بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الحكومة للشعب: تقشفوا من أجلي

“الكثيرون يسألون عن الاقتصاد، وأنا أقول نحن مهددين في أخطر من ذلك، سلامة الوطن وأراضيه مهددة وأري أن يكون التركيز علي تسليح الجيش، والشعب يربط الحزام علي البطون، 60 مليار دولار استيراد استهلاكي والجيش أولي بهذه الأموال وإلا سنصحوا يوماً لا نجد بلدنا ولا بيوتنا.. اصحى يا شعب”.

ما سبق كان تصريحاً لطارق عامر الرئيس السابق للبنك الأهلي المصري، وهو قليل من كثير لدعوات انتشرت خلال الفترة الأخيرة للتقشف من أجل دعم الجيش المصري في حربه ضد الإرهاب والإمبريالية العالمية ولمواجهة محاولات قطع المعونة الأمريكية.

التقشف: ما خفي كان أعظم
صاحب هذا التصريح استمر رئيساً للبنك الأهلي المصري من أبريل 2008 وحتى فبراير 2013، وكان يبلغ دخله الشهري 1.2 مليون جنيه، يمثل راتبه من البنك وعدد من الشركات التابعة له وعضويته في عدد من الهيئات الحكومية. ولكنه رغم ذلك لم يطلق دعوة التقشف إلا في سبتمبر 2013، ومن المعروف أن القطاع المصرفي أحد المحاربين لفرض حد أقصى للأجور بحجة عدم هروب الكفاءات إلى القطاع الخاص أو العمل بالخارج حال تخفيض رواتبها.

قبل الموجة الجماهيرية العارمة في 30 يونيو قال عمرو موسى، رئيس حزب المؤتمر السابق ورئيس لجنة تعديل الدستور حالياً، أن على محمد مرسي وحكومته وضع خطة للتقشف الاقتصادي، باعتبارها الحل الأمثل لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي تواجهها مصر في هذا التوقيت. وقال موسى: “أنه من الضروري أن تبدأ الحكومة في دراسة وضع خطة للتقشف من أجل علاج العجز الكبير في الموازنة العامة للدولة”.

اعتبر موسى أن عودة رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة الأسبق في نظام مبارك، والمتهم في مخالفات قانونية والهارب بدبي، خطوة جيدة! مطالباً بدعوة رجال الأعمال ليعودوا ويكونوا في حماية القانون والدولة! وأضاف موسى أنه “لابد من وضع قانون يحمي المستثمرين بعد العودة والتصالح معهم ليكونوا في حماية الدولة”. وأكد أن قرض صندوق النقد الدولي ضروري للغاية، ليس من الناحية المادية فقط ولكن من ناحية “السياسة الدولية والحفاظ على العلاقة الطيبة بين مصر وصندوق النقد الدولي والتي هي بمثابة رسالة طمأنة للمستثمرين”.

وفى رِكاب دعوات التقشف، قال محمد  أبو حامد عضو مجلس الشعب السابق “على الدولة الآن أن تبدأ حالة تقشف عام لمواجهة الضغوطات الاقتصادية الأجنبية على مصر ونستلهم روح المصريين عند ضغوطات مثيلة حدثت في الستينيات”.

من يدفع الثمن؟
في اللغة تقشف تعنى تَقَشَّف فلانٌ؛ أي ترك الترفُّهَ والتنعُّم وتقشف في لباسه واكتفى بالخشن البالي الوسخ وساء حاله وضاق عيشه وصار في بَساطَةٍ من العَيْشِ وَانْصِرافٍ عَنِ الْمَلَذَّاتِ والتَّنَعُّمِ. وأيضاً “دَخَلَتِ البِلادُ في مَرْحَلَةِ التَّقَشُّفِ”؛ أَيْ تَرْكُ الإِسْرَافِ والاسْتِهْلاكِ والاكْتِفاءُ بِما هُوَ ضَرُورِيٌّ.

وفي علم الاقتصاد هو مصطلح يشير إلى السياسة الحكومية الرامية إلى خفض الإنفاق وغالباً ما يكون ذلك من خلال تقليص الخدمات العامة وتلجأ الحكومات إلى الإجراءات التقشفية بهدف خفض العجز في الموازنة، وغالبا ما تترافق خطط التقشف مع زيادة الضرائب.

وفي الاصطلاح السياسي: برنامج حكومي ذو طابع اقتصادي، يستهدف الحد من الإسراف من زيادة الإنفاق على السلع الاستهلاكية؛ وتشجيع الادخار، والعمل على مضاعفة الإنتاج؛ علاجاً لأزمة اقتصادية، تمر بها البلاد.

ورغم أن الشعب المصرى لا ينطبق عليه ما يقال عن رغد العيش والترف في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة وارتفاع نسبة الفقر والبطالة وتردي الخدمات التعليمية والصحية إلا أننا نطالبه بالتقشف والثابت إنه عند التطبيق العملى لهذه الإجراءات فإن المتضرر الوحيد منها هم محدودي الدخل.

وفى تقرير لرويترز قال باحثان إن التقشف له تأثير مدمر على الصحة في أوروبا وأمريكا الشمالية حيث يؤدي للانتحار والإصابة بالاكتئاب والأمراض المعدية ويقلل من إمكانية الحصول على أدوية وعلاج.

وفي سرد تفاصيل أبحاث استمرت عشر سنوات نشرت نتائجها قال ديفيد ستكلر، أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة أكسفورد، وسانجي باسو، أستاذ مساعد في الطب وعلم الأوبئة في جامعة ستانفورد، إن النتائج التي توصلا إليها تظهر أن التقشف له تأثير سيء بشكل خطير على الصحة.

ويقول الباحثان إنه تم تشخيص أكثر من 10 آلاف حالة انتحار وما يصل إلى مليون حالة اكتئاب خلال ما أطلقا عليه «الكساد العظيم» وما صاحبه من تقشف عبر أوروبا وأمريكا الشمالية.

وفي اليونان، تزامنت تحركات مثل خفض ميزانية الوقاية من فيروس «إتش.إي.في» المسبب للإيدز مع ارتفاع معدلات الإصابة بالفيروس بنسبة تزيد على 200% منذ عام 2011 وذلك إلى حد ما نتيجة زيادة تعاطي المخدرات في سياق نسبة بطالة تبلغ 50% بين الشبان.

التقشف الذي يدعو إليه مترفو العيش يدفع ثمنه دائماً الفقراء وهو إحدى شروط صندوق النقد الدولي لإقراض أي دولة؛ حيث يشترط أن تقدم برنامج إصلاح اقتصادي يعتمد على خفض عجز الموازنة ورفع دعم الطاقة وفرض ضرائب جديدة لزيادة الإيرادات.

زيادة الأجور وخطط التقشف.. لا يتفقان
في موازنة العام المالي الجاري بلغ إجمالي الدعم المقدم من الدولة 205.5 مليار جنيه وذلك وفقاً للأرقام الحكومية الرسمية، منها 160.1 مليار للدعم فقط موزعة بين 100 مليار دعم للمواد البترولية، متوقع أن ترتفع إلى 140 مليار حيث كانت في العام المالي السابق 130 مليار يذهب معظمها إلى المصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة والتي تبيع منتجاتها بالسعر العالمي رغم حصولها على دعم من جيب المواطن.

هناك أيضاً 30.8 مليار جنيه دعم للسلع التموينية و2.9 مليار دعم للمزارعين، و3.1 مليار دعم لتنشيط الصادرات، و13.2 مليار دعم للكهرباء.

فيما يقول أحمد جلال وزير المالية المصري أن الوزارة “لن تتخذ إجراءات تقشفية كبيرة وتنوي بدلاً من ذلك العمل على تحفيز الاقتصاد بأموال جديدة”، فالوضع الاقتصادي في ظل عجز موازنة وصل منذ يناير الماضي إلى نحو 3.2 مليار دولار شهرياً أي ما يعادل تقريباً نصف جميع الإنفاق الحكومي، مؤكداً أن “الحكومة قد تلجأ إلى إجراءات تقشفية لتغطية هذا العجز”.

وقال جلال إنه بدلاً من زيادة الأجور والنفقات الجارية الأخرى، فإن الحكومة تخطط لتحفيز الاقتصاد من خلال استثمارات وخصوصاً بالانتهاء من المشاريع الحالية ومشروعات للبنية التحتية مثل المياه والصرف الصحي والطرق والجسور، وستركز على المشاريع كثيفة العمالة يستفيد منها الفقراء.

التقشف الذي يدعو كثيرون إلى تطبيقه على المواطنين لا نراه في مواكب الوزراء ومسئولي الدولة أو في أجور ومرتبات الوزراء ورؤساء مجالس الإدارات والشركات القابضة، بجانب عدد المستشارين داخل الجهاز الإداري للدولة، بالإضافة إلى شراء مستلزمات أو أثاث أو سيارات جديدة للجهات الحكومية، ما قد يوفر للدولة ما يقرب من 30 مليار جنيه وفق دراسات اقتصادية، بجانب تحصيل المتأخرات الضريبية والتي تتعدى 34 مليار جنيه، وإلغاء عمل المستشارين سواء للرئيس أو داخل الوزارات بسبب أجورهم الخيالية وتطبيق الحد الأدنى للأجور عليهم.

المهللون لفرض إجراءات تقشفية لا يقدمون لحكومة الببلاوي العاجزة سوى الحل السهل لإنقاذ الاقتصاد على حساب الفقراء بدلاً من التوجه نحو فرض حد أقصى للأجور أو هيكلة منظومة الدعم واستبعاد الفئات غير المستحقة وترشيد الإنفاق الحكومي على الرفاهيات، ولا أحد يتحدث عن زيادة ميزانية وزارة الداخلية بقيمة 5 مليارات جنيه ذهبت إلى جهاز الشرطة فقط، حتى من دون باقي قطاعات الوزارة، ولكن يتحدثون في التقشف عن دعم الخبز ودعم البوتاجاز باعتبار أصحابها لا يشتكون أو أنهم سيقتنعون بحجة الدولة في حربها على “الإرهاب” والصبر على البلاء انتظاراً للفرج.