بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الفقراء والتعليم المدرسي

أصبح من الواضح إلى أين تتجه الدولة مؤخرًا، في مضاعفة قمع واستغلال الطبقات الفقيرة من المجتمع في سبيل الخروج من أزمة اقتصادها، انعكس ذلك في قصور وانكماش خدماتها الأولية لهم حيث أصبح الطابع الطبقي للاستهلاك يتحكم فينا من رغيف العيش وحتى التعليم الجامعي أو إجراء العمليات الجراحية، ولعل مجال التعليم من أهم المجالات التي تعكس ـ وخصوصًا في الآونة الأخيرة ـ هذا الطابع الطبقي والسعي لتأكيده، وسنجد هنا باستعراضنا لبعض الظواهر التي تخص التعليم المدرسي بأقسامه المختلفة. انعكاسًا فظًا لسياسات الدولة.

بالاستناد لتقرير اللجنة المصرية الأمريكية الصادر في أغسطس 1971 والذي منعت وزارة التربية والتعليم تداوله بكل الطرق لأنه يحوي من الحقائق والبيانات ما يتناقض مع بياناتها، يقول التقرير بالنسبة للتعليم الابتدائي أن نسبة المقيدين به يمثلون 68.2% من أطفال الشريحة العملية 6 ـ 12 سنة بينما تقول الوزارة في نفس العام في تقريرها أن النسبة هي 75%، ويورد أيضًا تقرير اللجنة المصرية الأمريكية أن 32% من الشريحة العمرية 6 ـ 12 وكذلك 42% من شريحة عمر المرحلة الإعدادية 12 ـ 15 ليسوا أصلاً في مدارس! مما يعني أن 3 مليون طفل وصبي من عمر 6 ـ 15 سنة لن ينالوا أي قدر من التعليم في مجتمع كان تعداده 40 مليونًا.

وبالطبع معظم هؤلاء المحرومين من فرصة التعليم أو كلهم على الأصح من أبناء الطبقات الفقيرة، لأنه على الرغم من الزعم القائل بمجانية التعليم الأساسي إلا أن الآباء يجدون أنفسهم إزاء أعباء حقيقية بالنسبة لمستواهم الاقتصادي تدفعهم للإحجام من إلحاق أبنائهم بالمدارس، بل إن ظروفهم تدفعهم لطريق مغايرة تمامًا وهي الاستفادة من أبنائهم ماديًا بعرضهم في سوق العمل حيث يصبحون مصدرًا للرزق بدلاً من وضعهم كهم أساسي من هموم المعيشة. ومن المؤكد أن هناك أسباب موضوعية تتعلق بنسبة الاستيعاب المنخفضة تلك أهمها خلو بعض المناطق النائية من المنشآت التعليمية من الأساس أو على الأقل عدم تكامل المنشآت الخاصة بمراحل التعليم المختلفة التي تلي مرحلة الإلزام في بعض المناطق مما يثني عزم الآباء عن الاهتمام بموضوع التعليم الأساسي لأنه لا مبرر له بدون بقية المراحل.

إن أحد الظواهر شديدة الأهمية التي نلمحها في التعليم الابتدائي هي ظاهرة التسرب، وترجع أهميتها لما لها من طابع طبقي واضح يبين من هم بالضبط المتسربون سنويًا من التعليم الابتدائي. يظهر ذلك من خلال عدة نقاط: تواجه القرى هذه الظاهرة بنسب أكبر من المدن بكثير ولهذا سببه الطبيعي في أن مستويات المعيشة في الريف أقل بلا شك من المدن كما أن الحاجة لقوة عمل الأبناء أ:ثر إلحاحًا بالإضافة للنظرة الرجعية للإناث مما يجعل نسبهن في التسرب أعلى من نسب الذكور. أما عن المدينة فإن التسرب يواجهنا في الأحياء الشعبية والفقيرة حيث يعيش محدودي الدخل بينما يختفي التسرب من التعليم الابتدائي تمامًا في الأحياء المتوسطة والراقية.

وقد بلغت نسبة التسرب من المدارس الابتدائية عام 70/71: 5.8% وبدأت في الأعوام التالية تنخفض قليلاً ثم لم تلبث أن تصاعدت مرة أخرى مع سنوات الانفتاح الأولى 1974 حتى وصلت عام 81/82: 6.2% أي ما يزيد على ربع مليون تلميذ في العام الواحد من إجمالي 4.748.414.

ومن خلال دراسة ميدانية للمجلس القومي للتعليم في بعض المحافظات عام 76/77 وجد أن أعلى نسبة للتسرب كانت بين أبناء الفلاحين 45.64% بينما أقل نسبة بين أبناء التجار وهي: 3.4% والموظفين: 3.4% أما أبناء العمال فكان نصيبهم من التسرب بنسبة: 32.6% ما يعكس دون مواربة أن ظاهرة التسرب من التعليم الابتدائي لا تتعلق بمدى كفاءة أو ذكاء التلميذ قدر ما تتعلق بوضعه الاجتماعي وإمكانات ذويه، حيث وجدت هذه الدراسة أن المستربين لا يوجد بقينهم حالة واحدة لذوي الدخل المرتفع.

من كل ذلك لنا أن نجزم أن ديمقراطية التعليم التي يتشدقون بها ما هي إلا أكذوبة، ليس فقط لأن أبناء الفقراء هم قوام النسبة الغير مستوعبة من مدارسة التعليم الأساسي وأن نسبة التسرب وكذلك الرسوب تنصب عليهم، لكن أيضًا لأن مبدأ الديمقراطية نفسه يتناقض مع أي نوع من الازدواجية في التعليم: ـ فسنجد انتشار التعليم الخاص بالمصروفات في المرحلة الابتدائية، وسنجد أيضًا رياض الأطفال التي تتبع القطاع الخاص والتي يدفع الأهالي فيها مئات الجنيهات من أجل قبول أبنائهم ويتم هذا تارة باسم الجهود الذاتية وتارة باسم تجديد المباني … رغم الالتزام الشكلي من الوزارة بمسئولياتها عن رياض الأطفال. وبالطبع لا مكان لأبناء الفقراء في هذه “الرياض” وربما يلتحقون بحضانات ذات إمكانيات ضعيفة وغالبًا ما يكون محكومًا عليهم بالبقاء في الشارع لحين دخول المدارس الابتدائية التي سرعان ما تلفظهم مرة أخرى.

كذلك نظرًا للاختلال الفاضح في سلم الأجور والمرتبات الذي اتبع سياسات الانفتاح، وارتفاع تكاليف المعيشة الرهيب، اضطر أغلب المدرسين إلى الدروس الخصوصية لاستكمال دخولهم، وهكذا تحول عمليًا جزء هام من التعليم العام إلى القطاع الخاص المنزلي، أي أننا عدنا إلى التعليم بالمصروفات من الباب الخلفي أية كانت المسميات، وهذا لا يضر بالطبع إلا أبناء الفقراء العاجزين عن الدفع، ولا يمكننا أن نستخف بالوضع الأجري السيء لمدرس التعليم العام وانعكاسه على كفاءة هذا المدرس، بعده سهره الليالي في إعطاء الدروس الخصوصية. فإذا أضفنا إلى ذلك ظاهرة انتشار القفز فوق امتحانات الثانوية العامة المصرية عن طريق امتحان المجلس البريطاني التي وصلت لحوالي 8 ألاف عام 1995، فإننا سنعرف بسهولة إلى أي مدى هي منخفضة ديمقراطية التعليم!

يكفي لكي نتعرف على حال مدارس الفقراء أن نلقي نظرة سريعة على تقرير قدمته الوزارة نفسها في عام 87 المسمى بتقرير الاستراتيجية والذي يعترف أ،ه في كثير من المدارس الحكومية الابتدائية ترتفع كثافة الفصول إلى أكثر من 60 تلميذًا في الفصل الواحد، وأن عدد المدارس الابتدائية التي تعمل بنظام الفترتين أو الثلاث يصل إلى 8772 مدرسة بنسبة 68% من مدارس الحكومة، كما أن هناك 3789 مدرسة ابتدائية تحتاج إلى إصلاح، 959 مدرسة آيلة للسقوط، أما في التعليم الإعدادي فهناك 644 مدرسة في حاجة لإصلاحات، 72 مدرسة آيلة للسقوط، كما يذكر التقرير أن هناك 731 مدرسة لا تصلها مياه للشرب من مصادر صحية، 692 مدرسة ليس بها مرافق صحية أصلاً أو بها مرافق غير صالحة، ونصيب المرحلة الإعدادية 233 مدرسة ليس بها مرافق أو مرافقها غير صالحة أصلاً وإذا كانت هذه المعلومات والأرقام ـ والتي ربما تكون مخففة بعض الشيء ـ منسوبة إلى عام 1987، فإن هناك تقرير آخر بعنوان: “حال التعليم في مصر” الذي وضعه المركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي في عامنا هذا 1997 وقد تم فيه تقييم 7 ألاف مدرسة، في مختلف مراحل التعليم في 7 محافظات خلال العامين الدراسيين 95/96.

يقول هذا التقرير عن المباني المدرسية أن أكثر من نصف المدارس التي تمت زيارتها لا تصلح بكل المعايير لتقديم الخدمة التعليمية الناجحة، غالبية المدارس تعمل لفترتين وثلاث وفي بعض المدارس تم القضاء على الفترة الثالثة في مقابل ارتفاع كثافة الفصول مما له أثره على التحصيل بالنسبة للطالب وأيضًا على كفاءة المعلم، كما أوضح التقرير أن ارتفاع أعداد الهيئة الإدارية من مدير ونظار ووكلاء وشغلهم لوحدات المبنى المدرسي أجحف بفصول التلاميذ وحجرات الأنشطة والمجالات.

ولكن على الرغم من أن هذا التقرير والمنشور حصيلته النهائية في الأهرام 30 يوليو 97 يذكر العديد من الحقائق إلا أنه يرجع أسبابها وجذورها لمسائل وهمية فيقول مثلاً (.. يرجع هذا العجز في المباني المدرسية إلى ارتفاع معدلات الزيادة السكانية، وما تفرضه من عبء على الدولة لتوفير أعداد متزايدة من المباني المدرسية ..) وكأنها بهذه الكلمة السحرية، ” الزيادة السكانية” قد أفت الدولة من عبئها الخطير ومسئوليتها الجسيمة وألقت بهما على أكتاف هؤلاء الناس الأغبياء ممن لا يستمعون لتوجيهات أجهزة الإعلام التي تبثها ليل نهار منذ السبعينات عن تحدي النسل وتنظيم الأسرة.

وأخيرًا فإنه من غير الممكن إلا تنعكس حالة التدهور العامة السائدة في قطاعات الخدمات في الآونة الأخيرة على قطاع التعليم العام لأنه أوثق ارتباطًا من أي قطاع آخر بتطور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وعلى الرغم من كل الدعاوى والتصريحات الخاصة بإصلاح التعليم لأنه ثروة قومية وما إلى ذلك من كلمات كبيرة نسمعها يوميًا إلا أن الأمور تخضع دائمًا لحاجات ومتطلبات الطبقة الحاكمة أكثر من خضوعها لحاجات ومتطلبات الطبقات المحكومة الأكثر عددًا والأضعف حالاً. لو ارتأت الطبقة الحاكمة إدخال تعديلات نسبية طفيفة على أنظمة التعليم سيكون ذلك لأغراضها الاقتصادية وليس من أجل سواد عيون التلاميذ الفقراء، لكنها أيضًا سترى في بعض الأحيان أن عليها أن تمسك يدها عن التعليم لأن وراءها من الهموم الاستثمارية ما هو أهم وأجدر بأموالها، ستتبنى البرجوازية دائمًا أوجه التحديث التي تتلائم فقط مع مشاريعها التراكمية، وقد تقف يومًا بكل شراسة في وجه المعرفة العلمية إذا شعرت أن هذه المعرفة غير مجدية لها وأنها تهدر أ/والها فيما لا يعود بفائدة ملموسة عليها.