الدخل – التي تشير إلى ارتفاع متوسط الدخل السنوي لفرد في الفترة من 84 إلى 94 بنسبة 25% نجد أن هذا الرقم يعطي انطباعًا زائفًا، ففي نفس هذه الفترة ارتفعت الأسعار بنسبة تزيد عن 500% مما يعني انخفاض الأجور الحقيقية خلال بنسبة 250%. وبينما يشير التحرير الأخير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى زيادة متوسط الدخل السنوي للأسر المصرية في الريف والحضر، نحد أن الواقع يؤكد كذب هذا الإدعاء، ويؤكد أن هذا الجهاز التابع للدولة يدول تزييف الحقيقة. فعلى سبيل المثال يشر التقرير إلى ارتفاع متوسط الدخل السنوي للأسر في الحضر عام 96 بنسبة 46% ليصبح 8940 جنيه وذلك بالمقارنة بعد 91، ولكن إذا أخذنا في الاعتبار الارتفاع الذي حدث في أسعار السلع الاستهلاكية، فسنجد أن الرقم الحقيقي للدخول يشير إلى انخفاض متوسط دخول بنسبة 24.6%. نفس الشيء بالنسبة لمتوسط الدخول في الريف والذي أشار التقرير لارتفاعه عام 96 بنسبة 26.1% بالمقارنة بعام 91 ليصبح متوسط الدخل 6461 جنيه، بينما بحساب الارتفاع في الرقم القياسي للأسعار سنجد أن متوسط الدخل الحقيقي قد انخفض بنسبة 34.93% بالمقارنة بعام 91 وهو ما يعني أن المزيد من سياسات الإصلاح تؤدي إلى المزيد من التدهور في مستويات معيشة الأغلبية.

ولا يجب أن ينظر للفقراء على أنهم فئة موحدة، فما يوحدهم هو أنهم منفصلون جميعًا عن الملكية في وسائل الإنتاج. داخل هذه الفئة سنجد طبقة عاملة، ومهمشين، وعاطلين عن العمل.. يجمعهم فقط واقع أنهم ضحايا لنظام ظالم يفتقر للعدالة في التوزيع. وهو ما يظهر لنا بوضوح إذا نظرنا إلى توزيع الدخل القومي وتطوره.

من الملاحظ أنه في الوقت الذي تدعي فيه الدولة أن الفقراء ووجودهم أمر طبيعي، نظرًا لوجود مشاكل اقتصادية تتعلق بانخفاض الناتج القومي ومحدودية الموارد، وتطرح حلولاً من نوعية زراعة واستصلاح الصحراء والمشاريع الصغيرة.. الخ. نجد أن المشكلة في جوهرها لا تتعلق بانخفاض الدخل – وأن كانت هذه حقيقة بسبب ضعف الرأسمالية المصرية – وإنما بوجود عدم عدالة في توزيع هذا الدخل. ولعل تتبع توزيع الدخل في مصر وتطوره يوضح هذا التفاوت وعدم العدالة. فعلى سبيل المثال في سنة 64 – 65 بلغ نصيب أقل 20% من السكان دخلاً 4.6% من الدخل القومي، مقارنة بـ 19.2% لأعلى 5% من السكان دخلاً. في عام 1970 بلغت هاتان النسبتان 5.1% و22% على التوالي، وفي عام 1980 بلغت 5% و24% على التوالي، وفي عام 91 بلغ نصيب أقل 10% من السكان دخلاً 3.9% مقابل 26.7% لأعلى 10% من السكان دخلاً، أما أقل 20% من السكان دخلاً فقد بلغ نصيبهم من الدخل القومي في نفس العام 8.7% بينما بلغ نصيب أعلى 20% دخلاً 41.1%. المشكلة ليست إذن في انخفاض الدخل القومي وإنما في عدم عدالة توزيع هذا الدخل، وهو الأمر الذي يتفاقم باطراد. والذي يعني أيضًا أن التدهور المتزايد في مستويات معيشة الفقراء لن يتم القضاء عليه بالسياسات الاقتصادية الجديدة، التي تهدف لتحرير الاقتصاد وإعمال آليات السوق لشد عود الرأسمالية المصرية، وإنما بالقضاء على النظام الرأسمالي نفسه الذي أنتج هذا الفقر لاستغلاله واعتصاره الأغلبية من أجل المزيد من الأرباح والتراكم الرأسمالي للأقلية.

الفقر والصراع الطبقي:
تبقى نقطة هامة لابد من الإشارة إليها عند الحديث عن قضية الفقر وهي موقع القراء من الصراع الطبقي ودورهم في هذا الصراع. وعلى الرغم من أن الفقراء كفئة هم أول المضارين من هذا النظام الاجتماعي الذي يفرزهم بالأساس، إلا أن هذا لا يعني أن كل الفقراء يمتلكون طاقات ثورية تمكنهم من القضاء على الرأسمالية. وبالرغم من تعرض الفقراء والمهمشين اليوم لهجوم رأسمالي شديد، يشرد سكان العشوائيات ويرفع من معدلات البطالة، إلا أن هذا لا يعني أن علينا انتظار ثورة الفقراء للقضاء على الرأسمالية. فالقضاء على الرأسمالية يتطلب طبقة موحدة ذات مصالح مشتركة وتراث نضالي واحد، طبقة هي الأكثر التصاقًَا بهذا النظام والأكثر معاناة من استغلاله، لأنها في الحقيقة هي الطبقة التي تنتج الثورة التي يراكمها الرأسماليون بينما هي أبعد ما تكون عن الاستفادة من هذه الثورة. وعلى الرغم من أن وضع المهمشين قد يكون أشد بؤسًا من وضع الطبقة العاملة، إلا أنهم، ونظرًا لتفتتهم وعدم وجودهم في قلب العملية الإنتاجية، لا يستطيعون التحرك بشكل جماعي ولا يمتلكون الرؤية الواحدة والمصالح المشتركة ولا يمتلكون إمكانية تهديد النظام الرأسمالي بالشلل، وهذا لعدم تحكمهم في وسائل الإنتاج. الطبقة الوحيدة القادرة على القيام بدور ثوري حقيقي هي – لتلك الأسباب – الطبقة العاملة، التي تستطيع التحكم في وسائل الإنتاج وبالتالي تستطيع في حالة تحركها الجماعي إزاحة الرأسمالية وممثليها. هذا لا يعني أن عامة الفقراء سيكونوًا بعيدين عن مشروع الطبقة العاملة، بل على العكس فالطبقة العاملة جزء من هؤلاء الفقراء، والاستعانة بجميع الفقراء والمضطهدين أمر يقع في قلب مشروعها السياسي لذا سيكون عليها من أجل انتصار هذا المشروع، قيادة وتعبئة كل الجموع الفقيرة للإطاحة بالرأسمالية وبناء الدولة العمالية.