بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اقتصاد

قصة التحالف الاستراتيجي بين مصر وأمريكا

المعونة والديكتاتور

أثارت تهديدات الكونجرس الأمريكي بقطع المعونة عن مصر جدلا واسعا, كما أثار رد الفعل المصري الرسمي الكثير من التساؤلات حول تطورات العلاقة بين النظامين المصري والأمريكي.

يرجع تاريخ تقديم المعونة الأمريكية لمصر إلى شهر يناير عام ‏1975. جاء التصديق على المعونة في إطار محاولات الرئيس الأمريكي الأسبق جيرالد فورد التقارب مع النظام المصري بعد توتر دام سنوات لا بأس بها. نصيب مصر من المعونة في ذلك الوقت كان ‏250‏ مليون دولار‏. والهدف المعلن كان تشجيع السياسة الاقتصادية الجديدة التي اتبعها أنور السادات، وهي سياسة الانفتاح بكل ما تعنيه من تقارب مع النظام الأمريكي ودخول في مرحلة التطبيع مع إسرائيل.

كان من المنطقي أن تتضاعف المعونة لتصل إلى مليارات الدولارات بعد معاهدة كامب ديفيد لتصبح مصر بعد توقيعها الثانية بعد إسرائيل من حيث الاستفادة من المعونة الأمريكية في العالم.

خدمات النظام المصري المتزايدة للعسكري الأمريكي هي السر الحقيقي وراء استمرار المعونة، التي وصلت الآن إلى 1.9 مليار دولار سنويا، تسمح مصر في مقابلها للسفن الأمريكية بالمرور في قناة السويس، إلى جانب السماح للطائرات الأمريكية باستخدام الأجواء المصرية في طريقها للعراق، والاستعداد لنقل القوات الدولية إلى إقليم دارفور. كما أن النظام المصري – علينا ألا ننسى ذلك – هو الحليف الأول لأمريكا في المنطقة في حربها على ما يطلقون عليه اسم “الإرهاب”, ونسميه نحن “المقاومة”.

الجزء الأساسي من المعونة الأمريكية لمصر عسكري. ويمثل حوالي 80% من مخصصات وزارة الدفاع المصرية. يشير تقرير “مركز المحاسبة الحكومي الأمريكي” الأخير إلى أن هذا الجزء من المعونة يخصص لـ”تحديث الجيش المصري وجعله قادرا على إجراء مناورات مشتركة مع الجيش الأمريكي إلى جانب شراء السلاح الأمريكي وإحلاله محل السلاح السوفيتي الذي يعتمد عليه الجيش المصري.” كما يشير التقرير إلى أن المعدات العسكرية الأمريكية تشكل حاليا 50% من معدات الجيش المصري، موضحا أن المستهدف هو وصولها إلى 66% بحلول العام 2020.

يمكننا تقدير حجم المعونة العسكرية لمصر إذا ما علمنا أنها تمثل حوالي 25% من إجمالي المساعدات العسكرية الأمريكية المقدمة حول العالم, ليصبح الاستنتاج المنطقي هنا هو أن أمريكا “تدفع” للنظام المصري عن طريق مساعدته عسكريا بهدف دعم تجارة السلاح الأمريكية وترويجها عالميا بما يخدم مصالح كبريات شركات الأسلحة الأمريكية المرتبطة عضويا بالنظام الأمريكي، وأيضا لضمان استمرار دور النظام المصري “الفعّال” في دعم الاحتلال الأمريكي للعراق, وتصفية المقاومة الفلسطينية, ومساندة المخططات الإمبريالية لتقسيم السودان, وأيضا – لو تذكرون – “دهس” فقراء تورا بورا في أفغانستان!

هذه هي بعض المعلومات عن الشق العسكري من المعونة الأمريكية للنظام المصري. ولا نحتاج هنا لتذكير المتشدقين بالأفضال الأمريكية على مصر بأن أمريكا لم ولن تسمح بمد الجيش المصري بأسلحة متطورة كالتي تمنحها للكيان الصهيوني لضمان تفوقه الاقتصادي والعسكري على باقي دول المنطقة. كما أن الجيش المصري – في نظر أمريكا – لا يحتاج لأسلحة متطورة. فالجميع يعرف أن النظام المصري لم ولن يحتاج للأسلحة, إلا لقهر الجماهير المصرية!

سجال المعونة

نعود لتساؤلنا الأساسي، وهو سبب تهديدات الكونجرس للنظام المصري بتقليص حجم المعونة بشقيها العسكري والاقتصادي.

أولا, لم يعد خافيا على أحد حالة الفساد المتفشية في طول وعرض النظام المصري وترنحه سياسيا وما نتج عن ذلك من ممارسات قمعية عنيفة ضد معارضيه، مما يثير التساؤل حول أسباب دعم أمريكا – التي تنفق مليارات الدولارات على حروبها الاستباقية بهدف الدفاع عما تسميه بـ”الديمقراطية”– للنظام الديكتاتوري المصري المنتشرة فضائحه اليومية على القنوات الفضائية العالمية. التناقض هنا واضح جدا وبديهي جدا لدرجة عدم قدرة بوش الابن – بكل ما يحمل من وقاحة – على تبريره.

تفضح هذه المفارقة حقيقة الأهداف الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط. فالنظام الأمريكي يواجه الآن تساؤلات الرأي العام الأمريكي حول أسباب مساندته للديكتاتور مبارك الذي تصاعدت الأصوات المناهضة له مؤخرا ونجحت في جذب قطاعات مختلفة من مهنيي الطبقة الوسطى المصرية, لتمتد بدورها للقضاء الذي يطالب بالاستقلال عن السلطة التنفيذية، بكل ما يحمله هذا المطلب من تعرية لحالة الهوس الأمني للنظام القائم.

لم يكن غريبا إذن أن “يضطر” المتحدث باسم الخارجية الأمريكية شون ماركورماك لـ”توبيخ” النظام المصري على ممارساته القمعية ضد المعارضة المصرية, وبالأساس ضد حبس أيمن نور صاحب المشروع الليبرالي البرتقالي غير المعادي في جوهره للسياسة الأمريكية. لم يترك النظام المصري إذن – بعقليته الأمنية قصيرة النظر – مجالا للدفاع حتى “إعلاميا” عن هذه الممارسات الفاضحة التي لو لم تنتقدها إدارة بوش – على الأقل شكليا – لزاد تعقد موقفها أمام معارضيها في الكونجرس.

ثانيا, إن النظام المصري قام بكل أنواع الخدمات المباشرة وغير المباشرة لخدمة المصالح الأمريكية في المنطقة: همّش الأحزاب السياسية المعارضة للسياسات الإمبريالية, وأفقر الجماهير المصرية وقمعها اقتصاديا واجتماعيا, وطبّع مع الكيان الصهيوني, وفتح قناة السويس لمرور البوارج الأمريكية في طريقها للعراق, وشارك في الحروب الأمريكية في المنطقة, وأعطى المصداقية للحكومة العراقية المدعومة من أمريكا, ومارس ومازال دورا فجا فيما يسمى بـ”المسيرة السلمية” الهادفة لفرض تسوية حقيرة لصالح الكيان الصهيوني, وقتل الصناعة الوطنية، وباع القطاع العام.. الخ. كل هذه الخدمات وغيرها الكثير, كانت بمثابة فاتح لشهية الإمبريالية الأمريكية لأن تضغط أكثر من أجل المزيد من التنازلات من جانب نظام مبارك، خاصة وأن النظام المصري قد تم استهلاكه سياسيا بالفعل من قبل الإمبريالية العالمية ففقد أهميته نسبيا بعد أن قام على مدى 24 عاما كاملة بأحقر دور يمكن أن يمارسه أي نظام.

لقد أثبت النظام المصري عمليا للعسكري الأمريكي أنه على أتم استعداد لتقديم كل التنازلات الممكنة من أجل – فقط – بقائه في الحكم، سواء بالمعونة الأمريكية أو بدونها. فلماذا تدفع أمريكا أكثر إذا كان من الممكن أن تدفع أقل؟ فلتدخر معونتها إذن لنظام آخر في دولة أخرى!

ثالثا, يعكس الهجوم الأخير على مصر في الكونجرس رؤية جناح مهم في الطبقة الحاكمة الأمريكية نحو الشرق الأوسط بعد هجمات 11 سبتمبر. فالإمبريالية الأمريكية التي اتبعت فيما مضى سياسة دعم النخب “العسكرية” لضمان السيطرة على أي بادرة للحراك الجماهيري, تتجه الآن نحو دعم النخب ذات التوجهات”الليبرالية الجديدة” المتوافقة مع المخططات الأمريكية للمرحلة القادمة من الصراع الدائر بين دبابة الإمبريالية والجماهير التي تململت من سيف الحكم العسكري. يظهر هذا في دعم النظام الأمريكي للثورات البرتقالية، كما رأينا في أوكرانيا مثلا.

وفي مصر, يظهر هذا التوجه في استعمال إدارة بوش لورقة أيمن نور الذي استشعر النظام منه الخطر على كرسي الحكم فقام بتلفيق قضيته الشهيرة.

بين المنع والمنح

لكن الصورة أكثر تعقيدا. فإلى جانب نظريات “الفوضى الخلاقة” المطالبة بإسقاط الديكتاتوريات العتيقة في الشرق الأوسط (ومنها ديكتاتورية مبارك)، وهي النظريات التي تتبناها أجنحة من الطبقة الحاكمة الأمريكية – والتي كانت تتبناها إدارة بوش بحماس قبل أعوام قليلة – بدأ القلق يتسرب إلى جهابذة المحافظين الجدد الجالسين في البيت الأبيض بعدما كشفت التطورات أن أي تحولات ديمقراطية حقيقية في بلدان الشرق الأوسط سوف تأتي بإسلاميين إلى السلطة، وهو ما سيعقد العلاقة بين الولايات المتحدة وبلدان المنطقة. فوز حماس مؤخرا في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وقبل ذلك حصد الإخوان المسلمين المصريين لـ88 مقعدا في الانتخابات البرلمانية، عزز مخاوف بوش وعصابته من هذا السيناريو، ومن ثم دفعهم إلى تخفيف ضغوطهم على مبارك ونظامه، خصوصا أن الإدارة الأمريكية تميل لإبقاء الوضع على ما هو عليه لحين الخروج من مأزقها التاريخي في العراق.

لكن على الوجه المقابل أدى استشعار قطاعات من نخبة الحكم في أمريكا لفقدان النظام الديكتاتوري المصري لمصداقيته إلى ظهور دعاوى جديدة, عبر عنها النائب “توم لانتوس” زعيم اللوبي الصهيوني في الكونجرس, تطالب بضرورة إلغاء المساعدات العسكرية المقدمة لمصر وأهمية التوجه لدعم مؤسسات المجتمع المدني.

الخلاف بين الكونجرس وإدارة بوش حول دعم الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة العربية، وفي مصر بالذات، عكس نفسه في تصريح أصدرته الإدارة تطالب فيه الكونجرس “ألا يقطع المعونة الأمريكية عن مصر، حيث أن مثل هذه العقوبة بسبب حملة الحكومة المصرية ضد المعارضة ستضر بالمصالح القومية للولايات المتحدة.”

برغم ذلك, ففكرة لانتوس عن دعم مؤسسات المجتمع المدني خطيرة، حتى برغم فشله في إقناع الكونجرس بها. فنحن إذا ما نظرنا لطبيعة هذه المؤسسات سنجد أن “أغلبها” كيانات انتهازية ومفتعلة ومن السهل جدا تطويع توجهاتها وبرامجها بما يتوافق مع مصالح الإمبريالية.

تأتي أهمية مثل هذه المنظمات “البرتقالية” من قدرتها على إجهاض أي حركة جماهيرية واعية بطبيعة الصراع الواقع بينها وبين الإمبريالية. كما أن ضمان تأثير هذه المنظمات المبتسرة سياسيا وجماهيريا يأتي من اعتمادها الكلي في تمويلها على المعونة الأمريكية, وأيضا الحماية الأمريكية. رأينا هذا في حالة سعد الدين إبراهيم الذي حاول النظام المصري سجنه بتهم ملفقة بنقل معلومات مضللة والتخابر مع جهات أجنبية, فأصدرت الإدارة الأمريكية “أوامرها” بالإفراج عنه.

مهمة هذا النوع من العمل الإصلاحي هي تمييع الصراع الطبقي وتقديم صورة مشوشة عن طبيعة دور الإمبريالية الأمريكية في المنطقة بما يخدم – بالطبع – مصالحها دون الحاجة للاعتماد على الهراوة العسكرية البائدة التي ثبت فشلها الذريع في قمع جماهير يتصاعد انتماؤها القومي والديني كلما زادت وتيرة القمع الإمبريالي، لينقلب السحر على الساحر وترتد الرصاصة نحو من أطلقها.

غضب المفلسين

أما عن رد فعل النظام المصري على التهديدات الأمريكية, والذي أظهره بمظهر المناضل من أجل “الديكتاتورية”, فهو لا يعبر عن غبائه السياسي فحسب, بل هو أيضا مؤشر حقيقي على حالة الانهيار التي يعاني منها.

فالنظام المصري, لا يستطيع تقديم أية تنازلات فيما يتعلق بالمطالب الاجتماعية والديمقراطية التي تطالب بها المعارضة المصرية. نجاح المعارضة المصرية في تحقيق أي مطلب من مطالبها سيكون مسمارا جديدا في نعش النظام المصري لأنه سيؤدي لتوسع هذه الحركة. لذلك, فالاعتماد على حالة العسكرة والقمع الأمني المتمثلة في تطبيق القوانين المقيدة للحريات بشكل عام، وقانون الطوارئ بشكل خاص, هو ضمانه الوحيد للبقاء في الحكم.

كيف سيفوز الحزب الوطني في الانتخابات البرلمانية دون تزوير الانتخابات؟ كيف سيمرر قوانينه المشبوهة ويضمن التستر على الفساد؟ كيف يمكن لنظام, مثل النظام المصري, قوامه الفساد وذراعه الديكتاتورية, أن يسمح بنقابات عمالية ومهنية مستقلة فاعلة تعبر بشكل حقيقي عن مطالب الجماهير المصرية برغيف خبز رخيص ومسكن لكل أسرة ووظيفة لكل عاطل؟

كما هو واضح, فالنظام المصري، المفلس على كل المستويات, وصل لمرحلة من الترهل وفقدان المصداقية والشرعية لا تسمح له إلا بالإصرار على المزيد من القمع لمعارضيه. فهو غير قادر – أصلا – على الاستجابة لتلك الإصلاحات المزعومة والهشة التي يدعي النظام الأمريكي مساندتها.

هذا هو السبب الرئيسي للرد المصري “العنيف” على التهديدات الأمريكية. يأتي بعده مباشرة طبيعة المعونة الأمريكية المقدمة لمصر. فهي في شقها الاقتصادي لا تشكل موردا أساسيا كما يروج عنها، بل إن أغلبها يأتي على هيئة مساعدات عينية تهدف لترويج البضائع الأمريكية البائرة التي يستوردها النظام المصري ليعيد بيعها مرة أخرى للفقراء من المصريين.

النظام المصري, الذي نخره الفساد, يعي هذه الحقيقة جيدا، وهو المستفيد الأول منها. فقد وصلت المعونة الأمريكية لمصر خلال الثلاثين عاما السابقة إلى نحو ثلاثين مليار دولار. حققت الولايات المتحدة في نفس الفترة فائضا تجاريا مع مصر يقدر بنحو 45 مليار دولار، ولم تزد قيمة الصادرات المصرية للولايات المتحدة على 6.7 مليار دولار، بينما بلغت الصادرات الأمريكية لمصر أكثر من 55 مليار دولار. وقد ساعد برنامج المعونة على فتح السوق المصري للسلع الأمريكية التي أصبح لها الأفضلية رغم ارتفاع أسعارها عن مثيلاتها الآسيوية.

النظام المصري يعلم جيدا أن شروط المعونة تقضي بأن تشتمل سلعا محددة من الولايات المتحدة، وحصول الولايات المتحدة على حصة “عادلة” من أي زيادة في نصيب مصر من المشتريات الخارجية، وربط المعونات بالواردات الأمريكية والخبراء الأمريكيين. جاء في تقرير لوزارة التخطيط المصرية أن “حوالي 40% من المعونة الأمريكية لمصر، أي ما يعادل 6.8 مليار دولار من أصل 25 مليارا، تذهب لشركات أمريكية في صورة استيراد سلع وخدمات من أمريكا وأن الصافي النهائي الذي تحصل عليه مصر لا يزيد على ثلث إجمالي المعونة.”

النظام المصري برفضه “الراديكالي” – جدا – للتصريحات الأمريكية, يذكّر الولايات المتحدة ضمنيا أنه ليس الخاسر الوحيد في معادلة نهب وإفقار الجماهير المصرية، وأن أمريكا, قبل أن تهدد مكتسباته الديكتاتورية, عليها أن تعرف أولوياتها الحقيقية بالنسبة لمصر: هل تريد نخبة ليبرالية تنجح في رسم “ديكور” ديمقراطي غير مأمون النتائج؟ أم ديكتاتورية “قبيحة”، لكنها برغم ذلك أثبتت نجاحا – منقطع النظير – في الارتباط عضويا بمصالح الإمبريالية العالمية وخدمة مصالحها؟

تابعنا التهديدات الأمريكية والرد المصري والتراجع الأمريكي. وسمعنا مساعد وزيرة الخارجية “ديفيد وولش” يقول أنه “برغم قلق الإدارة الأمريكية بشأن الإصلاحات في مصر، إلا أن القاهرة شريك بالغ الأهمية في مكافحة الإرهاب (يقصد المقاومة العراقية والفلسطينية).

أضاف وولش, أن دور النظام المصري ” حيوي ولا يمكن إبداله في جوانب كثيرة، وأن قطع المعونة سيكون ضارا جدا بمصالحنا القومية!”

شكرا وولش على إبلاغنا بأن نظام مبارك يعمل لتحقيق المصالح القومية الأمريكية!!!