بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الليبرالية الجديدة وتحول المواطن إلى زبون

مع اندلاع الأزمة المالية الحالية، دارت مناقشات كثيرة حول صلاحية المنطلقات الأساسية للنموذج الليبرالي الجديد، المتمثلة في الدور المحدود للدولة في الاقتصاد، ومزايا وتفوق ديناميكيات السوق الحر، والضرورة المزعومة للتحرير (المالي والاقتصادي) في عالم معولم. ومثل هذه المناقشات، التي تركّز على الجانب الاقتصادي لليبرالية الجديدة، تميل إلى إهمال النظر إليها كنموذج “سياسي”، قام ليس فقط بإعادة تشكيل الساحة الاقتصادية، بل أيضا بإعادة تشكيل الدولة والعلاقات بين الدولة والمجتمع.

وفي محاولة لإلقاء بعض الضوء على الجانب السياسي لهذا النموذج، الذي يرتبط ارتباطا عضويا بالأساس الاقتصادي المذكور، تنظر هذه المقالة إلى صعود الليبرالية الجديدة وما عناه هذا من حيث: طريقة الحكم، وإعادة هيكلة نظم الإنتاج، والعلاقات الاجتماعية بين مختلف الطبقات. وينتهي المقال بالإجابة عن السؤال التالي: هل يمكن إصلاح الليبرالية الجديدة – من خلال الدعم المالي و/أو التدخل الحكومي وإجراءات تنظيم السوق – للسماح بديناميكيات سلطة أكثر إنصافا وبدمج الأغلبية من الفقراء والكادحين؟

صعود الليبرالية الجديدة

بدءا من السبعينيات، أصبح التحول إلى نموذج التنمية والتراكم الرأسمالي المعروف باسم “الليبرالية الجديدة” هو اسم اللعبة في بلدان الشمال والجنوب. بدأ تطبيق النموذج في شيلي في ظل ديكتاتورية الليندي. ثم تم الدفع به في الولايات المتحدة في ظل إدارة ريجان، وفي بريطانيا تحت حكومة ثاتشر. وبدا أن النموذج لا يمكن وقفه. فقد ساعد عدد من التحولات في الاقتصاد السياسي العالمي على تعزيز هيمنته، ثم تمت صياغته بشكل نهائي فيما أطلق عليه “توافق واشنطن” .

حدث أول هذه التغييرات في عام 1970 مع نهاية قاعدة الدولار وظهور ظاهرة جديدة في الاقتصاد العالمي تعرف باسم “التضخم الركودي”، حين بدأ كثير من بلدان الشمال يتعرض لعَرَضين اقتصاديين متناقضين؛ التضخم والركود. ومع اقتران هذا بتراجع نموذج التصنيع للإحلال محل الواردات في بلدان الجنوب، بدأت الشكوك تتزايد حول صحة النموذج الكينزي ومنطلقه الأساسي فيما يخص التدخل المتزايد للدولة في عملية إنتاج وتوزيع الثروة.

ثم أدت أزمة النفط عام 1974 وما بعدها، إلى إعطاء مزيد من الأهمية لهذه المشاكل الاقتصادية، مما أدى بدوره إلى زيادة الأعباء الاقتصادية على بلدان الشمال، في الوقت الذي تم السماح لموجة من القروض غير المنطقية بالتوجه إلى كثير من بلدان الجنوب، وهو الأمر الذي أدى في النهاية إلى أزمة الديون. وهكذا، فبحلول 1982 اعتبرت الأزمة المكسيكية نقطة تحول هامة، عندما أعلنت الحكومة المكسيكية وقف برنامجها لتسديد الديون للدائنين الأجانب. وقد أدت أزمة الديون الناشئة، والتي تعتبر المكسيك أوضح حالة عليها، والتي مست غالبية السكان في البلدان النامية، إلى جملة من الأمور، منها تغيير جذري في أولويات وكالات الإقراض الدولية، من الاهتمام المعلن – بالرغم من محدوديته – بتخفيف حدة الفقر وتلبية الاحتياجات الأساسية للفقراء، إلى ضمان قدرة واستعداد البلدان المدينة على خدمة ديونها. ومن ثم، فإن التحول لم يكن فقط ناحية الهيمنة الأيديولوجية للنموذج الليبرالي الجديد، ولكن كذلك ناحية مضاعفة تأثير المؤسسات المالية الدولية (مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي)، وتأثير أقوى الدول في هذه المنظمات، وهي الولايات المتحدة وأوروبا بدرجة أقل، لكي يقوموا بإعادة هيكلة اقتصاديات، وبالتالي سياسات، الدول في جميع أنحاء العالم.

عكست السياسات الاقتصادية للبلدان النامية هذه التغييرات الجذرية تحت ضغط الأزمة الاقتصادية والمطالبات الملحة لوكالات الإقراض الدولية، مما اضطر الحكومات إلى اتخاذ حزمة من الإصلاحات التي تقوم على النموذج الليبرالي الجديد. ومن المثير للاهتمام أنه لم يتم تفسير كل هذه الأزمات والتحولات في بلدان الشمال والجنوب من قبل المؤسسات الدولية، أو من جانب مختلف النخب الحاكمة ووسائل الإعلام، كمؤشر على عيوب الرأسمالية بوصفها نظام، ولكن كذريعة للمزيد من الرأسمالية ولإطلاق العنان لقوى السوق! وأخيرا، ومع نهاية رأسمالية الدولة في الاتحاد السوفيتي السابق وأوروبا الشرقية في عام 1989، أعلنت نفس هذه الأوساط انتصار الرأسمالية على الطريقة الأمريكية وزعموا أنها “نهاية التاريخ”، كما أشار إلى ذلك فرنسيس فوكوياما الذي ينتمي إلى اليمين الأيديولوجي. أي أعلنوا ميلاد عصر أثبتت فيه الرأسمالية، وبخاصة الصيغة الليبرالية الجديدة منها، أنها النموذج الصالح الوحيد، اقتصاديا وسياسيا

وقد ركز النموذج الجديد، على نحو ما هو مصاغ فيما يسمى توافق واشنطن، على: (1) الإدارة المالية وخفض نفقات الدولة، (2) تراجع دور الدولة كفاعل اقتصادي ومورد اجتماعي (أي خصخصة الأصول العامة والخدمات)؛ (3) أسواق عمل مرنة؛ (4) التجارة الحرة، (5) التحرير المالي، (7) حماية حقوق الملكية؛ (8) الضرائب التنازلية. وقد كان النموذج واضحا وصريحا حول تعزيز تراكم الثروة على حساب التوزيع أو العدالة الاقتصادية. ولم يقتصر الأمر على هذا التغير الملحوظ في اقتصاديات معظم الدول، ولكنه أدى أيضا إلى تغيير وضعها السياسي. حيث قدمت الليبرالية الجديدة نظريات قيمية وظيفية حول السياسة والحكم، ودور الدولة، والهدف النهائي من العلاقة بين الدولة والفئات المختلفة.

وقد كان هذا التحول واضحا جدا في إعلان ثاتشر الشهير: “لا يوجد شيء يسمى المجتمع، لا يوجد سوى الأفراد”. لذلك، فإن الإصلاحات الليبرالية الجديدة لم تؤد فقط إلى تحول اقتصاديات العديد من البلدان النامية والبلدان المتقدمة صناعيا، ولكنها غيرت أيضا من بنيتها السياسية. وتحديدا، فقد أخضع مشروع الليبرالية الجديدة كل من المجتمع والدولة لديناميات السوق، من خلال ثلاثة مجالات رئيسية: 1) تهميش دور الدولة من خلال خفض إيراداتها ومهامها، 2) تغيير أنظمة الإنتاج بطريقة تزيد من تهميش الأغلبية حتى في ظل ظروف الديمقراطية الإجرائية، وأخيرا 3) إعادة تشكيل النخبة الحاكمة من ائتلاف من البيروقراطيين الحكوميين (بما في ذلك الجيش في بعض الحالات)، والطبقات المتوسطة، وإلى حد ما دوائر الأعمال، إلى ائتلاف يتضمن حصريا فئتي التكنوقراطيين وممثلي الشركات الكبيرة (سواء كانت محلية أو دولية).

وفي جميع هذه المجالات الثلاثة، كانت المعركة التي طرحها دعاة الليبرالية الجديدة دائما أيديولوجية بقدر ما هي مادية. ويدفعنا هذا إلى التساؤل عن الصلاحية الاقتصادية والسياسية للتغييرات المنشودة. على سبيل المثال، اعتبار أن القطاع الخاص أقل فسادا وأكثر كفاءة من القطاع العام. وكذلك تفكيك النظام القديم ماديا؛ على سبيل المثال عدم وجود صيانة للمصانع المملوكة للدولة بحيث تخسر، أو العمل على تخفيض الإعانات أو التوظيف المضمون، وذلك لوضع الجماهير تحت ضغط مخاطر متزايدة.

دولة منكمشة وتنافسية

وفقا للمعايير القيمية، فإن الليبرالية الجديدة هي تغيير في هيكل وصلاحيات الدولة إلى ما يطلق عليه البعض دولة المنافسة الوطنية، بمعني: دولة تتم فيها صياغة السياسات بأكملها (الاقتصادية والسياسية والاجتماعية) بهدف اجتذاب أكبر استثمار رأسمالي ممكن.

في هذا النموذج، فإن دور الدولة الداخلي يعتبر إما ‘تقييدي’ أو ‘تمكيني” للأفراد الذين يتنافسون في سوق مفتوح. وعلى الصعيد الدولي، فإن دورها هو التنافس في إطار من الاقتصاد العالمي، وتوفير ظروف أفضل للعمل وجذب المستثمرين، بغض النظر عن الكيفية التي تؤثر بها هذه الظروف على العمالة أو البيئة. وبالتالي، فإنه ليس من قبيل الصدفة أنه مع ظهور هذه الرؤية، بدأ العالم يعرف ظواهر مثل “المصانع كثيفة الاستغلال”، ومثل تركيز الصناعات الصحية الخطرة (مثل الأسمنت والأسبستوس) في بلدان الجنوب. وتبعا لذلك، فإن التركيز في هذا الخطاب الليبرالي الجديد يكون على نقطتين: أهمية دور الدولة كمحفز للنمو وليس للعدالة أو للتوزيع، ويتبع ذلك أهمية علاقاتها مع قطاع الأعمال، بالمقارنة بعلاقتها بالفئات أو الشرائح الاجتماعية الأخرى.

يمكن ملاحظة ذلك بوضوح في البيانات الصادرة عن حكومة رجال الأعمال المصرية الحالية، وكذلك حكومة الدكتور عاطف عبيد السابقة. حيث كان النظام يركز على إنجازاته في جذب الاستثمارات الأجنبية وتيسير مناخ الاستثمار، بغض النظر عن حقيقة أن مثل هذه الإنجازات المزعومة لم تترجم إلى ظروف معيشية أفضل للأغلبية من أبناء مصر، ولكنها اقترنت علاوة على ذلك بارتفاع مستويات الفقر. ويقود نفس المنطق بوضوح مسألة تغيير القوانين والسياسات الضريبية، وقانون العمل، والخدمات الاجتماعية (مثل الصحة والتعليم). حيث أن هذه القوانين والسياسات تغيرت بطريقة تعمل على الحد من النفقات والالتزامات على الشركات وزيادة التكاليف الاقتصادية والاجتماعية على معظم المصريين، لاسيما الطبقة العاملة. وهذا واضح أيضا في مسألة الشخصيات التي يختارها النظام المصري/ ليس فقط للتشاور بشأن تغير اتجاه الدولة، ولكن أيضا من يعينه في أهم مراكز صنع القرار، أي رجال الأعمال.

ومن الناحية الوظيفية، فإن الدولة كفاعل “نشط’ يتم تحديها في ظل النموذج الليبرالي الجديد من الناحيتين الاقتصادية والأيديولوجية. حيث يتم دفع رجال الأعمال وأنواع معينة من المنظمات غير الحكومية كي يكونوا مرشحين محتملين لتولي العديد من المهام التي سبق أن تولتها الدولة (مثل الخدمات الاجتماعية والدعم الاقتصادي). وماليا، ومع خصخصة الأصول المملوكة للدولة، وانسحاب الدولة من الإنتاج، والضريبة التنازلية، انخفضت إلى حد كبير عائدات الدولة وبالتالي نفوذها الاقتصادي، باستثناء بعض الدول الريعية. ومع اقتران هذا بالهيمنة الأيديولوجية للاقتصاد “النيوكلاسيكي” بتأكيده على الانضباط المالي وخفض ميزانية الدولة (طبعا باستثناء الجيش والأجهزة الأمنية!)، فقد كانت النتيجة هي فقدان الحكومات الوسائل والرغبة في السعي إلى تطبيق سياسات فعالة لمكافحة الفقر، أو سياسات اجتماعية واسعة النطاق وذات مستوى عال.

وبالمثل، أدى التركيز الأيديولوجي على فكرة أن “الدولة الصغيرة هي دولة فعالة”، بالإضافة إلى التخفيض المخطط في القوة الاقتصادية، وكذلك الضعف التاريخي، أدى مجمل كل ذلك إلى أن تكون معظم بلدان الجنوب، بما فيها مصر، صاحبة أجهزة دولة هي الأكثر ضعفا والأكثر عرضة للفساد والمحسوبية، من أي وقت مضى. وإنه ليس من قبيل المصادفة أن تصل مستويات ووتيرة الفساد إلى حدود لم يسبق له مثيل مع ظهور الليبرالية الجديدة، بدءا من عمليات النصب الشهيرة التي قام بها نواب القروض، إلى قضية يوسف عبد الرحمن في وزارة الزراعة، وهاني سرور وقضية أكياس الدم الملوثة، إلى مختلف الاحتكارات في جميع القطاعات الاقتصادية. ومن ثم، فإن تقلص القدرة الاقتصادية للدولة لم يؤد فقط إلى إضعاف المستوى المعيشي للغالبية، ولكن الأهم من ذلك أنه يحد من قدرة الدولة على الاضطلاع بدور سياسي أكثر توازنا لمصلحة هذه الأغلبية.

المواطن باعتباره زبون

بالنظر إلى الأساس الأيديولوجي للنموذج، فإن الليبرالية الجديدة لا تقتصر فقط على فرضية اختزالية حول الإنسان الاقتصادي: فكرة أن البشر كائنات اقتصادية تحركها رغبتها في تعظيم مكاسبها، ولكنها تمثل أيضا فهما خاصا للغاية لليبرالية السياسية. وبحسب راولز ودوركين، وهما اثنين من أكثر الكتاب انتشارا في فلسفة الليبرالية الحديثة السياسية، فإن هناك مفهومين جوهريين يتعلقان بالليبرالية؛ الأول هو “الاهتمام والاحترام المتساوي لجميع المواطنين”، والثاني هو دور الدولة في ضمان “استقلالية” المواطنين في اختيار ومواصلة مشاريع حياتهم. وفي ظل الخطاب الليبرالي الجديد، فإن هذين المبدئين قد فهما على أنهما يعنيان حيادية الدولة، وعلى أن فكرة العدالة الاجتماعية والاقتصادية هي نتيجة وليست هدفا من أهداف السياسات الاقتصادية الكلية والتشكيل السياسي للدولة، وخاصة أن “مبدأ المساواة في الاهتمام والاحترام” لا يذكر شيئا عن المستوى المناسب لطموح الدولة فيما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والتوزيع والضمان الاجتماعي. فقد يقترن هذا المبدأ بدرجة عالية من سياسات دولة الرفاهة الشاملة، أو بحد أدنى من الرعاية. وهكذا، فإن التركيز على الاستقلالية الفردية والاحترام المتساوي في ظل هذا النموذج أصبح يعني أن كل فرد يجب أن يكون مسئولا عن سلامته ويتحمل المسؤولية، مهما كانت النتائج التي تأتي من المنافسة في السوق المفتوح، أو كما نقول بالعامية: “معاك قرش، تسوى قرش”، مع التجاهل التام لحقيقة أنه لتمكين المواطنين من صياغة ومتابعة مشاريع حياتهم، وحتى يتمكنوا من الحصول على المساواة في الاهتمام والاحترام، فإن ذلك يستدعي تدخل الدولة لتعديل الكثير من الأوضاع الهيكلية وتمهيد الساحة السياسية.

وعلى النقيض من المراحل السابقة للتطور الرأسمالي، تلك المراحل التي شملت فيها حقوق المواطنة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية وليس فقط الحقوق المدنية أو السياسية، وفي ظل الليبرالية الجديدة ومع التغيرات التي جرت مناقشتها أعلاه، حرمت غالبية السكان في جميع أنحاء العالم من كثير من حقوق المواطنة السابقة. وفي هذا الصدد، فإن مصر ليست استثناء. فإن فكرة تخفيض الإعانات وإهمال التعليم الذي اعتاد “الجمهور أن يكون مجانيا”، والتركيز على جودة خدمات الرعاية الصحية داخل القطاع الخاص بدون ما يعادلها في القطاع العام، هي كلها دلائل على هذا التحول من المواطن إلى الزبون. فهؤلاء الذين يمكنهم شراء السلع والخدمات (بما في ذلك التعليم، والرعاية الطبية، والمأوى… الخ) هم “أحرار ومتساوون” في أن يختاروا من بين ما يقدمه السوق، بينما هؤلاء الذي لا يمكنهم، نظرا لفقرهم، شراء حقوقهم من خلال سوق، فهم أيضا “أحرار”، حتى وإن كانت حريتهم تعني الخروج من الحياة.

وبالمثل فإن مبدأ “الاستقلالية الفردية” الذي أكد عليه النموذج الليبرالي الجديد لا يعني فقط أن كل شخص مسئول عن العناية بنفسه دون اعطاء أي اعتبار لاختلاف القدرات الاقتصادية بين هؤلاء الأشخاص، ولكنه يعني أيضا استبعاد أي شكل من أشكال التنظيم أو التحرك الجماعي. بعبارة أخرى، فإن الأفراد أحرار ومستقلون في اتخاذ خياراتهم كمستهلكين ومنافسين، ولكنهم مجبرون على الابتعاد عن تنظيم نضال سياسي من أجل المطالبة بحقوقهم. وبالمقابل، فإنه يتم تشجيعهم على إيجاد سبل أو آليات للتكيف مع ديناميكية السوق غير المنصفة لهم. ويتم توجيه طاقات المواطنين بعيدا عن “المطالبة” بالحقوق، سواء عن طريق النضال السياسي، أو المشاركة في أنشطة المجتمع المدني، وناحية السعي للبحث عن البقاء على أساس فردي. على سبيل المثال، بدلا من أن يكون العامل عضوا ناشطا في نقابة ما، فإنه يسعى إلى وظيفة إضافية لمساعدة نفسه في توفير الخدمات التي كانت تتم برعاية الدولة في السابق.

وفي هذا الصدد، فإن أي مراقب للحكومة المصرية يجد تناقضا واضحا بين خطاب الحكومة حول ضرورة أن يكبر الشعب المصري، أو كما ذكر رئيس الوزراء نظيف أن “المصريين يجب أن يفطموا”، وكيف أن نفس الحكومة والنظام يضربان بيد من حديد على التحركات العمالية للمطالبة بالحقوق. فنحن نرى كيف أن مسئولي النظام وكتبته يهاجمون أي محاولة لتنظيم السوق في ظل خطاب حرية الاستثمار، في الوقت الذي يرفضون فيه تماما الجانب الآخر من هذه المعادلة – في ظل أكثر النظم تبنيا للرأسمالية – وهي حرية التنظيم. وردود الفعل التي ظهرت مؤخرا تجاه النقابة المستقلة لموظفي الضرائب العقارية هي مثال على هذا. وبعبارة أخرى، فإن المستثمرين لهم مطلق الحرية في التعيين والفصل وشراء وبيع ما يريدونه، ولكن الجماهير ليست حرة ولا مستقلة في البحث عن والحصول على مصالحها بصورة جماعية.

إسكات الأغلبية

مجموعة أخرى من التغيرات الهامة، عدا الخطاب الاجتماعي والثقافي، أثرت بصورة مباشرة على العلاقات بين الدولة والمجتمع في إطار الليبرالية الجديدة. هذه المجموعة تشمل التغييرات في: نظام الإنتاج، أي أنماط الإنتاج والاستهلاك والتراكم، ومحاور وأنماط الصراع والتوسط والتنظيم للتحركات الجماعية. فأولا، أدت إعادة الهيكلة في إطار الليبرالية الجديدة إلى تغيير الأوزان النسبية لمختلف الطبقات والقطاعات، مما أدى إلى تغيير في علاقات القوة التي تنعكس بالضرورة على المجتمع. كما أن التغيرات في نمط الإنتاج عنت انخفاضا في أهمية العمل المنظم في مواجهة الطبقة الرأسمالية. فالخصخصة وانسحاب الدولة من الإنتاج كان معناهما تقليصا في حجم القطاع القائد في الطبقة العاملة، وذلك من خلال تفتيته في صورة عمالة مؤقتة بدون أمان وظيفي في منشآت القطاع الخاص، أو من خلال تحوله إلى الاقتصاد غير الرسمي. وهذا معناه استبعاد العمالة المنظمة، التي لعبت دورا هاما في إطار نماذج التنمية السابقة في الستينيات، من لعب أي دور في تشكيل السياسة العامة.

في الاقتصاديات الموجهة للتصدير يتجه الإنتاج نحو الأسواق الدولية، وإلى استهلاك الفئات والطبقات المتصلة جيدا بدوائر رأس المال العالمي. في هذا النموذج، لا يعير الرأسماليون التفاتا إلى القوة الشرائية والقدرة الاستهلاكية للطبقات العاملة، وكذلك إلى الأنشطة الاقتصادية لأعداد كبيرة من المؤسسات متناهية الصغر والصغيرة ومتوسطة الحجم. ونتيجة لذلك، فإن قطاعات كبيرة من هذه الفئات أصبحت مضطهدة أو مهمشة تماما بسبب عملية التكيف الهيكلي الليبرالي الجديد.

وعلى الجانب الآخر، فإن القطاع الخاص أصبح يُنظر إليه وفقا لهذه الفلسفة على أنه العامل الرئيسي للنمو، بينما انسحبت الدولة من عمليات الإنتاج، وقامت في هذا السياق ببيع معظم أصولها الإنتاجية، مما أدى إلى زيادة سوء توزيع الثروة. وهكذا، فإن الدولة أصبحت تعتمد أكثر من أي وقت مضى على القطاع الخاص بوصفه مركزا للنمو. ونتيجة لذلك، فبين عام 1970 وحتى التسعينيات، فقدت الاتحادات والنقابات كثيرا من قوتها السياسية، وقامت الشركات الكبيرة ببناء هيكلها الإداري وتخفيض عدد الوظائف الأقل شأنا، بينما حصل أصحاب رؤوس الأموال على سلطة أكبر في إدارة الشركات وأصبحت الحكومات أكثر تعاطفا مع رأس المال. وقد نتج عن هذا الانخفاض في أهمية الطبقة العاملة، باعتبارها حليفا ضروريا لتحقيق الاستقرار والشرعية للدولة، أنظمة جديدة في الأجور والتفاوض بين العمال وأصحاب الأعمال تمنح مزيدا من السلطة لأصحاب العمل وسلطة أقل للعمال والنقابات العمالية – هذا إذا كانت تلك السلطة موجودة في المقام الأول. بالإضافة إلى ذلك، فإن اختلال التوازن الناتج عن ذلك بين الدولة والقطاع الخاص، وبين رأس المال واليد العاملة، بسبب تحرير الاقتصاد والخصخصة، قد عرّض الالتزام من جانب نخبة الحكم بسياسات العدالة الاجتماعية للخطر.

ثانيا، مع تراجع عمالة القطاع العام في ظل الليبرالية الجديدة، كان هناك صعود في الاقتصاد غير الرسمي، وهو القطاع غير المنظم الذي انتشر وتجزأ بحيث تجاوز عدد العاملين فيه عدد العاملين في القطاع الرسمي من الاقتصاد. ونظرا لتنوع طبيعة هذا القطاع، من حيث المهن والتوزيع الجغرافي، فإنه من الصعب على العاملين به تنظيم أنفسهم، مما يجعلهم فريسة للتهميش والسيطرة، ويجعل أهميتهم النسبية في أي تحالف سياسي أقل بكثير. وقد انعكس هذا التغير في القوة النسبية لمختلف الأطراف، على إمكانيات العمل الجماعي من جانب الطبقة العاملة – الطبقة التي تشكل غالبية المجتمع. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن العمال في تعريفنا لا يضمون فقط ذوي الياقات الزرقاء أو الأفراد العاملين في المصانع، بل كل من يبيع جهده مقابل حد أدنى من الأجر. وأخيرا، فإن أثر هذه التغيرات الاقتصادية والاجتماعية في شأن إسكات الأغلبية، قد تضاعف بسبب الخطاب الاجتماعي الثقافي الذي تتبناه الليبرالية الجديدة، ذلك الخطاب الذي يؤكد على أهمية الإنجاز المادي وفهمه على أنه نتيجة جهود ونجاحات فردية مستقلة عن أية أوضاع هيكلية.

التفوق التكنوقراطي والحلول التقنية

آخر الخصائص السياسية التي يتحمل الجماهير عبئها لسياسة الليبرالية الجديدة، هو التغيير في النخبة الحاكمة، ليس فقط من خلال انحيازها الذي لم يسبق له مثيل إلى جانب الرأسماليين الكبار، وهو أمر ناقشناه أعلاه، وإنما أيضا من خلال التحول إلى ما يسمى مبدأ تقديس التكنوقراطية والتكنوقراطيين. إن طريقة عمل المنظور التكنوقراطي الليبرالي الجديد هو عزل صنع القرار، حيث تصبح عملية صنع السياسات تخص فقط التكنوقراطيين والخبراء، مع إبعادها أكثر فأكثر عن مختلف قطاعات المجتمع، باعتبارهم ممثلين لمصالح “فرعية وجزئية”. هذا المنهج يؤدي بالتعريف إلى استبعاد الفئات الأقل قوة من توجيه السياسة العامة لصالحها. وكما ذكر ديفيد هارفي: “إن الليبراليون الجدد… يشكّون في الديمقراطية إلى حد بعيد.. فالحكم بواسطة الأغلبية يعد تهديدا محتملا لحقوق الفرد”.

وفي مصر، هذا يعني أمرين: 1) التحول من الشراكة الشعبوية بكل ما عنته من مكاسب مادية – بالرغم من تفاهتها – حققتها أوسع قطاعات اجتماعية؛ و2) الانتقال من بيروقراطيي الدولة إلى التكنوقراطين كواجهة أساسية لصنع السياسة. وهكذا ففي ظل الليبرالية الجديدة كان هناك تحول من سياسة إدماج قطاعات المجتمع المهمة من خلال المنح المادية المقدمة للمؤسسات الجماعية التي تسيطر عليها الدولة، مثل النقابات الحكومية، وتعاونيات المزارعين، والاتحادات الطلابية، وهي مؤسسات رغم كونها غير ديمقراطية وغير شاملة بما فيه الكفاية، إلا أنها كانت مضطرة لتقديم منافع مادية لأعضائها، مثل إعادة توزيع الأراضي والحيازات الصغيرة على المزارعين، ومثل الإعانات والوظائف الدائمة للعمال والموظفين، ومثل الخدمات الاجتماعية المجانية.

علاوة على ذلك، فقد ضمنت هذه المؤسسات على الأقل الحد الأدنى من استجابة الدولة تجاه هذه القطاعات المهمة في المجتمع. ولكن مع ظهور الليبرالية الجديدة، فإن هذه الآليات الشعبوية، التي لم تكن أصلا كاملة أو جيدة، أصبحت غير مقبولة اقتصاديا بسبب تقلص عائدات الدولة، وغير مقبولة سياسيا لأنها مكلفة وغير فعالة. بدلا من ذلك، فإن النموذج الجديد الذي يرعى مصالح القلة بدأ في تفكيك هذه الجهات، أو على الأقل إلغاء مزاياها المادية وأهميتها السياسة، مع محاولة الحفاظ على سيطرتها السلطوية على مختلف قطاعات المجتمع. على سبيل المثال، توقفت النقابات العمالية في الدولة عن منح العمال مزايا وأرباح مادية، ولكنها استمرت في إجبارهم على قبول ترك وظائفهم (المعاش المبكر) وقبول المزايا المخفضة والتخلي عن الحق في الإضراب. والأهم من ذلك، أن قضايا مثل الفقر والتعليم والسياسة الاجتماعية والاستراتيجية الاقتصادية أصبحت مجرد مسائل فنية تتطلب تغييرات/إصلاحات إدارية أو تقنية محدودة، ولم تعد تعتبر قضايا سياسية عميقة تتطلب إجراء تغييرات هيكلية. وباختصار، فإن منطق الليبرالية الجديدة هو إلغاء تسييس الأمور التي تعد بالتعريف مسائل تتعلق بالسلطة، واختزالها إلى مشاكل فنية. ومن ثم، وكمجرد مثال على ذلك، فإن مسألة الإعانات أو مجانية التعليم أصبحت قضايا إعادة برمجة وليست مسائل تتعلق بتوزيع الموارد في المجتمع.

هذا التحول كان يبحث عن منفذيه الجدد المخلصين للمهمة. من هنا أصبح التكنوقراطيون، ومعظمهم ذوو تعليم أجنبي وغير مسيسين، ولديهم خبرة في مجال فني محدود للغاية، هم قوام طبقة المسئولين السياسيين، وحلوا محل الطبقة المتوسطة من البيروقراطيين والسياسيين التي لعبت أدوار الإدارة السياسية في عصور سابقة.

وفي الحالة المصرية، فإن هؤلاء يتركزون في لجنة السياسات في الحزب الحاكم التي تم تأسيسها حديثا. فكّر في أسماء مثل جمال مبارك، يوسف بطرس غالي، محمود محيي الدين، محمد كمال، وأسماء كثير غيرها. ما هي المؤهلات والخبرة السياسية التي يمتلكونها؟ جميعهم كانوا مجهولين من الناحية العملية، ودون أي وظائف سياسية، حتى أصبحوا فجأة كبار من كبار واضعي السياسات على أساس أنهم “خبراء”، كل في مجال اختصاصه.

الطريف أن هذه الدائرة التكنوقراطية الشريرة لا تتوقف عند هؤلاء المسئولين الكبار. فكل شخص من هؤلاء “الكبار” يحيط نفسه/نفسها بمجموعة من المستشارين والمساعدين الذين هم أساسا تكنوقراطيين صغار. هذا وقد حلت محل الصورة القديمة لوكيل الوزارة الموظف الحكومي، الذي يتلقى مرتبا جيدا ويركب سيارة نصر أو فيات 128 يقودها سائق من الوزارة، ولكنه رغم ذلك يعاني في محاولته لتحقيق الكفاية المادية، وأحيانا يلجأ إلى الفساد المقنع (الرشوة) من أجل دفع نفقات الأسرة؛ نقول حلت محل هذه الصورة صورة “المكتب الفني للوزير”، واللجان غير الحكومية المكونة من شباب الطبقة العليا من خريجي الجامعة الأمريكية وغيرها من الجامعات الأجنبية برواتب لا تصدق. راتب كل من هؤلاء الشباب التكنوقراطيين لا يعادل فقط راتب ما لا يقل عن 20 من خريجي الجامعات الوطنية الذين لا يتم توظيفهم من قبل الدولة بحجة ترشيد النفقات الحكومية، ولكن الأهم من ذلك أنهم ينفصلون تماما عن الجماهير/غالبية المجتمع بفضل اختلاف التعليم والمكانة الاجتماعية ونمط الحياة الراهن. وأخيرا، فإن هؤلاء التكنوقراطيين في جميع أنحاء العالم غالبا ما يكونون خريجين جامعات أقصى اليمين (مثل جامعات شيكاغو أو إلينوي أو جونز هوبكنز في الولايات المتحدة)، وهم يتلقون تدريبا أيديولوجيا تكنوقراطيا محدودا يميلون إلى اعتباره قمة التعليم العلمي الأكاديمي.

الخاتمة

في حين أن المدافعين عن النموذج الليبرالي الجديد قد طرحوا التغييرات التي أتوا بها كعقيدة دينية (أو حقيقة مطلقة)، وليس كنموذج أيديولوجي كما هو الأمر في الحقيقة، فإنهم قد بشّروا بها أيضا باعتبارها تغييرات “محايدة طبقيا”. بيد أن التوجهات الاقتصادية لهذا النموذج، أو أسسه الفلسفية والسياسية، لم تثبت أبدا أنها محايدة طبقيا (والحياد الطبقي في السياسات الاجتماعية أصلا فكرة وهمية)، بل الحقيقة إنه أكثر انحيازا لمصالح الرأسماليين الكبار مقارنة بالنماذج/المراحل السابقة للتنمية الرأسمالية. فهذا النموذج لم يؤد فقط إلى إعادة هيكلة اقتصاديات العالم، ولكنه كذلك قام بتغيير ديناميات الدولة ومفاهيم المواطنة، والمجتمع، والفرد.

يؤدي بنا ذلك إلى الإجابة عن السؤال الأول الذي بدأت هذه المقال به: هل يمكن إصلاح هذا النموذج من الداخل؟ الجواب المختصر هو لا. حيث أن الليبرالية الجديدة مع ما تنطوي عليه من تحيز “كلاسيكي جديد” وفهم مختزل للإنسان وظروفه ولدور الدولة، مع ما يترتب على ذلك من آثار على كل جانب من جوانب حياتنا، لا يمكن إصلاحها لتصبح “أكثر إنسانية”.

لكن من المهم القول إنه كما أن تغيرات سابقة في الاقتصاديات الوطنية، والسياسة، والنظام الاقتصادي العالمي، أدت إلى صعود الليبرالية الجديدة، فإن تغييرات جديدة أخيرة في نفس هذه المجالات منحت الإنسانية فرصة للتغيير في اتجاه مضاد لليبرالية الجديدة. فالأزمة المالية العالمية وفشل نموذج الليبرالية الجديدة/ الكلاسيكي الجديد في إنقاذ الاقتصاديات الوطنية من الأزمات المتتالية (المكسيك 1994، آسيا 1997، روسيا 1998، الأرجنتين 2001، وأخيرا العالم بأسره 2008) أدت إلى اهتزاز الهيمنة الاقتصادية والتناغم الأيديولوجي لهذا النموذج، أي إلى تدميره بنيويا (في أساسه الاقتصادي)، وتدميره كذلك على المستوى الفكري (كفكرة ومفهوم). ومع ذلك، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن سقوط الليبرالية الجديدة سيكون تلقائيا أو أنها ستستبدل بنموذج أقل قسوة بدون الجهود الصادقة الدءوبة من جانب الذين تضرروا بسببها، أي من جانب غالبية سكان العالم.

وكبداية، فإن هناك حاجة لعكس الاتجاه الليبرالي الجديد/ الاختزالي التكنوقراطي الكلاسيكي الجديد وإعادة تسييس المظاهر السياسية، أي تفسير المظاهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على حقيقتها، أي كانعكاسات لتوزيع السلطة وعلاقات القوة في المجتمع. بعبارة أخرى، فإن المطلوب هو الابتعاد الهموم التكنوقراطية الصغيرة، وإعادة التأكيد على العلاقات السببية الهيكلية المشتملة على تقسيم واستخدام الموارد وتركيز أو توزيع السلطة.

وثانيا، من المهم أن نتذكر أن جزءا من عولمة النموذج الليبرالي الجديد كان، على عكس عصور التنمية الرأسمالية السابقة، بسبب عدم وجود خطاب بديل يشكك في هذا النموذج، مثل الماركسية، أو حتى الخطابات الديمقراطية الاجتماعية التي كانت موجودة في سنوات الخمسينيات والستينيات وأوائل السبعينيات. لقد ظهرت الليبرالية الجديدة في لحظة تاريخية لم يوجد فيها نموذج بديل آخر. ومن ثم، إذا كنا جادين بشأن استبدال الليبرالية الجديدة، يجب علينا أن نكون قادرين على توفير رؤية بديلة وفهم آخر للنظام العالمي. وبالنسبة للماركسيين على سبيل المثال، الذين أعتقد أنهم الأفضل استعدادا لمثل هذه المهمة، فإن الرؤية لا ينبغي أن تقوم على قراءة عقائدية لتراثنا، ولكن على فهم حي لعالمنا المعاصر.

الأمر الأخير الذي أعتقد أن الليبرالية الجديدة وأزمتها الراهنة توضحه لنا هو أن الرأسمالية، ذلك النظام الذي أنتج النموذج الكينزي الأكثر اعتدالا ونموذج الليبرالية الجديدة الأكثر قسوة، عرضة للأزمات بطبيعتها. ولم يكن لنموذج الليبرالية الجديدة أن يكون ممكنا بدون استنفاد النموذج الكينزي، وكذلك استنفاذ نموذج الدولة التنموية، الذين سادا في العالم بعد معاناة حربين عظميين وكساد كبير. وبالتالي، فإن فيما وراء الصورة الكينزية (اليسارية!) للرأسمالية، أو صورتها الليبرالية الجديدة (اليمينية)، تكمن حقيقة أهم هي أن الرأسمالية ذاتها معطوبة ولا تحقق مصالح البشر، وأن النضال ضدها، سعيا إلى عالم أكثر إنسانية، هو أمر ضروري وممكن.