بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأرباح وأسعار الفائدة والركود الاقتصادي

لم تخلو جريدة قومية أو معارضة من جرائد البرجوازية يوميًا خلال الثلاثة أشهر الماضية من الحديث عن ركود الأسواق وفرار المستثمرين إلى الخارج هربًا من تسديد ديونهم وارتفاع سعر صرف الدولار أمام الجنيه وارتفاع أسعار الفائدة ونقص السيولة.

وبالنسبة لمحللي اليمين البرجوازي فإن تخفيض أسعار الفائدة وسعر الجنيه هما الحل السحري للقضاء على مشاكل الركود الاقتصادي وانطلاقة النمو الاقتصادي لآفاق هائلة فيما أسموه في عام 1997 “بنمر عل النيل” وبالنسبة لمحللي اليسار البرجوازي فإن وضع ضوابط للاستيراد والقضاء على القروض العشوائية والقضاء على المضاربة هو الحل السحري لتنشيط الاقتصاد.

أصبح الركود الاقتصادي حالة معترف بها حتى من قبل الحكومة التي ظلت تنكر وجودها حتى نهاية النصف الأول من العام الجاري ولكن عمق الأزمة وتأثر كافة قطاعات الاقتصاد بها أجبرها على الاعتراف خاصة بعد صدور عدة تقارير دولية سلبية عن حالة الاقتصاد المصري وتخفيض توقعاتهم بالنسبة للأعوام القادمة وقد عزا رئيس هيئة أركان البرجوازية عاطف عبيد في حوار مع رؤساء تحرير الصحف المصرية نهاية الشهر الماضي الركود الحالي الذي تعانيه الأسواق إلى الأموال المجمدة في شكل سلع غير مباعة وطاقات إنتاجية غير مستغلة بسبب التوسع في الإقراض لبضع سنوات وأضاف عبيد أن المقترضين فشلوا في بيع الزيادات التي طرأت على إنتاجهم ولذلك عجزوا عن الوفاء بالتزاماتهم تجاه البنوك.

ولكن عاطف عبيد رغم ذلك يكذب ويدعي أن الناتج المحلي سينمو بمعدل 5.5% هذا العام ولكن بعض المحللين البرجوازيين قدر معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 1999/2000 بنحو 1.3% و1.5% فحسب في أحسن الأحوال ورغم ذلك فإن المعدل ربما يكون أبطأ من ذلك ويصل إلى الصفر وربما يكون بالسالب. والذي يؤكد توقع الانخفاض الحاد في معدل النمو تراجع أرباح الشركات والضعف الشديد في مؤشرات الطلب مثل تراجع معدل التضخم ومبيعات الأسمنت والصلب وغيرها من المنتجات الرئيسية ففي الشهر الماضي هبطت أسعار الأسمنت إلى أدنى مستوياتها في عامين وتراجعت بورصة الأسهم على مستويات لم تشهدها منذ أربعة أعوام تقريبًا ولم تعلن الحكومة بيانات حتى الآن حول معدل النمو في العام الماضي وقال أحد المحللين البرجوازيين مررًا أنه سيكون أمر باعثًا على الحيرة لو أعلنت الحكومة أن معدل النمو في الارتفاع في عام 1998/1999 بينما كانت أسعار الفائدة مرتفعة وكانت مصر تعاني من هبوط أسعار النفط وانهيار عائدات السياحة بعد حادث الأقصر الإرهابي في نوفمبر 1997.

إن تفاؤل الحكومة في منتصف التسعينات كان مبنى على افتراض أن التحسن في مؤشرات الاقتصاد الكلي كان استجابة لنمو حقيقي في أرباح الشركات على مستوى الاقتصاد ككل وإن هذا سيستمر ورأي العديد من المحللين الماليين البرجوازيين أن هذه الأرباح قادرة بسهولة على تلبية تزايد القروض البنكية في معظم قطاعات الاقتصاد خاصة في قطاعي العقارات والمقاولات وأن الزيادة الملحوظة في إجمالي القروض يتم التعويض عنها بسهولة بزيادة في قيمة الأصول ويبدو أن الأرقام كانت تؤيد هذه الإدعاءات حيث كان مستوى الأرباح يدور حول 20% في عام 1998 بالنسبة للشركات القطاع الخاص الصناعية الكبرى وحتى عندما كان الركود على الأبواب عام 1998 كانت بعض البنوك تقدر ربحيتها بأكثر من 20% أيضًا.

ولكن ذلك يثير سؤالاً هامًا لأي تحليل اقتصادي جيد إذا كانت معدلات الربح في مصر كانت جيدة حسب هذه الإدعاءات فماذا حدث الركود بهذه الصورة المفاجئة جزء من الإجابة هو أن الأرقام الحقيقية التي تشير إلى معدلات الربحية المرتفعة قبل أن يحل الركود لا تقدم صورة دقيقة عن حالة الإنتاج المحلي.

وتشير أستاذة المحاسبة في مدرسة لندن لعلم الاقتصاد أن: “الأرباح ليست حقائق أنها مجرد أراء وهذه أحد الحقائق الكبرى رغم أنه يتم الاعتراف بها بصورة غير رسمية من قبل المحاسبين ولكن يتم إنكارها عادة في العلن فعندما تعد الشركات ميزانيتها فهي تحتاج إلى التسليم بعدد كبير من الافتراضات وهذا يرجع بالأساس إلى أنه في نهاية كل عام يوجد الكثير من الأعمال غير المنتهية فمثلاً هناك قروض لم يتم سددها ويلزم على الشركة أن تتخذ قرارًا فيما إذا كانت هذه القروض سيتم سددها أم لا كما يوجد كثير من الأصول يلزم أن تتخذ قرار حول عمرها الافتراضي كل هذه القرارات ليست موضوعية لذا فإن الربح مسألة رأي”.

ويهتم المحاسبون بالالتزام بقواعد المحاسبة التي تحاول فرض نسق ما على أساسه يتم التوصل إلى هذه الآراء وهذه القواعد تختلف من بلد إلى بلد وفي كل الأحوال لا تتوصل بالضرورة إلى مستوى الممارسة الفعلية للشركات التي تستخدمها في تقرير أو تحديد مستويات الربح الخاصة بها.

هناك أمثلة لا حصر لها عن كيف فبركة العديد من الشركات الخاصة ميزانياتها لتظهر بصورة مربحة أكثر من الواقع بأيدي بعض خبراء المحاسبة في مصر المعروفين.

صفحات الصحف الاقتصادية مليئة بكثير من هذه الأمثلة.

أن قدرة الشركات المصرية على المبالغة في أرباحها قد تتقلص في ظل سوق مال نشط وشفافية أكبر ولكن الأرقام لن تكون معبرة تمامًا عن حقيقة الناتج المحلي حتى في ظل سوق يتمتع بشفافية 100%.

وهكذا دائمًا ما تظهر الشركات تقريبًا على أنها في حالة جيدة حتى على مشارف الأزمة فالشركات تبدو في وضع رائع حتى تحدث الأزمة بصورة مفاجئة.

ويقدم لنا عام 1999 أمثلة لا حصر لها لهذه الأرباح التضخمية بما يقدم صورة مشوهة تمامًا عن حيوية كل من الشركات والنظام الرأسمالي ككل في مصر.

هناك مجموعة من المؤشرات التي من خلالها يمكن التعرف على مستوى الأرباح الفعلية بالنسبة للأرباح المعلنة منها أرقام أسعار الفائدة.

ولعدم وجود سعر فائدة قياسي يفرضه البنك المركزي في مصر يمكن متابعة أسعار الفائدة من خلال التعاملات بين البنوك وعوائد أذون الخزانة فقد ارتفعت تدريجيًا أسعار الفائدة على تعاملات بين البنوك وعوائد أذون الخزانة فقد ارتفعت تدريجيًا أسعار الفائدة على تعاملات ليلة واحدة بين البنوك من نطاق بين 7% و10% في عامي 1997 و1998 إلى نطاق 9% و13% خلال معظم عام 1999 وقفزت باطراد من ديسمبر 1999 إلى مارس 2000 إلى نطاق يتراوح بين 10% و17% واستقر متوسط العائد على أذون الخزانة لآجل 91 يومًا عند نحو 8.8 من أكتوبر 1997 حتى يونيو 1999 بيد أنه ارتفع على نحو 9% في أواخر 1999 ووصل متوسط العائد إلى 9.1% في منتصف الشهر الماضي.

توجد عادة علاقة عكسية بين أسعار الفائدة ومعدل الربح فأحدهم يرتفع عندما ينخفض الأخرى وهذا يحدث بسبب أن مستوى أسعار الفائدة يعتمد على التداخل بين تدفق الأموال (السيولة) في القطاع المالي وعلى الطلب على القروض من قبل هذا القطاع، البنوك والحكومات هما فقط الذين يستطيعان إدارة أسعار الفائدة أو التحكم فيها داخل نطاق معين يعتمد على هذا التداخل ومعظم هذه التدفقات في السيولة تأتي من الأرباح التي يستخرجها القطاع الإنتاجي ويتم إبداعها في البنوك وعندما تكون الأرباح مرتفعة فإن تدفق السيولة في القطاع المالي يتزايد ويتجاوز العرض والطلب وهنا يحدث انخفاض في تكلفة الاقتراض أي سعر الفائدة، ومن ناحية أخرى عندما تنخفض معدلات الربح فإن تدفق السيولة في القطاع المالي ينخفض هو الأخر ويتجاوز العرض والطلب فترتفع تكلفة الاقتراض (سعر الفائدة)، والأهم من ذلك فإن انخفاض معدلات الربح يدع الشركات التي ترغب في الاستثمار بلا خيار إلا زيادة الاقتراض وبالتالي يتزايد الطلب على السيولة في الوقت الذي ينخفض فيه العرض بما يدفع أسعار الفائدة لأن تتزايد أكثر.

إن ارتفاع أسعار الفائدة في منتصف العام الماضي كان إذًا علامة على بداية الركود حيث بينت أن معدلات الربح المعلنة كانت تبالغ في معدل العائد على الاستثمار بصورة خطيرة وهذه النتيجة لم تكن مجرد ناتج عدم إعلان الشركات لأرباحها الحقيقية ولكن نتيجة لأزمة فائض الإنتاج التي أحدثت الركود وقد تسبب الركود حتى الآن في عدد كبير من الإفلاسات وتعريض صناعات بأكملها لمخاطر الإفلاس خاصة في مصانع المدن الجديدة التي توسعت بصورة كبيرة خلال فترة التسعينيات فقد قدرت قيمة الإنتاج الصناعي في المدن الجديدة ينجو 25 مليار جنيه من خلال 2600 مصنع يعمل بها 224 ألف عامل العام الجاري وهناك أكثر من 1700 مصنع تحت الإنشاء ولم تدخل بعد مرحلة الإنتاج هذه البيانات توضح أن الأزمة ستستفحل في السنوات القادمة خاصة مع دخول العديد من المصانع مرحلة الإنتاج.

ستمارس الحكومة خلال الفترة القادمة ضغوطًا سياسية على البنوك للحفاظ على هذه الشركات قائمة فخسائر الرأسماليين المتعثرين عن سداد مديونيتهم كرامي لكح رئيس مجلس إدارة “القابضة للاستثمارات المالية لكح جروب” الذي تقدر ديونه بأكثر من 1.4 مليار جنيه سيتم تحويلها إلى ديون لقطاع البنوك أما بصورة مباشرة من خلال إدخال البنوك بنسبة متفق عليها كشريك في شركاته أو بصورة غير مباشرة من خلال تدخل الحكومة لأنقذه كما وعدته ولذلك عام من الخارج بعد أن تردد أن فر إلى باريس هربا من سداد ديونه فربما تسعى الحكومة للضغط على البنوك لمنحة قروض جديدة وفي أي من حالتين تختفي الخسائر من ميزانيات شركاته لتظهر مرة أخرى كقروض في ميزانيات البنوك ومحاولة إنقاذ رامي لكح عملية متكررة في كل مكان من العالم فالحكومات تبذل كل ما في وسعها لتقليل الضغوط على الأرباح ما بعد الضرائب (الأرباح الصافية) الخاصة بالشركات عن طريق تخفيض الضرائب على الأرباح الرأسمالية لجعل القطاع الإنتاجي أكثر حيوية حيث يعلمون أن صحته هي أساس صحة الاقتصاد ككل.

ولكن رجال الأعمال المصريين خاصة المتعثرين عن سداد قروضهم يطالبون الحكومة بأكثر من ذلك وإلا قاموا بإغلاق مصانعهم وطرد العمال وتمحورت مطالبهم حول إسقاط 25% من ديونهم للبنوك وخفض أسعار الفائدة التي وصلت في المتوسط على 15% وإعادة جدولة الديون بأسعار فائدة تقل عن 8% ولكن الحكومة لو قامت بالفعل بتخفيض الضرائب مرة أخرى على الأرباح الرأسمالية فإن ذلك سيساهم في عجز الموازنة وبالتالي سيزيد من عبء إجمالي القروض في النظام ككل خاصة في ظل إعلانها عن عزمها إنفاق أكثر من 22 مليار جنيه خلال العام المالي الحالي على المشروعات الكبرى مثل توشكي وشرق التفريعة ويبدو أنها ستقترض من الخارج لتوفير المال اللازم لخططها الوهمية فيما يسمى المشروعات الكبرى ليس لسبب اقتصادي وجيه ولكن لإشباع غرور الديكتاتور مبارك الذي ارتبطت هذه المشروعات الكبرى! باسمه رغم قول العديد من المحللين البرجوازيين أن هذه المشروعات هي أحد أسباب أزمة السيولة وعلت أصواتهم للمطالبة بالكف عن ضخ أي أموال في هذه المشروعات على الأقل حتى يخرج الاقتصاد من دائرة الركود الحادة.

وحتى نستطيع فهم جوانب الأزمة الاقتصادية الحالية ولماذا يفلس بعض المستثمرين ويعجزون عن سداد قروضهم علينا أن نتناول جوانبها المختلفة على صعيد البنوك والبورصة وعلاقة ذلك بالأزمة الاقتصادية والأزمة المالية.

أولاً: رأس المال التمويلي:
ربما لا تتاح لبعض الرأسماليين وجود تصريف حالي لأرباحهم ويكون لدى رأسماليين أخريين مشاريع استثمارية إنتاجية ولكن لا يتوفر لهم المال وهنا يمكن لظهور النظام البنكي والبورصة أن يساعد على المؤممة بينهما وهذا ما يطلق عليه الدورة التمويلية (نقود – نقود) ويعني النظام المالي أن الرأسماليين لا يعتمدون على رأس المال الذي يستطيعون مراكمته مباشرة من خلال بيع المنتجات التي تنتجها شركات يمتلكونها بأنفسهم فيستطيعون توفير الأموال اللازمة لهم من خلال البورصة عن طريق إصدار الأسهم ويعطون لحاملي الأسهم ملكية جزئية في الشركات والأهم من ذلك نصيب في الأرباح المستقبلية في شكل عوائد على الأسهم (كوبونات) ويمكنهم أيضًا أن يقترضوا نقود من البنوك في مقابل الالتزام برد القرض مضافًا إليه الفوائد ويمكنهم أيضًا الاقتراض مباشرة من الأسواق المالية عن طريق إصدار سندات والتي تحمل نفس الالتزام برد القرض بالإضافة إلى الفوائد نفس الشيء الذي ينطبق على القروض البنكية وتصدر الحكومات أيضًا سندات لتغطية كميات كبيرة من إنفاقها عن طريق الاقتراض بدلاً من فرض ضرائب على الأغنياء وكل الوسائل التمويلية قام بها رامي لكح مجتمعة فقد أقترض من البنوك وأصدر أسهم وطرح سندات لتصل إجمالي مديونيته أكثر من 1.4 مليار جنيه ولهذا تفزع الحكومة من انهيار شركات رامي لكح ليس حب فيه ولكن خوفًا من تأثير ذلك على بقية قطاعات الاقتصاد خاصة البورصة.

ويساعد النظام المالي على توسيع قوى الإنتاج في ظل الرأسمالية عن طريق تدوير الأرصدة الفائضة في الشركات وفي البلاد بشكل عام حيث توجد منافذ مربحة للاستثمارات ولتشجيع الرأسماليين وغيرهم لوضع أموالهم في البنوك تضطر البنوك إلى تقديم فوائد للمدعين على إبداعاتهم وبالتالي توفير إمكانية الحصول على إرباح دون الاستثمار المباشر في عملية الإنتاج.

ولكي تحصل على الأموال الفوائد على الإيداعات تلجأ البنوك إلى فرض سعر أعلى للفائدة على القروض مع ضمان أن هذه الفوائد والقروض يمكن ردها مرة أخرى تساعد هذه العملية على التعتيم على الطبيعة الأساسية للنظام الرأسمالي بسماحها بتراكم الثروات دون الانخراط مباشرة في عملية الإنتاج أو بيع سلع حقيقية.

وفي حين النظام البنكي له ضرورة حيوية لزيادة توسيع الرأسمالية والقيام بالعمليات المعقدة التي تحدث بصورة شديدة الدقة في الاقتصاد الرأسمالي فهي في نفس الوقت أيضًا تعد مصدرًا للمخاطر فالبنوك عادة ما تفترض لمدى قصير (قروض قصيرة الآجل من المودعين) بمعنى أن المودعين يستطيعون سحب إبداعاتهم بسرعة شديدة وفي نفس الوقت فهي تقدم قروض طويلة الأجل بمعنى أن البنوك لا تستطيع استرداد معظم القروض التي تقدمها في المدى القصير ولذلك تتعرض البنوك لمخاطر مثل جنون السحب والتغيرات في الحالة الاقتصادية من انتعاش إلى ركود مما يجعل قروضها مشكوك في تحصيلها (معدومة).

وقد بدأ بعض المعلقين البرجوازيين بالحديث عن الطبيعة أعامة والخاصة للقطاع المصرفي خاصة في أعقاب أزمة جنوب شرق أسيا فقد ادعوا أن البنوك قدمت قروضًا بشكل عشوائي ومتكرر في السنوات الأخيرة مما أدى إلى الأزمات المالية وكذلك أزمة القروض في أمريكا اللاتينية في أوائل الثمانينات وأزمة المدخرات والقروض في الولايات المتحدة وأزمة الرهونات في أواخر الثمانينات في بريطانية والولايات المتحدة وأزمة القطاع المصرفي في الدول الاسكندينافية أخيرًا وأزمة المالية في اليابان ونفس الكلام يرده منظري حزب التجمع الإصلاحيين كإبراهيم العيسوي ومحمود عبد الفضيل وغيرهم.

لقد توسعت البنوك في الإقراض لأنها تعرف أنها دائمًا سيتم إنقاذها إذا تعرضت قروضها للمخاطر ويطلب هؤلاء الإصلاحيين بضوابط وشفافية أعلى في النظام المصرفي وفرض عقوبات أشد على البنوك التي تخاطر بالقروض لدرجة تركها عرضة للإفلاس ولكن ذلك يتغافل الضغوط التنافسية التي تدفع البنوك للمطالبة بسياسة التعويم (عدم فرض ضوابط صارمة على الاقتراض) الأمر الذي يشجعهم على تقديم قروض يشوبها المخاطرة فقد اندفعت البنوك بطمعها وسعيها إلى تعظيم أرباحهم إلى تقديم كميات هائلة من القروض لشركات القطاع الخاص منذ بداية عام 1992 التي قامت باستخدامها بطريقة أو بأخرى لزيادة أرباحها المعلنة، كما أنههم أي الإصلاحيين يتجاهلون خطر الانهيار المالي الذي يجبر الدول على الحد من الدرجة التي تعرض البنوك للإفلاس لذلك فإن الدول تحتفظ لنفسها بأن تلعب دورًا كبيرًا في تقديم الدعم الضروري للنظام المصرفي لمنع انهياره وانهيار الاقتصاد العيني معه.

أن صحة أو حيوية الدورة المالية لرأس المال (نقود – نقود) تعتمد في نهاية المطاف على استخلاص فائض القيمة خلال إنتاج البضائع المعروضة للبيع فرأس المال المالي يوزع ويعيد توزيع فائض القيمة الذي يخلق في عملية الإنتاج ولهذا السبب فإن رأس المال المالي على مستوى العالم يعتمد في المحصلة النهائية على حيوية القطاع الإنتاجي ولا تستطيع تدخل الحكومات لحماية البنوك من الانهيار أن تتغلب على أزمة الربحية في هذا القطاع الإنتاجي وميل معدل الربح للانخفاض.

ثانيًا: البورصة والمضاربة:
في الوقت الحالي تلعب البورصة دورًا أقل أهمية في توفير رأسمال للاستثمارات الجديدة وبدلاً من ذلك تمثل البورصة بشكل أساسي سوقًا للمضاربة على الأسهم فإذا كانت أسعار الفائدة منخفضة والأرباح مرتفعة أو تتصاعد وبالتالي (الكوبونات) ستوفر مكسب مالي أكبر من الفائدة على الإيداعات البنكية فإن المستثمرين سيقومون بنقل أموالهم من البنوك إلى البورصة والعكس صحيح.

من الممكن أن يعكس صعود الأسهم صعودًا في الأرباح في الاقتصاد الإنتاجي الحقيقي ولكن يبين تاريخ البورصات العالمية أن الأسواق كانت دائمًا ترتفع في هذا السوق أكثر من معدل الربحية الذي يمكن أن يبرر ذلك على المدى الطويل وبالتالي فإن المضاربون يراهنون على أن هذه الأسهم سترتفع فيضخون أموالاً أكثر على شراء الأسهم التي تشير توقعاتهم إلى ارتفاعها في القريب أو الأجل البعيد مع تغير الظروف يقوم السوق بتصحيح نفسه فيشهد أزمة نتيجة لارتفاع كبير ومفاجئ في أسعار الفائدة مما يجعل الإيداعات البنكية أكثر جاذبية أو انخفاض كبير في أرباح الشركات وبالتالي تراجع عوائد الأسهم أو الأزمات في مكان أخر في النظام والذي يؤدي إلى تغيير اتجاه حركة الأسهم من الارتفاع إلى توقعات انخفاضها وهذه العوامل مجتمعة من تراجع في أرباح الشركات وارتفاع أسعار الفائدة والركود هي التي دفعت البورصة المصرية للوصول لأدنى مستوياتها خلال أربعة أعوام ولكن البورصة ظلت تتذبذب بين الصعود والهبوط حتى بعدما استفحلت الأزمة الاقتصادية ويرجع ذلك بصفة أساسية إلى عوامل المضاربة.

فالمضاربون يدركون أن صعود الأسواق المالية لا يمكن تحديه قوي الجاذبية للأبد لذلك فإنهم مجبرون على الاستمرار في المضاربة على زيادات مستمرة حتى أخر لحظة ممكنة فمثلاً إذا تراجع أحد المضاربون بعدة أشهر قبل حدوث التدهور العنيف فعلي المدى القصير سيكون قد حقق أرباح أدنى بكثير من أولئك الذين استمروا ولذلك فإن المنافسة على الربح هي التي تدفع إلى تجاوزات المضاربين تمامًا كما أن المنافسة على الأرباح تؤدي إلى أزمات في القطاع الإنتاجي فالمضارب يأمل دائمًا في وجود “أحق كبير” هو الذي سيشتري منه أسهمه التي يضارب عليها بالضبط عندما يتحول السوق إلى نقطة الانهيار.

ثالثًا: الأزمة الاقتصادية:
عندما يكون الاقتصاد في فترة انتعاش وتكون الأرباح مرتفعة يلجأ العديد من رجال الأعمال لزيادة استثماراتهم لتوسع الإنتاج أي رجل أعمال يفشل في ذلك سيجد نفسه قد تأخر وتجاوزه منافسيه الذين ينتهزون فرصة الظروف الاقتصادية الجيدة ومع ذلك فإن تصاعد الاستثمارات بل تخطيط يؤدي إلى زيادة التكاليف حيث أسعار السلع الإضافية التي تنتج عن تلك الاستثمارات تنخفض حيث يبدأ العرض في الزيادة عن الطلب ومع زيادة المعروض من السلع تنخفض الأرباح مما يؤدي إلى إفلاس بعض الشركات وتخفيض الإنفاق الاستثماري وطرد العمال وبالتالي انخفاض القوة الشرائية نفسها والدخول في دائرة مفرغة حتى يحدث الانهيار التام هذه الدورة الرخاء الأزمة التي تغرق فيها الرأسمالية في ركود وأزمة كنتيجة لفائض وأزمات فائض الإنتاج تعد ظاهرة تميز بها المجتمع الرأسمالي ففي ظل المجتمعات الرأسمالية السابقة كانت الأزمات تأخذ شكل نقص الإنتاج وعجزه عن تلبية احتياجات جماهير السكان أما الرأسمالية فالأزمة تأخذ شكل فائض ضخم في البضائع ليس بسبب تشبع احتياجات السكان ولكن بسبب أن رجال الأعمال ليست لديهم القدرة على بيع البضائع الفائضة وتحقيق ربح في نفس الوقت.

رابعًا: الأزمة المالية:
أن تأثير انخفاض الأرباح في القطاع الإنتاجي يؤدي إلى تدهور الدورة المالية لرأسمال والتي بدورها تجعل الأزمة العامة أعنف وأشد فعندما تكون قرارات الإقراض لا تتخذ على أساس الفساد (كما تم في حالات نواب القروض) ويحدث هذا الإقراض على أساس أن المستفيد سيكون قادرًا على رد القرض مع الفائدة في خلال فترة محددة ويساهم التسليف في أزمة فائض الإنتاج بزيادة للمعروض من احتياطات رأس المال القابلة للاستثمار وعندما لا تتحقق الأرباح المتوقعة على القروض التي قدمتها البنوك تعجز الشركات عن الدفع وتصبح قروض البنوك قروضًا معدومة وفي أسوأ الأحوال يمكن للبنك المطالبة برد القروض وبسبب عجز الشركة عن الرد يعتبرها مفلسة فيطرد العمال ويتم عرض أصول الشركة للبيع بأسعار بخسة لاستعادة أموال المودعين ويزيد ذلك من حجم الأزمة وعمقها تمامًا كما ساهم النظام المصرفي في توسيع وزيادة حجم الرخاء.

وتأخذ البنوك والت تمثل جزء من أهم مؤسسات التسليف الودائع التي تدين للمودعين وتعتبر هذه خصوم البنك أو الالتزامات التي عليه وبعد ذلك يسلفون هذه الأموال للمقترضين وتعرف هذه القروض كأصول للبنك ومن أجل توفير بعض الأمان للمودعين وبعض الضوابط للتسليف البنكي وتم وضع قواعد دولية للمعدل الضروري الذي يعد نظرنا مملوكًا للبنك (رأسمال البنك) والذي يتوفر من المساهمين والأرباح التي يحققها البنك من خلال أنشطته المختلفة وعندما تتحول قروض البنك إلى ديون مشكوك في تحصيلها يضطر البنوك في النهاية إلى إعدام هذه الديون وإعدامها هو في الحقيقة خصم من رأسمال البنك مما يقلل من قيمة هذا الرأسمال وكلما كان رأسمال البنك صغيرًا تقل البنوك على التسليف وبالتالي فإن زيادة حجم الديون المشكوك في تحصليها يقلل من التسليف والذي تقدمه البنوك مما يؤدي أزمة في التسليف ويؤدي ذلك إلى تعقيد الأزمة عن طريق تخفيض الائتمان وتخفيض الإنفاق في الاقتصاد عمومًا وربما تلجأ البنوك في هذه الحالة إلى المطالبة بديونها بسبب خوفها من وقوع المقترضين في أزمات ويؤدي ذلك إلى تأثير أكثر انكماشا في الاقتصاد عمومًا وربما تعاني البنوك نفسها من صعوبات حيث تجد نفسها لا تستطيع رد القروض التي اقترضتها من بنوك أخرى وعندما تطالب البنوك الأخرى بفوائد أعلى على قروضها وترفض أن تقدم قروضًا جديدة للبنوك التي تحقق خسائر.

خامسًا: المضاربة والأزمة:
إن الأزمات التي تحدثها أزمة فائض الإنتاج ممكن أن تزداد سوءًا تجاوزات المضاربة فالزيادة السريعة في قيمة الأصول وقيمة الأسهم الموجودة فعلاً والعقارات والسلع.. الخ كنتيجة للمضاربة يمكن أن تؤدي إلى زيادة فائض الإنتاج فإذا ارتفعت قيمة العقارات بشكل كبير كما تشير أسعار العقارات خلال التسعينات في مصر حيث كان سعر المتر في 1995 في المدن الجديدة عند مستوى 120 جنيهًا ولأغراض المضاربة بلغ سعر المتر 400 جنيه خلال عامين أي في عام 1997 بزيادة 233% ونتيجة لذلك قام المستثمرون العقاريين ببناء عقارات أكثر ونتيجة لعدم التخطيط والسعي وراء الأرباح الهائلة يتجاوز العرض الطلب بسرعة ونتيجة لهذا التجاوز ومع ارتفاع أسعار الفائدة مما يجعل القروض مرتفعة التكلفة ويتحول المضاربون في الشراء على البيع وتبدأ قيمة الأصول في الانخفاض وتبدأ البنوك في القلق حول الضمانات التي تدعم قروضهم بسبب انخفاض قيمتها فتبدأ البنوك في المطالبة بقروضها قبل انهيار القيم أكثر ولكن المطالبة بالقروض وتخفيض الائتمان يزيد من انكماش أكثر في قيمة الأصول في حلقة جهنمية والجدير بالذكر أن الأرض تعد من أكبر الضمانات التي تقدم للبنوك للحصول على قروض.

من الضروري فهم أن تجاوزات المضاربة هي جزء بنيوي في دورة رأس المال المالي وأن دورة رأس المال المالي هي أحد الجوانب الأساسية في الرأسمالية علاوة على ذلك فعلى الرغم من ضرورة إدراك الفارق بين الدورة المالية والدورة الإنتاجية لرأس المال فإن الرأسماليين المنتجين يشاركون في المضاربة والمضاربون نجدهم يشاركون في قطاع الإنتاج.

إن محاولة الإصلاحيين اليساريين عزل المضاربين واعتبارهم السبب الأساسي للمشكلات الرئيسية في النظام الاقتصادي المصري يعد خطأ كبير فالرأسماليين ككل يدفعهم السعي وراء الربح في أي مكان في العالم يمكن أن يعظم أرباحه وفوضى المنافسة سعيًا وراء الربح يتحمل عبأها الطبقة العاملة فقد قام الرأسماليين في المناطق الصناعية الجديدة بطرد العمال كليًا أو جزئيًا.

إن الرأسمالية ستسعى لتحميل الطبقة العاملة عبء الخروج من الأزمة عبر تخفيض الأجور فهذه وسيلة كلاسيكية معروفة فعند اشتداد الأزمة الاقتصادية يلجأ الرأسماليون لتخفيض أجور العمال آملين بذلك أن يرفعوا مستويات أرباحهم الآخذة في الانخفاض وأطلق ماركس على هذه العملية الانخفاض وأطلق ماركس على هذه العملية توصيف الإفقار المطلق للعمال فقد رأى ماركس أن الرأسماليين سيحاولون تعويض الضغط على معدلات الأرباح بتخفيض الجزء من الناتج الذي يذهب إلى الأجور أن ذلك يفتح أفاق واسعة لتزايد حدة الصراع الطبقي خاصة في ظل إفلاس العديد من شركات القطاع الخاص بعد هرب أصحابها بعد تعثرهم عن سداد ديونهم للبنوك وأصبح فرار رجال الأعمال إلى الخارج هربًا من سداد ديونهم خبر معتاد في الجرائد والمؤكد أن هروب رجال الأعمال أو تعثرهم إغلاق مصانعهم هو أمر متشابه بالنسبة للعمال فنتيجة واحدة حيث يترك العمال في الحالتين في العراء بلا أجور ولا وظائف ولا نقابات عمالية تدافع عنهم أن هذه فرصة لنمو التيار الاشتراكي الثوري وسط هذه المناطق الصناعية الجديدة التي تموج يوميًا بالتوترات العمالية وتحتاج للاشتباك معها عبر تكريس جهودنا لخلق صلات وجذور لنا في هذه المناطق.