بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الحكومة الجديدة تحمي مصالح الرأسمالية بأجساد وزرائها

لا يزال التناحر داخل العصابة الحاكمة، بين من يطلق عليهم “الحرس القديم” و”الحرس الجديد”، يعكس نفسه علناً في كل إعادة ترتيب داخل صفوف النظام. ظهر هذا في الارتباك الذي صاحب إعلان ترشيحات الحزب الحاكم في الانتخابات التشريعية، ثم فيما جرى أثناء معركة الانتخابات ذاتها، وأخيراً في الارتباك والتردد بصدد تشكيل الحكومة الجديدة، الذي ظل لغزاً محيراً حتى يوم إعلانه بشكل نهائي. الأمر الوحيد الذي يظهر فيه التوافق التام بين جناحي العصابة هو اصرارهم على مواصلة مص دماء الفقراء حتى آخر قطرة.

التناقض المزعوم بين الجناحين لا يتعدى كونه صراع على مراكز النفوذ ودوائر الفساد. لكن ما لا شك فيه أن الوجوه الجديدة التي تظهر، وبصرف النظر عمن تدين له بالولاء من بين الأطراف المتناحرة، تعكس الميل المتزايد لدى النظام لفرض هيمنة الرأسماليين الاحتكاريين المباشرة على السلطة وأدوات الحكم. فالرأسمالية المصرية، تحت ضغط أزمتها، لم تعد تكتفي اليوم بوزراء من التكنوقراط لخدمة مصالحها، إنما صارت في حاجة لأن تسيطر بشكل مباشر على القرارات السياسية. لقد باتوا الآن في أمس الحاجة لاتخاذ قرارات سريعة وحاسمة تقضي على ما تبقى من رأسمالية الدولة الناصرية، وتدفع قطار الخصخصة بأقصى سرعة للوصول إلى محطته النهائية.

هكذا حصلت حفنة من كبار رجال الأعمال في التشكيل الجديد للحكومة على الحقائب الوزارية لكافة الأنشطة الاقتصادية: الصناعة، والتجارة، والزراعة، والإسكان، والنقل، والسياحة، بالإضافة للوزارات المتعلقة بالأنشطة الخدمية: الصحة، والتعليم. هذا غير سيطرة رجال الليبرالية الجديدة الرئيسيين على وزارات المالية، والاستثمار، والتخطيط، والتنمية المحلية. نحن إذن أمام حكومة تحمي مصالح الرأسمالية الكبيرة في مصر بأجساد وزرائها، وبالطبع ستنحو مباشرة إلى القضاء على أي تردد لازال قائماً تجاه خصخصة ما تبقى من مؤسسات إنتاجية أو خدمية مملوكة للدولة، بصرف النظر عن التكلفة الاجتماعية وما سيتحمله فقراء المصريين من جراء تلك السياسة.

هذه التوقعات ليست مجرد احتمالات أو نوعاً من التخمين، وإنما هي حقائق معلنة بصراحة ودون أية مواربة. هكذا تتحدث مانشيتات الصحف الحكومية، وهذا ما نص عليه خطاب تكليف الحكومة، وهو ما صرح به رئيسها وباقي الوزراء بعد إدلائهم لليمين الدستورية، وهو أيضاً ما نصت عليه توجيهات رئيس الجمهورية للوزراء في أول اجتماع للحكومة. المهام العاجلة على أجندة الوزراء الجدد هي: استكمال خصخصة الوحدات الإنتاجية (بشكل رئيسي الشركات العاملة في مجال الصناعات الهندسية)، خصخصة البنوك، والسكك الحديدية، والمواصلات العامة، والتعليم الجامعي، وباقي الأنشطة الخدمية، وتغيير نظام التأمين الصحي، وإلغاء الدعم النقدي، ..إلخ.

الثمن المباشر لهذه السياسة هو مزيد من الكوارث على جماهير الفقراء في مصر. فالمعنى العملي للخطط المعلنة هو تشريد المزيد والمزيد من العمال، ورفع نسب العاطلين عن العمل، والمزيد من الارتفاع في الأسعار، مع تخفيض قيمة العملة بما يعني انخفاض الأجور، وضياع فرص محدودي الدخل في الحصول على الخدمات العامة أو الرعاية الصحية بأسعار في مقدورهم، ..إلخ. وبالطبع يتم الإعلان عن تلك الخطط بغلاف من عبارات براقة تتحدث عن تحسين أحوال الفقراء، وجلب الاستثمارات، ورفع معدل النمو، إلى آخر قائمة الأكاذيب المعهودة.

وليس جديداً أن أحداً لم يعد يصدق قائمة الأكاذيب تلك، وليس جديداً أيضاً أن أصحابها يدركون تماماً حجم ما يواجهونه من صعاب. هم يعرفون جيداً أن مصر في الدرك الأسفل من حيث القدرة على جذب الاستثمارات، أو تحقيق طفرة في التنمية، وأن كل ما فعلوه وسيفعلونه لن يؤتي ثمرة ذات شأن على المدى القريب أو المتوسط في مسألة تحسين فرص الاستثمار. على جانب آخر هم باتوا على ثقة كاملة من أن اندفاعهم وراء تلك السياسات سيؤدي إلى انفجار اجتماعي لا محالة. رغم ذلك فقد صاروا مستعدين للمغامرة بكل شيء، فضغوط الأزمة عليهم ـ الكساد وانخفاض معدلات الربح ـ تجعلهم يلهثون وراء سيناريوهات قصيرة من أجل حفنة من الأرباح ستأتي على ما تبقى من أخضر ويابس.

هذا النظام يتهاوى، لم يعد من الممكن استمرار الحال على ما هو عليه، وأول من يدركون ذلك هم سدنة النظام أنفسهم. ولأنهم يعرفون أن سفينتهم تغرق، وأن نهايتهم تقترب يزدادون شراسة وسعياً لنهب كل ما يمكنهم قنصه والاستحواذ عليه، بما في ذلك مص دماء الغالبية الساحقة من الشعب حتى آخر قطرة. هذا ما يفسر الاندفاع في سياسات ستؤدي إلى تجويع وإفقار واسع، وهذا ما يفسر أيضاً إعطاء كبار الرأسماليين السلطة المباشرة في اتخاذ القرارات، وهذا ما يفسر أخيراً الابقاء على العادلي وأبو الليل رموز الاستبداد والبلطجة وتزوير الانتخابات.

الابقاء على العادلي وأبو الليل هو رسالة بأن القمع مستمر، وحتى لا يفكر أحد في محاولة عرقلة قطار الخصخصة القادم. رسالة إلى هؤلاء الذين ارتفع صوتهم بالمطالبة بالديموقراطية والتغيير بأن يتوقفوا، وألا يفكروا حتى بأن يعبئوا أو يتحركوا على قضايا مثل الخصخصة والبطالة وإلغاء الدعم. رسالة هدفها إشاعة الخوف، عسى أن يمنحهم ذلك مزيداً من الوقت لاستكمال خطط النهب. أما الأمر الذي لا تقدر العصابة الحاكمة على استيعابه حتى الآن هو أنها لم تعد تُخيف أحداً. أحداث العام الماضي فضحت غول الاستبداد، وكشفت عن شيخوخته وترهله، كما أنها بثت العزيمة والثقة في قلوب الآلاف الذين شاركوا فيها، والأمل في قلوب الملايين الذين تابعوها وراهنوا عليها.

لا.. لن يمر قطار الخصخصة هذه المرة بسلام.. ملايين الفقراء في مصر مستعدون اليوم للنضال ضد الجوع والفقر، وحكومات النهب والاستبداد.