بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

المعونة الأمريكية: لماذا؟ ولمن؟

أصبح في حكم المقرر الآن تقريبًا أن الحكومة الأمريكية ستخفض معونتها لمصر بنسبة 5% سنويًا على مدى عشر سنوات بدءًا من الميزانية القادمة (ميزانية عام 2000).

فبعد أن كانت التوقعات تشير إلى أن التخفيضات ستبدأ من الميزانية الحالية، تم تأجيل هذه الخطوة والتوقيع مؤخرًا على اتفاقيات برامج المساعدات الأمريكية لمصر للعام الجديد 1999 بدون تغيير يذكر عن السنوات السابقة (عدا زيادة طفيفة في حجم المساعدات راجعة إلى صرف جزء من الأول المتجمدة من حصة مصر في المساعدات خلال السنوات السابقة).

وتنتظر الحكومة الأمريكية موافقة الكونجرس على برنامج التخفيضات حتى يبدأ التنفيذ من العام القادم.

وقد أثار الجدل حول تخفيض المعونة زوبعة سياسية في مصر على مدى الشهور الماضية. إذ امتلأت الصحف الحكومية والمعارضة بتعليقات وتحليلات وسجالات حول المعونة ودورها، وحول الصلة بينها وبين استقلالية قرار الدولة المصرية.. إلى آخره من المسائل المرتبطة بوظيفة المعونة وبأثرها على السياسة المصرية.

وفي هذا التحقيق نقدم نقدًا للأفكار السائدة حول المعونة، مبرزين الموقف الاشتراكي الثوري من هذه المسألة في محاولة للإجابة على السؤال الأساسي: لماذا المعونة ولمن؟

تاريخ المعونة الأمريكية لمصر:
بدأت المعونة الأمريكية لمصر بعد الحركة الضباط الأحرار في عام 1952. حيث قام عدد من الخبراء الأمريكيين بزيارة مصر في فبراير 1953 في إطار مشروع النقطة الرابعة الذي أعلنه الرئيس الأمريكي هاري ترومان كإطار لبرنامج للمعونات موجه من الولايات المتحدة إلى الدول النامية، وذلك في سياق التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في ظل الحرب الباردة لكسب موطئ قدم في المناطق والدول التي تنسحب منها الإمبرياليات القديمة التي غربت عنها الشمس.

ومنذ ذلك الوقت وحتى عام 1975 مرت المعونة الأمريكية لمصر بفترات من الصعود والهبوط والتوقف في ارتباط بتطور العلاقات المصرية – الأمريكية، وفي ارتباط باتجاه الطبقة الحاكمة المصرية بدءًا من أواخر الخمسينات للدوران في فلك النفوذ السوفييتي.

إلا أن البداية الحقيقية لبرنامج المعونات الأمريكية المستمر حتى يومنا هذا كانت في عام 1975 بعد حرب أكتوبر وبعد المفاوضات المصرية الإسرائيلية لفض الاشتباك على جبهة القتال. في هذا التوقيت بدأت الولايات المتحدة تحقق تواجدا ونفوذا أعلى في منطقة الشرق الأوسط الحيوية بالنسبة لمصالحها. أما الطبقة الحاكمة المصرية فقد انعطفت بشكل حاسم في اتجاه الولايات المتحدة بعد الحرب في محاولة لحل الصراع العربي الإسرائيلي بالطريقة التي تسهل وتضمن اندماج البرجوازية المصرية في السوق الرأسمالي العالمي.

إذن لقد تلاقت مصالح الطبقة الحاكمة المصرية مع مصالح الإمبريالية الأمريكية التي رأت أن هناك ضرورة لدعم النظام المصري الذي أصبح استقراره وقوته يمثلان حماية المصالح الأمريكية في مواجهة ما أطلق عليه معسكر الرفض من القوى المناوئة بهذه الدرجة أو تلك لبسط النفوذ الأمريكي على المنطقة.

وقد لعبت مصر في سنوات النصف الثاني من السبعينات أدوارًا ثمينة ولا غنى عنها لدعم المصالح الأمريكية في المنطقة بدءًا من التسوية المنفردة للصراع مع إسرائيل كلب حراسة مصالح الإمبريالية في الشرق الأوسط، مرورًا بمواجهة وتشتيت أي قوى مضادة للمصالح الإمبريالية، وانتهاء حتى بالتهديد باستخدام القوى إلى حد تحريك الحشود العسكرية في مواجهة الدول المنفلتة كليبيًا.

في هذا السياق وعلى مدار السنوات 1975 وحتى 1994 بلغ إجمالي ما حصلت عليه مصر من مساعدات اقتصادية من الولايات المتحدة حوالي 19 مليار وثلاثمائة مليون دولار أي حوالي 57 مليار و68 مليون جنيه مصري. وقد توزعت هذه المساعدات كالآتي: 5.4 بليون دولار مخصصة لتمويل برنامج الواردات السلعية وهو ما يشكل 28.1% من إجمالي المعونات المقدمة لمصر؛ 1.9 بليون دولار في شكل معونات نقدية ومنح قطاعية وهو ما يمثل نسبة 9.6% من إجمالي المعونات؛ 8.2 بليون دولار لتمويل مشاريع في القطاعات المختلفة وهو ما يشكل نسبة 42.1% من إجمالي المعونات؛ 3.8 بليون دولار مخصصة لتمويل توريد سلع زراعية لمصر من قانون فائض الحاصلات الزراعية وهو ما يشكل 19.7% من إجمالي المساعدات الأمريكية لمصر.

وحتى ونستطيع أن نقدر التأثير الحقيقي للمعونات الأمريكية كدعم خارجي للطبقة الحاكمة المصرية دعونا ننظر إلى مقدار مساهمتها في تمويل العجز التجاري المصري. فعلى سبيل المثال في عام 1975 بلغ العجز 2374 مليون دولار بينما كانت المعونة 371.9 مليون دولار أي أن نسبتها على العجز كانت 15.7%. وفي عام 1980 بلغ العجز 2960 مليون دولار، بينما كانت المعونة تقدر بـ 1154.1 مليون دولار أي أنها ساهمت في تمويل العجز بنسبة 39%. وفي عام 1983 بلغ العجز 3822 مليون دولار وكانت المعونة الأمريكية تقدر بـ 1011.6 مليون دولار أي بنسبة 26.5 من العجز.

ولكي تكتمل الصورة لا بد أن نضيف الشق العسكري للمعونة إلى الجانب الاقتصادي الذي تحدثنا عنه. إذ تحصل الدولة المصرية على مساعدات عسكرية من الولايات المتحدة تبلغ قيمتها 1.3 بليون دولار سنويًا معظمها في صورة أسلحة. وهو ما يعني أن قيمة المساعدات العسكرية تزيد عن قيمة المساعدات الاقتصادية. أضف إلى هذا أن التخفيض القادم في المعونة لن يمس شقها العسكري الأمر الذي يعكس أهميته بالنسبة للطرفين المصري والأمريكي.

وتمثل المعونات العسكرية ركنًا. جوهريًا في الدعم الأمريكي للطبقة الحاكمة المصرية. فتقوية الذراع القمعي المسلح للدولة هو الذي سيمكنها من الحفاظ – بقوة السلاح إذا لزم الأمر – على المصالح الأمريكية، وهو أيضًا الذي سيمكنها من تدعيم النظام في مواجهة أي ثورات أو انتفاضات داخلية (كما حدث في 1977، وفي 1986).

المعونة الأمريكية لمصر ونظرية التبعية:
لعل التفسير الأكثر شيوعًا لمنح الولايات المتحدة معونات لمصر هو تفسير منظري التعبئة الذين يرون أن المعونة أداة لفرض السياسات الخارجية الأمريكية، وأنها تمثل تهديدًا للسيادة الوطنية حيث إنها تفرض وجهة النظر الأمريكية المتعارضة مع المصالح العاليا “للوطن”! والحل من وجهة نظر منظري التبعية هو الاستغناء عن المعونة والبدء في طريق تحقيق التنمية المستقلة المعتمدة على الذات. علينا بالتالي – هكذا يرى أنصار التبعية – دعم كل من الحكومة والبرجوازية الوطنية في وجه التهديدات الأمريكية بخفض أو قطع المعونة، ودفعهما لرفضها حيث إنها لا تقدم شيئًَا حقيقيًا لمصر؛ فالمستفيد من المعونة هم قلة قليلة من رجال الأعمال ذوي الصلات بدوائر الحكم!

تسيطر هذه الرؤية الوطنية الفجة على أقسام واسعة من اليسار ترى أن القضية هي المصالح الأمريكية في مواجهة المصالح المصرية، كما لو أننا نستطيع الكلام من مصالح واحدة للمصريين جميعًا بغض النظر عن وضعهم الطبقي.

هذا التحليل يفرغ القضية تمامًا من مضمونها الطبقي. وبدلاً من الدعوة للنضال ضد البرجوازية الأمريكية وضد الرأسمالية في كل مكان، يدعو أصحاب هذا الرأي لدعم البرجوازية الوطنية (وليس مفهومًا بالضبط ما هي تلك البرجوازية الوطنية) في مواجهة الإمبريالية الأمريكية.

ولكن هل حقًا المعونة الأمريكية هي مجرد أداة ضغط أمريكية ولا تحقق أي فوائد للبرجوازية؟ أم أنها مفيدة فقط للطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة؟

المعونة الأمريكية والرأسمالية الأمريكية:
لا يمكن القول بأن المعونة الأمريكية مفيدة لأمريكا بشكل مطلق، فهذه نظرة لا طبقية تتجاهل انقسام المجتمع الأمريكي – مثله مثل أي مجتمع رأسمالي – إلى طبقات. فما تخدمه المعونة الأمريكية في الواقع هو مصالح الرأسمالية والطبقة الحاكمة الأمريكية، وهذا أمر لا يمكن إنكاره. ونظرة سريعة على بعض اتفاقيات المعونة تؤكد ذلك.

فعلى سبيل المثال تشتمل معظم – إن لم تكن كل – اتفاقيات المعونة على الشرط التالي: “السلع الممولة من هذه المنحة أو القرض سيكون أصلها ومنشؤها الولايات المتحدة الأمريكية، فيما عدا ما تحدده الوكالة في خطابات التنفيذ وتعليمات الشراء للسلع وما قد يتم الاتفاق عليه بخلاف ذلك كتابة”. من الذي يستفيد من هذا الشرط؟ أو ليس الرأسماليين الصناعيين والمصدرين الأمريكيين الذين يجدون منافذ لتسويق سلعهم؟

من ناحية أخرى وفيما يتعلق بتسعير سلع المعونة، نجد أن السلع التي يتم توريدها يتم تسعيرها بناءًا على الأسعار المحلية داخل الولايات المتحدة وهي أسعار أعلى من أسعار السلع المنافسة عالميًا. وتصل نسبة الزيادة في الأسعار في بعض الأحيان إلى 50% أو 60%، وهو ما يعني أن القيمة الفعلية للقرض قد هبطت إلى النصف بينما يتم دفع فائدة أو أقساط القروض على أساس القيمة الاسمية لتلك القروض. وبذلك تلعب المعونات دورًا في حماية الرأسماليين الأمريكيين من المنافسة العالمية في حالة تصدير السلع الممولة بأموال المعونة.

كذلك تعد المعونة الأمريكية إحدى الأدوات لدعم المزارعين الأمريكيين وذلك من خلال القانون الأمريكي العام رقم 480 الذي تقدم من خلاله الولايات المتحدة معونتها الغذائية لدول العامل الثالث. حيث يحل هذا القانون مشكلة تراكم المخزون من المنتجات الغذائية لدى الرأسماليين الزراعيين. ففي الفترة من 1953 وحتى 1958 مثلاً بلغ المحصول السنوي للقمح 27.5 مليون طن بينما كان الطلب المحلي لا يزيد على 16.4 مليون طن، وحتى لا تضطر الولايات المتحدة إلى خفض أسعار صادرتها من القمح صدر القانون 480 لعام 1954 والذي بمقتضاه يسمح للدول التي تعاني من نقص الغذاء أن تقوم بتغطية وارداتها الغذائية من الولايات المتحدة الأمريكية بالعملة المحلية بدلاً من الدولار. وهكذا فخلال الفترة من 1975 وحتى 1982 كان نصيب برنامج المعونة الغذائية الأمريكية لمصر يتراوح ما بين 19.7% و29.8% من إجمالي المعونة الموجهة لمصر خلال هذه الفترة.

ولكل ذلك، فقد استطاعت الرأسمالية الأمريكية زيادة صادراتها لمصر في ظل برنامج المعونة. فعلى سبيل المثال زادت صادرات الولايات المتحدة لمصر من 2.1 مليار دولار عام 1990 إلى 3.1 مليار دولار عام 1992. كذلك أصبحت مصر هي المستورد رقم 26 من الولايات المتحدة (ثلث هذه الواردات تأتي داخل إطار برنامج المعونة، والباقي استيراد مباشر).

الرأسمالية المصرية والمعونة:
إذا كانت بعض قطاعات الرأسمالية الأمريكية قد استفادت من المعونة بشكل مباشر، فهكذا الحال أيضًا بالنسبة للرأسمالية المصرية. فالمعونة الأمريكية تمثل دعمًا من الولايات المتحدة للرأسمالية المصرية، حيث جاءت المعونة لتدفع القطاع الخاص ولتوفر له مناخًا مناسبًا للنمو ومراكمة الإرباح.

في هذا السياق نجد أن العديد من الاتفاقيات تتضمن شروطًا متميزة للقطاع الخاص. ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك ما جاء في اتفاقية بيع السلع الزراعية في 23 يناير 1984، حيث نصت على ما يلي: “توافق الحكومة المصرية على القيام بالأنشطة التالية وتوفير المصادر المالية والإدارية والفنية المناسبة لتحقيقها: خفض الدعم على الذرة واللحوم المستوردة واللبن المجفف التي سيتم تسويقها من خلال القطاع الخاص”.

كما أن برنامج المساعدات الأمريكية في السنوات الأخيرة تتضمن اتفاقيات مخصصة مباشرة لدعم عمليات الإصلاح الاقتصادي والخصخصة، ولتوفير القروض لمشاريع القطاع الخاص الصغيرة والمتوسطة، وذلك ف إطار الإستراتيجية الأمريكية الداعمة للتحول نحو سياسات السوق الحر في مصر.

وفي هذا السياق تخصص الولايات المتحدة من خلال المساعدات الاقتصادية لمصر نحو 200 مليون دولار للقطاع الخاص لتمويل احتياجاته من المعدات والبضائع من الولايات المتحدة. فمن خلال البرنامج السلعي الذي يتم تنفيذه عن طريق أكثر من 20 بنكًا تجاريًا مصريًا يتوفر تمويل قصير ومتوسط الأجل لرجال الأعمال المصريين ولشركات القطاع الخاص لشراء معدات لشراكاتهم أو لإعادة البيع.

المعونة الأمريكية لماذا؟
على أنه علينا أن ننتبه إلى أن جوهر الهدف من المعونة الأمريكية ليس تحقيق الدعم المباشر لهذا القطاع أو ذلك من الرأسماليين الأمريكيين أو المصريين، وإنما تحقيق دعم إستراتيجي للطبقة الحاكمة المصرية بمقدار ارتباط مصالحها بمصالح الإمبريالية الأمريكية. صحيح أن هناك حفنات وشرائح من الرأسماليين الأمريكيين تستفيد استفادة مباشرة من المعونة (بعض المصدرين ومكاتب الاستشارات مثلاً)، وصحيح أيضًا أن هناك على الجانب الآخر حفنات وشرائح من الرأسماليين والبيروقراطيين المصريين تستفيد من الدعم الأمريكي، إلا أن الوظيفة الأساسية للمعونة تدور في منطقة أخرى.

فالأمر الأكيد هو أن المعونة تمثل بالنسبة للطبقة الحاكمة الأمريكية اقتطاعًا مباشرًا من فائض القيمة الذي تنهبه من العمال الأمريكيين بوجه لدعم الطبقة الحاكمة المصرية بدلاً من توجيهه لخدمة التراكم الرأسمالي في الداخل. وهدف الولايات المتحدة من هذا ليس بالطبع الخير أو الحب الخالص للحكام المصريين، وإنما هو تثبيت أركان الحكم الديكتاتوري في مصر الذي يلعب أدوارًا جوهرية في دعم حماية المصالح الأمريكية الإستراتيجية (قمع الحركات والقوى المناوئة.. الخ). وبمقدار ما تحتاج الإمبريالية الأمريكية إلى خدمات الطبقة الحاكمة المصرية حتى تبسط نفوذها وسيطرتها على هذه المنطقة الحيوية إستراتيجيا، بمقدار ما يكون الدعم والمساندة اقتصاديًا وعسكريًا.

على الجانب الآخر، مثلت المعونة الأمريكية بالنسبة للطبقة الحاكمة المصرية سندًا هامًا ساهم في إنقاذ الرأسمالية المصرية من أزمات اقتصادية، وقوى من شوكة آلتها القمعية. أي أن المعونة كانت رصيدًا إضافيًا للرأسمالية المصرية استطاعت بفضله مواصلة سياسة القمع والتجويع. وهنا بالضبط يكمن الفارق بين الموقف الاشتراكي الثوري والموقف الوطني المبتذل من الدعم الأمريكي للطبقة الحاكمة المصرية. فبينما يدافع هؤلاء الأخيرون بطرقهم السلمية الإقناعية المتواطئة ضد المعونة بهدف تقوية “الدولة”، وتحقيق مصالح “الوطن”، ورفع أسهم “النظام الوطني”.. الخ يناضل الاشتراكيون الثوريون ضد الدعم الأمريكي من منظور مضاد تمامًا وهو أن المعونة تطيل عمر النظام وتقوية في مواجهة جموع المضطهدين والمستغلين وبالتالي فهي إحدى أدوات الإمبريالية لنفخ الروح في نظم متعفن قائم على النهب والقمع. والهدف الاشتراكي الثوري من هذا هو هدم النظام وليس تقويته ودعمه كما يسعى الوطنيون.

مستقبل المعونة الأمريكية:
ولكن إذا كانت المعونة الأمريكية هدفها هو دعم النظام الحاكم في مصر، فلماذا إذن تسعى الولايات المتحدة إلى خفضها؟ هل انتهى الدول المصري في خدمة المصالح الأمريكية؟ وهل أصبحت الدولة المصرية قوة معادية للولايات المتحدة في المنطقة؟

بالطبع الإجابة على كل هذه الأسئلة هي بالسلب. ولكن الحقيقة هي أن دوائر الحكم في الولايات المتحدة أصبحت ترى أن حاجة النظام إلى الدعم أصبحت اليوم أقل من ذي قبل، بينما أصبحت هناك ضرورات ملحة تدعو إلى دعم نظم أخرى لها دور لا ينكر في حماية وتنفيذ السياسات الأمريكية (كالنظام الأردني مثلاً).

فالأوضاع الاقتصادية للرأسمالية المصرية تمر بمرحلة من التحسن في الآونة الأخيرة. حيث تشير الأرقام إلى انخفاض عجز الموازنة العامة إلى أقل من 1% من الناتج المحلي هذا العام مقابل 17% عام 1990. كما ارتفع معدل النمو إلى 5%، وزادت الاحتياطات النقدية الأجنبية من 2.6 مليار دولار عام 1990 إلى أكثر من 20 مليار دولار حاليًا.

كل هذه المؤشرات تعني أنه أصبح بإمكان الرأسمالية الأمريكية أن تخفض دعمها للنظام الحاكم يؤثر على استقراره أو على استقرار المنطقة. وسيسمح هذا للولايات المتحدة أن توجه ما توفره من الدعم الموجه إلى مصر إلى مناطق ودول حليفة أخرى تحتاج بالفعل إلى معونة حتى تستقر نظمها.

وبغض النظر عن تفاصيل توزيع المعونة الأمريكية فيما بين الدول، فإن الأمر الجوهري هو التأكيد على دورها الداعم لأنظمة حليفة للإمبريالية. فالمعونات لا تعطى للشعوب أو لإطعام الجوعي، وإنما لحماية الأنظمة من انتفاضات الجوعي ولتقوية شوكة من يستغلونهم.