بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الجوع في زمن الوفرة

3000 مليون شخص يعانون من سوء التغذية في جنوب الصحراء الأفريقية، هذا هو الرقم المتوقع في عام 2010 بينما كان يعتبر في الفترة من 1988 إلى 1990 حوالي 175 مليون شخص. أما نصيب الفرد من الغذاء في نفس المنطقة فمن المتوقع أن يصل لـ 2170 كالوري يوميًا عام 2010 بينما يتوقع أن يكون 3470 كالوري يوميًا في الدول المتقدمة. أما جنوب أسيا فمن المتوقع أن يبلغ نصيب الفرد فيها من السعرات الحرارية يوميًا عام 2010 حوالي 2450 سعر حراري، مع وجود 195 مليون شخص يعانون من نقص تغذية حاد، بينما في وقتنا الحالي يقدر عدد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية حوالي 96 مليون طفل. وتتوقع تقديرات منظمة الفاو أن يرتفع صافي استيراد الدول النامية من الغذاء من 90 مليون طن متري في أعوام 1988 – 1990 إلى حوالي 160 مليون طن متري بحلول عام 2010 هذا بافتراض استطاعة هذه الدول توفير الموارد المالية اللازمة لذلك وهو بالطبع أمر مشكوك فيه لتبقى ملامح الكارثة واضحة. لا تعني هذه الأرقام أن أزمة الغذاء والجوع هي فقط أزمة مستقبلية، فالأزمة أو بالأحرى المأساة هي أمر واقع يعيشه حاليًا ملايين الفقراء في العالم ولنحاول معًا رصد ملامح هذه الكارثة.

في أواخر عام 1996 (نوفمبر 1996) تنبهت المنظمة الدولية للأغذية والزراعة (الفاو) إلى أن أكثر من 840 مليون نسمة منهم 200 مليون طفل تحت سن الخامسة يموتون بسبب الجوع سنويًا (طبقًا لإحصائيات عام 1992). لذلك قامت المنظمة في منتصف شهر نوفمبر 1996 بعقد مؤتمر حافل في روما تحت عنوان “مكافحة الجوع” حيث حضره ممثلين على أعلى المستويات من جميع دول العالم. وبينما يموت 35 ألف شخص يوميًا. نصفهم من الأطفال – بسبب الجوع، تناقش الحاضرين في جميع جوانب المشكلة وقلبوها على كل الأوجه ليخرجوا في النهاية بنتائج مبهرة. منها ما أكده المبعوث الأمريكي من أن “النقص في التغذية لا يشكل انتهاكًا لحقوق الإنسان” وليوصي المؤتمر بناءًا على ذلك بتقليل عدد الجوعى إلى النصف عام 2015 فعلى الجوعى في العالم إذن الاطمئنان والنوم قريري الأعين حتى عام 2015 عندما توضع التوصيات العنترية للمؤتمر محل التنفيذ هذا المؤتمر بنقاشاته وتوصياته هو مثال على نوعية النقاشات والتوصيات والإدعاءات التي تدور على المستويات الرسمية والتي تنقلها لنا أجهزة الإعلام البرجوازي في محاولة لبث وعي زائف وللترويح للإدعاءات البرجوازية حول أسباب الجوع ومشاكل سوء التغذية في العالم وحول طرق القضاء على هذه المشاكل.

أول هذه الإدعاءات هو ما يتعلق بفكرة عدم وجود غذاء كافي ونقص الموارد الطبيعية في العالم!! بما يعني أن انتشار المجاعات وسوء التغذية في العالم أمرًا طبيعيًا!! ولعل أبسط ما يوصف به هذا الادعاء هو “السفالة” فما بين 1982 و1983 التي عانت أثناءها دول العالم الثالث من آثار الركود الاقتصادي وأزمة الديون والتي طاردتنا أثناءهما صور الأطفال ذوي البطون المنتفخة على شاشات التليفزيون، بسبب الجوع. في نفس هذا الوقت ارتفع مخزون اللبن البودره الغني بالبروتينات من 576.000 طن إلى 916.000 طن. وخلال العام التالي ارتفع هذا المخزون ليصل إلى حوالي مليون طن. بينما تضاعف مخزون الزبد في نفس الفترة ليصبح 622.000 طن بعد أن كان 3.6000 طن وفي عام 1992 كان مخزون الحبوب في العالم قد وصل لـ 200 مليون طن، بينما شهد النصف الأول من عام 1991 معاناة 27 مليون شخص – في منطقة الساحل والقرن الأفريقي – من عذاب الموت البطيء بسبب الجوع. وبينما يقتل الجوع سنويًا من 18 إلى 20 مليون شخص كل عام وبينما يعاني 100 مليون شخص من سكان أفريقيا – البالغ عددهم 520 مليون شخص – من عدم حصولهم على الغذاء الكافي يتزايد مخزون الغذاء العالمي ويرتفع باضطراد.

السبب وراء هذا التناقض العجيب يكمن في طبيعة النظام الرأسمالي والسعي المحموم وراء الربح وفي هذا السياق وفي ظل قانون العرض والطلب تحول الغذاء وهو أبسط الحقوق الإنسانية إلى “سلعة” يجب المحافظة على قيمتها القياسية وضمان عدم انخفاض سعرها عن حد معين ضمانًا لاستمرار تحقيق الأرباح المنشودة وفي هذا الإطار نجد أن الدول الرأسمالية الكبرى تتفق مبالغ طائلة – ليس في إنتاج الغذاء – ولكن في منع أسعار المواد الغذائية من التراجع عن حد معين. حيث تقوم حكومات دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا بدفع دعم كبير لمزارعيهم في مقابل عدم قيامهم بزراعة أرضهم، كذلك تقوم هذه الحكومات بشراء كميات كبيرة من سلع موجودة بوفرة بهدف تخزينها أو التخلص منها للمحافظة على أسعارها وهو ما تمكن دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية أن ترفع سعر القمح من 157 دولار للطن عام 1995 إلى 271 دولار عام 96 أي بزيادة قدرها 144 دولار في الطن وذلك حيث قامت بتخزين 200 مليون طن من القمح تاركة الملايين يموتون جوعًا.

وإذا كنا قد تحدثنا عن إدعاء البرجوازية الكاذب بأن عدم توفر غذاء كافي في العالم هو سبب الجوع فلا بد لنا من التطرق للسبب المفضل الذي تطاردنا به وسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم وخاصة في مصر مؤكدة أنه سبب كل المشاكل التي نعاني منها وخاصة الفقر ألا وهو الازدياد في عدد السكان. لعل أفضل رد على هذا الادعاء هو ما تؤكده التقديرات والدراسات العلمية من أن زراعة 44% من أراضي العالم القابلة للزراعة يمكن أن يكفي لإعاشة من 10 إلى 12 ضعف عدد سكان الأرض الحاليين. مما لا يمكن معه تفسير وجود ملايين البشر يموتون سنويًا بسبب الجوع بادعاء ازياد عدد السكان، فعدم العدالة في توزيع المواد هو في الواقع السبب الحقيقي في وفاة هؤلاء البشر، فكما تشير الإحصائيات منذ 30 عام ومعدل إنتاج الطعام يسبق معدل النمو السكاني بـ 16%. وإذا نظرنا لمصر على سبيل المثال لاتضح لنا بشكل أكبر أن المشكلة تكمن في واقع الأمر في كيفية توزيع الموارد المتاحة وليس في الزيادة السكانية كما تؤكد أبواق دعاية الحكومة ويكفي أن ننظر لبعض المؤشرات الدالة على عدم صحة هذا الادعاء. ففي عام 1995 بلغ إنفاق مصر على الدفاع ما يوازي 2417 مليون دولار أمريكي وفي عام 90، 91 بلغ حجم الإنفاق العسكري 52% من حجم الإنفاق على التعليم والصحة معًا. وفي عام 1985 بلغ حجم الإنفاق العسكري 7.2% من إجمالي الناتج القومي بينما في نفس العام بلغ حجم الإنفاق العام على الخدمات الاجتماعية الأساسية 5.3% من إجمالي الناتج القومي. وفي ضوء هذه المؤشرات تتضح الصورة، فالزيادة المستمرة في عدد السكان في مصر سببها الرئيسي الفقر وما تمثله العائلة الكبيرة من إمكانية زيادة الموارد، كضمان اجتماعي للأبوين ضد الفقر. وهو ما يفسر لماذا تنتشر الزيادة في أعداد الأطفال بين الطبقات الدنيا في المجتمع. والسبب طبعًا ليس الجهل كما تدعي الدولة وإنما هو الفقر والاحتياج، الذي يجعل من كل طفل جديد، مورد جديد يضاف لموارد الأسرة ولا يختلف الوضع كثيرًا في دول العالم الثالث ذات نسب الزيادة السكانية المرتفعة، مما يعني أن سياسات تنظيم الأسرة التي تتبناها هذه الدول ليست هي الحل لمشاكل الجوع والفقر.

ما عرضناه سابقًا قد يجعل الصورة تبدو وكأن مشكلة الجوع في العالم هي مشكلة دول العالم الأول في مواجهة دول العالم الثالث وبأن هناك مؤامرة على شعوب العالم الثالث من قبل الدول المتقدمة وهو التفسير المفضل لمنظري مدرسة التبعية ودعاة التنمية المستقلة.

إلا أن واقع الأمر مختلف تمامًا، فمرة أخرى تؤكد الأرقام أن الفقراء في العالم كله هم دائمًا الضحايا ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال يوجد 30 مليون نسمة يعانون من الجوع وسوء التغذية. ذلك لا يمنع من وجود فارق كبير بين قوة اقتصاديات دول العالم الأول بالمقارنة بدول العالم الثالث بما يجعل عدد من يعانون الفقر والجوع أقل. لكن هذا الفارق لم يقض على الفقر في الدول المتقدمة لأن وجود الفقر في العالم كله كان وسيظل مرتبطًا بطبيعة النظام الرأسمالي والتفاوت الكبير في توزيع الموارد مهما ازدادت، بما يعني حتمية استمرار الفقر في العالم طالما استمرت الرأسمالية. ولعل أبسط مثل على هذا هو أيضًا الولايات المتحدة الأمريكية التي وبسبب رغبة رأسماليتها في الحفاظ على مصالحها الحيوية في منطقة الشرق الأوسط قادت الحملة العسكرية على العراق في النصف الأول من 1991، والتي كانت تتكلف فيها بليون دولار أمريكي يوميًا بينما كما ذكرنا آنفًا يوجد بها 30 مليون يعانون الجوع وسوء التغذية.

وإذا كانت نسب الجوع في دول العالم الثالث وأعداد من يموتون بسبب نقص الغذاء ترتفع كثيرًا عن مثيلتها في الدول المتقدمة. فهذا التفاوت في واقع الأمر هو الوجه الآخر للعملة. فبسبب طبيعة الرأسمالية التوسعية وسعيها الدائم وراء التراكم الرأسمالي اتجهت الدول الرأسمالية الأوربية في بداية ظهور الرأسمالية لاستعمار الدول الأقل تقدمًا بحثًا وراء المزيد من المواد الخام الرخيصة ولفتح أسواق جديدة لتصريف منتجاتها. لذلك قامت الدول الاستعمارية بعملية نهب منتظم ومستمر لهذه المستعمرات، وبالتالي تمت إعاقة نمو وتطور هذه الدول، وأصبح مستوى تطورها مرتبطًا باحتياجات الإمبريالية وبالتالي كان النظام الرأسمالي هو السبب الرئيسي وراء تدهور اقتصاديات دول ما أصبح يعرف الآن بالعالم الثالث واستمرت حالة اللاتساوي في النظام الرأسمالي العالمي سببًا وراء استمرار تخلف هذه الدول وشدة تأثرها بأزمات هذا النظام.

ومن هنا كانت الأزمة التي تعرض لها النظام الرأسمالي العالمي في بداية السبعينات هي السبب وراء التدهور الحالي في حالة سكان دول العالم الثالث وفي ارتفاع أعداد الموتى منهم بسبب الجوع. هذه الأزمة التي دفعت معظم دول العالم الثالث لتبني سياسات الإصلاح الهيكلي وجعلتها فريسة لصندوق النقد الدولي بقروضه وفوائدها. هذه السياسات الجديدة كان لها انعكاساتها المدمرة على أوضاع سكان العالم الثالث، حيث انخفض الإنفاق الاجتماعي بهذه الدول وتزايد معدل أزماتها الاقتصادية، مما عني مزيد من الطحن والاستنزاف لشعوبها من أجل حفاظ هذه الأنظمة الرأسمالية الهشة على وجودها.

وهكذا فالمجاعات ليست ظواهر طبيعية، ولا يمكن اعتبار الملايين من الموتى من ضحاياها في دول العالم الثالث كضحايا الفيضانات وغيرها من الظواهر الطبيعية المدمرة. في الواقع هم ضحايا عدم العدالة الاجتماعية، وضحايا حكوماتهم الساعية وراء الاندماج في الرأسمالية العالمية أو التي انهارت في أثناء سعيها هذا، هم ضحايا الرأسمالية المتقدمة التي تلقى باطنان الطعام في البحر حفاظًا على سعره مرتفعًا.

المستفيد الحقيقي إذن من وراء هذه المجاعات هم مالكي الأراضي (ثلاثة أرباع الأراضي الزراعية المملوكة لأشخاص متركزة في أيدي 2.5% من أصحاب الأراضي) الذين يحققون أرباحًا هائلة بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية. المستفيد أيضًا هو الاحتكارات الزراعية المتعددة الجنسية التي تحقق أرباحًا فلكية من وراء التجارة في الغذاء، والحكومات ومن بينها حكومات العالم الثالث التي تستفيد من المعونات الاقتصادية وتظل تطحن في شعوبها لاستخراج آخر قطرة من دمائهم غير مبالية لتساقطهم ضحايا الجوع.

وهكذا طالما استمرت الرأسمالية كنظام مهيمن، سيستمر الجوع وتستمر أعداد الضحايا في ارتفاع مستمر. الأمل الوحيد أمام الجوعى والفقراء والمستغلين في هذا العالم هو في قيام نظام آخر أكثر عدالة، عندما يتحكم العمال في وسائل إنتاج المواد الغذائية وفي توزيعها وعندما يسيطرون على موارد العالم الطبيعية ويوجهونها لخدمة البشرية.