بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الرأسمالية والطفولة في مصر

تخضع مؤسسة الأسرة – مثلها في ذلك مثل باقي مؤسسات المجتمع المصري المختلفة في ظل النظام الرأسمالي – إلى تناقضات لا حصر لها كانعكاس رئيسي لهذا النظام. إن مؤسسة الأسرة، في الحقيقة هي العمود الفقري الذي يرتكز عليه هذا النظام. فأسرة الطبقة العاملة المصرية هي التي تنتج الأطفال الذين يصبحون عمالاً فيما بعد لكي يخدموا الرأسمالية المصرية وتطورها وتراكم أرباحها، كما يحدث في جميع أرجاء العالم الرأسمالي. ولكن في نفس الوقت الذي تخدم فيه هذه الأسرة – أسرة الطبقة العاملة – المؤسسة الرأسمالية فهي تنتج أيضًا عناصر الطبقة الوحيدة التي سوف يكون لديها الإمكانية الحقيقية لقيادة الثورة وخلع الرأسمالية من جذورها. وهكذا، فمن ناحية تنشأ الأسرة تحت قواعد وشروط وضغوط النظام الرأسمالي، بينما من ناحية ثانية تقدم الأسرة الأطفال الذين سوف يواجهون هذا النظام في المستقبل.

وهذه العلاقة الجدلية بين الرأسمالية ومؤسسة الأسرة هي التي تجعل الأخيرة هامة جدًا أيديولوجيا بالنسبة للرأسمالية، كما يجعل تفككها كارثة حقيقية بالنسبة للنظام – وهو خطر تبذل الرأسمالية في مصر وفي جميع البلدان كافة جهودها وتستخدم كافة أسلحة قمعها لمنعه. فالأسرة هي القاعدة التي يبني عليها النظام الرأسمالي أفكاره عن الملكية والتحقق والعمال والربح، أيضًا عن العادات والسلوك والتقاليد والمفاهيم. وعلى مدار هذه العملية الطويلة الأمد جدًا، يستعد النظم بكل أسلحة القمع والقهر، ويستعد بكل الوحشية للدفاع عن وجود الأسرة وتماسكها الأيديولوجي.

وفي ظل هذه العلاقة، يولد الأطفال الذين ينتقل انتماؤهم بشكل أوتوماتيكي منذ يوم مولدهم إلى الطبقة التي ينتمي إليها آبائهم ويصبح مصيرهم مرتبط بطبقتهم، فهذه هي أول دروس الملكية أو الخصخصة التي يفرضها النظام الرأسمالي. فهم ربما لا ينتمون إلى طبقتهم جسديًا ولكنهم ينتمون إليها اجتماعيًا وأيديولوجيا ويتم تشكيل وعيهم من البداية على الأسس الطبقية هذه. وهكذا يطرح السؤال التالي نفسه: الطفل مسئولية من؟ هل هو مسئولية الأسرة وحدها، أم هو مسئولية الطبقة التي ينتمي إليها، أم هو مسئولية النظام الاجتماعي القائم كله؟ وفي إجابته عن هذا السؤال، يدعي النظام الرأسمالي المصري أن الطفل هو مسئولية الأسرة وحدها ويكرس هذا الاعتقاد اجتماعيًا وثقافيًا واقتصاديًا. وبالتالي يقع على الأسرة عبء التنشئة الاجتماعية والتعليم والمصاريف والأكل والشرب والمسكن والملبس.. الخ ويتحلل النظام الرأسمالي من كافة مسئولياته، أي يتحلل المجتمع ككل من كافة مسئولياته الجماعية تجاه الأطفال. يصبح لدى الأسرة اعتقاد راسخ بأن الأطفال هم ملكيتها الخاصة وأنها يجب أن تستنزف كل طاقاتها وقوة عملها لتنشئة هؤلاء الصغار تنشئة سليمة طبقًا لقواعد وتقاليد النظام الرأسمالي. فالأسرة الغنية تتصرف مع أطفالها بطريقة تختلف عن تعامل الأسرة الفقيرة، ولكن الأسرتين تلعبان الأدوار المخصصة لهما ويجب ألا تحيدًا عن هذه الأدوار. وإذا لم تستطع الأسرة أن تلعب هذا الدور بإتقان تام، تصبح هي الملامة أولاً وأخيرًا عن انحراف أطفالها أو تشردهم في الشوارع أو أميتهم أو مرضهم أو فقرهم، وأخيرًا عن موتهم.

أما عن الدور الذي تلعبه الدولة أحيانًا من تقديم خدمات اجتماعية للأسرة – مثلما فعلت الدولة الناصرية في الستينيات مثلاً عندما أصدرت قرارات بمجانية التعليم وإعطاء بعض الامتيازات للطبقة العاملة – فهو يرتبط ارتباطًا وثيقًا بفترات ازدهارها الرأسمالي. في فترات الازدهار هذه عندما تكون الدولة قادرة على تحقيق تراكم أعلى وأرباح أكثر، تصدر قوانين من نوع الرفاهة الاجتماعية لكي تستوعب الطبقة العاملة وأطفالها وتجعلها تعيش في وهم التقدم والازدهار لها ولأطفالها، فتقوم الطبقة العاملة بالعمل أكثر وأكثر وتحت شروط عمل أقسى وساعات أطول. وعلى النقيض الآخر. فعندما تكون الرأسمالية في أزمة ومعدلات ربحها أقل وقدرتها على تحقيق تراكم أضعف – مثلما هو حال الرأسمالية المصرية اليوم – تصدر الدولة قوانين مضادة لتقليص حجم العمالة وتشريدهم وتفكيكها. وفي كل هذه المنعطفات من الصراع الطبقي وتطور الرأسمالية، يخضع الأطفال لقوانين النظام، ولكنهم يظلون – في عرف النظام – مسئولية الأسرة الأولى والأخيرة. ولكن ما هي أحوال الأطفال في مصر؟

حالة الطفولة في مصر

إن أحدث الإحصاءات تخبرنا بأن هناك حوالي 33 مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر، حيث ارتفعت الأسعار خلال سنوات برنامج الإصلاح الاقتصادي بمعدل مذهل – 30% سنويًا. أما الأطفال من سن 5 أعوام على 16 عامًا فوصل عددهم إلى 35 مليون في سنة 1996. معنى ذلك أن أكثر من نصف سكان مصر في حاجة إلى من يعولهم. ولكننا نجد أن أطفال الأسر الفقيرة في مصر من أبناء الطبقة العاملة المطحونة يقاسون من صعاب لا حصر لها في ظل انعدام الخدمات وتواطؤ مؤسسات الدولة بكافة قطاعاتها ضد الفئات الفقيرة. ففي مجال الصحة، نجد أن عدد الأطفال الذين يموتون سنويًا بسبب الأمراض المختلفة المرتبطة بالفقر مثل سوء التغذية والضمور والإسهال وفقر الدم وتضخم الغدة الدرقية.. الخ وقد وصل إلى 132 ألف طفل في سنة 1996 بينما كان العدد 95 ألف طفل في سنة 1992. وما زال أيضًا معدل وفيات الأمومة مرتفعًا جدًا إذ يبلغ 174 حالة بالنسبة لكل ألف ولادة حية. أما نسبة المولودين يوزن منخفض حتى بلوغهم 4 سنوات فقد وصلت على 10% في السنوات بين 1990 و1994 وزادت هذه النسبة إلى 15% في سنة 1997. كما أن هناك 25% من الأطفال المصريين الذين يعانون من مرض التقزم وذلك بين 1990 و1997. وإذا ألقينا نظرة سريعة على نسب التحصينات ضد الأمراض الخطيرة، فسنجد أنه في عام 1996 كان الوضع كالتالي:

· نسبة الأطفال المحصنين كاملاً في عمر سنة واحدة ضد السل بلغ 91%.
· نسبة الأطفال المحصنين تحصينًا كاملاً في عصر سنة واحدة ضد شلل الأطفال الثلاثي بلغ 71%.
· نسبة الأطفال المحصنين تحصينًا كاملاً في عمر سنة واحدة ضد شلل الأطفال بلغ 77%.
· نسبة الأطفال المحصنين تحصينًا كاملاً في عمر سنة واحدة ضد الحصبة بلغ 85%.

إن هذه الأرقام تعطي مؤشرات خطيرة عن الحالة الصحية المتدهورة لأطفال مصر. ففي ظل الفقر وانعدام الوعي عند ملايين الأسر، فإن تحصينهم لأطفالهم ضد أخطر الأمراض لا يجد مساحة من التفكير ولا الإمكانيات. وبالطبع فإن الخدمات الحكومية لا تصل أصلاً إلى هذه الفئات في أنحاء كثيرة من الريف والمدينة. إن الحكومة تصرف 1% فقط من الدخل القومي على الصحة. وهكذا، فإن الكثير من القرى مثلاً لا يوجد بها أي وحدات صحية، وإن وجدت فهي بدون أية إمكانيات، أي أنها مجرد ديكور داخل القرية. فأين تذهب الأم بطفلها الرضيع لكي تعالجه أو تحصنه؟ فهي إن وفرت بعض القروش القليلة لهذا الغرض، فلا يوجد أصلاً من يساعدها. ففي الريف، هناك طبيب واحد فقط لكل خمسة آلاف من السكان، أما في الحضر فهناك طبيب واحد لكل 958 من السكان! إن الكثير من دول العالم (بما فيها العديد من دول العالم الثالث) قد وصلت نسبة التحصينات ضد الأمراض المبينة أعلاه إلى 100% حيث أنه تعتبر من بديهيات المعيشة التي يجب أن تتوفر لكل الأفراد مجانًا.

وإذا نظرنا إلى قطاع آخر من قطاعات الدولة – وهو المؤسسة التعليمية – فسنجد أن وضع الأطفال الفقراء يتدنى تدنيًا ملحوظًا سنة بعد أخرى. فهناك 3 مليون طفل غير مقيدين في التعليم الأساسي أو الثانوي، كما نلاحظ أن نسبة الأمية تتزايد بشكل عام (على الرغم من شعارات الدولة الزائفة عن ارتفاع أعداد فصول محو الأمية في كافة أنحاء مصر)، فنجد أن عدد الأميين قد زاد بين البالغين من 16 مليون في سنة 1990 إلى 17 ونصف مليون في سنة 1993، وهذا العدد يمثل نصف عدد البالغين تقريبًا. إن الحكومة تصرف 5% من الدخل القومي على التعليم، وهذا بالطبع لا يكفي على الإطلاق لوجود أي بنية أساسية آدمية في المدارس الحكومية. إن معظم هذه المدارس لا يوجد بها كراسي كافية ولا دورات مياه، والكثير منها آيل للسقوط. وعلى الرغم من عدم توفير أي إمكانيات في المدارس فإن الأهالي مطالبون بدفع مصاريف مدرسية لأطفالهم تبلغ 20 جنيه سنويًا في المرحلة الابتدائية، هذا بالإضافة لمصاريف الكتب والكراريس والمجموعات والدروس الخصوصية والمواصلات. في ظل هذا الوضع. فبالتأكيد أصبحت المدرسة مؤسسة طاردة للأطفال الفقراء. ولكن يأتي هذا الوضع في مقابل حديث الدولة عن أهمية التعلم ومكتبات الأسرة التي تفتتحها سوزان مبارك في أماكن عديدة. ومن هنا ينبع التناقض الحاد بين ما تريده الدولة من ناحية وما تتكلفه من مصاريف من ناحية أخرى. فالدولة بالتأكيد تريد أطفال الطبقة العاملة أن يتعلموا ويكونوا أصحاء بالقدر الذي يجعلهم قادرين على العمل، ولكنها في ذات الوقت لا تريد لهم أن يكلفوها الكثير أيضًا.

أما إذا نظرنا إلى وضع عمالة الأطفال والتي يتعرض لويلاتها الأطفال الفقراء وأطفال الشوارع فقط، فالواقع يقول أنها أصبحت من أكثر الأسباب التي تؤدي إلى مرض الأطفال وممارسة كافة أشكال الاستغلال والعنف ضدهم، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى وفاتهم. إن هناك 2 مليون طفل عامل في مصر تتراوح أعمارهم ما بين 6 و14 سنة. يعمل 78% منهم في قطاع الزراعة و9% في الورش الصناعية و5% في قطاع الخدمات و9% في التشييد. ومن الملفت للنظر أن الأرقام تشير إلى أن 55% من الأطفال العاملين ما زالت أسماؤهم مدرجة في مراحل التعليم الابتدائي والإعدادي حيث أن نظام وزارة التعليم يلزم المدرسة بعدم اعتبار الطفل متسرب من التعليم حتى يصل إلى الصف الثالث الإعدادي! فالمدرسة تحتفظ بملف الطفل حتى تلك المرحلة. ومعنى ذلك أن هناك الملايين من الأطفال المتسربين من التعليم غير مدرجين في إحصائيات الدولة.

وفي واقع الأمر، نجد أن عمالية الأطفال في تزايد ملحوظ وذلك على الرغم من وجود كم لا بأس به من التشريعات والقوانين التي تضع ضوابط لعمالة الأطفال وتمنع عمل الأطفال تحت سن 12 سنة عمومًا وتحت سن 15 سنة في بعض المهن مثل حمل الأثقال أو دفعها أو جرها، وتمنع عمل من هم تحت سن 17 سنة في مهن مثل المناجم وصهر المعادن والزجاج والكاوتشوك. ولكن حالة الأطفال تزداد سوءًا مع تطور الأزمة الرأسمالية وخاصة في سنوات التسعينيات. فمع الهرولة في تطبيق سياسات الخصخصة وبرنامج التعديل الهيكلي، كان لابد للحكومة المصرية أن تزيح أعباء الطبقات الفقيرة عن كاهلها، وهي لم تجد سبيلاً لذلك إلا بتشريدهم وطردهم من أماكن العمل وإصدار القوانين التي تمكنها وتمكن طبقة رجال الأعمال والدولة من القدرة على المنافسة بشكل أعلى في السوق الرأسمالي العالمي. ولكن طبقة رجال الأعمال هذه تحتاج بشكل أساسي لعمالة الأطفال لأنها عمالة رخيصة جدًا ولا تكلف أصحاب المصانع والورش الكثير. فهؤلاء الأطفال غير مؤمن عليهم ضد ما يمكن أن يتعرضوا له من إصابات أثناء العمل. وهكذا، فمن السهل جدًا على صاحب العمال أن يطرد أي طفل صنايعي لديه في أي لحظة بدن أن يكلفه ذلك أية أعباء مادية. والدولة بالطبع بغض النظر عن تلك التجاوزات لأنها هي الأخرى في أشد الحاجة لعمالة الأطفال الرخيصة.

وبذلك نجد أنه من ناحية تتكلم الدولة عن ضرورة إلغاء عمالة الأطفال وبأنها غير قانونية. كما تنادي مؤسسات المجتمع المدني التي تعمل في مجال الطفولة بإلغاء عمالة الأطفال تمامًا في الكثير من المؤتمرات والأبحاث! ولكن من ناحية أخرى، لا تستطيع الدولة التخلي عن هذه العمالة المضمونة الرخيصة. إن تكلفة العمل، وبالتالي تكلفة الأسرة تقل بالنسبة للرأسمالي عندما يعمل جميع أفرادها، على الرغم من أن دخل الأسرة ربما يزداد.

ولأن أصحاب المصانع الكبيرة أصبحوا يعتمدون بشكل متزايد على الآلات أكثر من العمالة اليدوية، فهم يمكنهم الاستعانة بأطفال ليسوا دوي خبرة في الوقوف على آلات سهلة التشغيل، ويخصص لكل طفل شيء بسيط يقوم به مثل ربط مسمار أو تكييس مادة معينة أو تجميع مكونات جهاز معين.. الخ. وهكذا نرى أن اعتماد الرأسمالي على عمالة الأطفال يتزايد، بينما تجد الدولة كل يوم ذرائع جديدة لتخلص من العمال المهرة ذوي الحرفة الحقيقية، عبر سياسة المعاش المبكر وإصدار قانون العمال الموحد وإلغاء حوافز العال والتحايل عليهم بتقليص أجورهم أو عدم دفعها كاملة لمدة شهور عديدة.

أما الأطفال الذين يعملون في الأراضي الزراعية في ريف مصر – والذين يمثلون الغالبية العظمى من عمالة الأطفال (حوالي 75 – 80%) – فهم مثل قرنائهم في المدينة يعانون من الفقر وسوء التغذية والأمية والمرض. والواقع يخبرنا أن عمالة الأطفال في الزراعة، كما أنها تستوعب قدرًا هائلاً من العمالة الموسمية في شهور الذروة والتي قد تصل فيها عمالة الأطفال إلى ضعف الرقم المذكور أعلاه. وفي هذا السياق، يمثل أطفال المدارس في الريف جيش احتياطي تحت الطلب في فترات بعينها على مدار السنة على الرغم من أنهم مسجلين خارج قوة العمل الزراعي. وتقول لنا الأرقام أن العمالة الموسمية للأطفال في سنوات الثمانينات وصلت في حدها الأدنى إلى 315 ألف وفي حدها الأقصى إلى 2 مليون طفل تضاف إلى الأطفال المسجلين ضمن قوة العمل الزراعي المتاح، واتي قدرت بحوالي 600 ألفًا آخرين. ولقد زادت هذه الأرقام كثيرًا خلال سنوات التسعينيات وقدرت بحوالي 3 مليون و340 ألف طفل ما بين عمالة مؤقتة ودائمة. والنتيجة السريعة والمؤكدة التي يمكن استخلاصها من هذه الأرقام هي أن مؤسسة العمالة في الريف يمكن أن تستوعب كافة الأطفال الذين يتسربون من التعليم لأن أسرهم في حاجة إلى الدخل الذي يأتون به من قوة عملهم.

وفي ظل غياب أي نوع من الرعاية أو العناية بهؤلاء الأطفال، فنجد أن الكثيرين منهم يموتون في حوادث انقلاب السيارات والجرارات على الاسفلت وفي الترع والمصارف والمستنقعات. ففي خلال الثلاث أشهر الماضية فقط، لقي 60 شخصًا بينهم أطفال من عمال التراحيل مصرعهم بينما أصيب 62 آخرون. كما أن الحادث الأخير الذي وقع في قرية أبو غالب بشمال الجيزة وراح ضحيته 13 طفل يعتبر الحادث الرابع في أقل من ثلاثة شهور، وكان قد سبقته حوادث أخرى في قرى صالحجر وكفر عسكر وأبو طاهر التابعة لمركز بسيون غربية والذي راح ضحيته 29 طفلاً لقوا مصرعهم إضافة إلى إصابة 54 آخرين في شهر سبتمبر الماضي. أما بالنسبة للرعاية الصحية للأطفال العاملين في الحقول، فهي منعدمة تمامًا. فنرى غالبية هؤلاء الأطفال يعانون من الأمراض الصدرية نتيجة رش المبيدات بالإضافة إلى أمراض الجهاز الهضمي والتنفسي وعملهم في ظل البرودة القاسية أو الحرارة الشديدة.

تعمل هذه القوة الهائلة من أطفال الريف مقابل أجور زهيدة للغاية. وبسبب أن الفقر ربما يكون أشد وطأة في الريف عنه في المدينة فإن عمل الأطفال يمثل دخلاً رئيسيًا وطأة في الريف عنه في المدينة فإن عمل الأطفال يمثل دخلاً رئيسيًا للأسرة. ومثلما الحال في المدينة، فإن صاحب العمال يمكن أن يطرد من الأرض فلاح متمرس ظل يعمل سنوات عمره كلها في الأرض ويستبدله بأطفال صغار لأن تكلفتهم أقل بكثير.

وهكذا، ففي ظل ظروف الفقر والقهر وانعدام الرعاية الصحية التي يعاني منها الأطفال في مصر، فإن الآلاف منهم أصبحوا مشردين في الشوارع يعيشون في القذارة ويأكلون من سلال القمامة وينامون على أرصفة الشوارع. لقد وجد أن 11% من حوادث السرقة يقوم بها أطفال صغار. ويودع بعض هؤلاء الأطفال في مراكز رعاية الأحداث سنويًا رغم سوء حالتها المعيشية والصحية والتعليمية. إن الدولة لا تصرف على دور الرعاية هذه، وبالتالي فإن الكثير من الأطفال يهربون منها ليعودوا للشارع مرة أخرى، أو يعيشون في ظلها كأنهم في سجن ليس له نهاية. وتشر الأرقام أيضًا إلى أن الأسر التي تعولها نساء في تزايد ملحوظ حيث بلغت النسبة في الوقت الراهن ما يقرب من 30% من الأسر المصرية. ومعظم هؤلاء النساء أميات وأرامل أو مطلقات أو زوجات لأزواج يعيشون في بطالة. وبالتالي، فمن يحتجن إلى أطفالهن ليعملوا ويأتون بدخل للأسرة. ولكن تحت هذه الظروف القاسية، ربما لا يكون للطفل بديل آخر سوى الفرار من هذه المؤسسة أيضًا، ويكن الشارع هو مأواه. وفي هذه الظروف، يعود السؤال “الطفل مسئولية من؟” ليطرح نفسه مرة أخرى.

ما هي البدائل إذن فيما يتعلق بمسألة الطفولة؟

إن المعاناة التي يلاقيها الأطفال الصغار الفقراء هي خاصة بطبقتهم بالتحديد. فالأطفال الأغنياء لا يتعرضون لهذا القهر وهذه القسوة في المعيشة. إننا نرى هؤلاء الأطفال السعداء ذوي الملابس النظيفة والشرائط الملونة يلهون في مرح ويغنون ويرقصون ويأكلون أكلاً صحيًا ويتعلمون في مدارس نظيفة. نراهم في برامج ماما سوزان في التليفزيون ونراهم في المهرجانات وأعياد الطفولة. إنهم طبقة أخرى تمثل شريحة صغيرة جدًا من الشعب المصري. ولكن الأطفال الآخرين الذين تعرضنا لأوضاعهم في هذا التحقيق فهم يمثلون غالبية الأطفال ولذلك فهم الأولى بالرعاية وإيجاد حلول لمعاناتهم.

لا توجد حلول في أي من المؤسسات القائمة، بما في ذلك مؤسسة الأسرة نفسها. لقد أفلست مؤسسات الدولة تمامًا من صحة وتعليم ومراكز رعاية.. الخ في توفير أي رعاية للأطفال الفقراء، بل على العكس فإن الدولة والطبقة المسيطرة على وسائل الإنتاج هي أول من يستغل هؤلاء الأطفال ويرمي بهم إلى الجحيم. ربما كانت الدولة تلعب دور الرعاية هذا في ظل النظام الناصري (كما أشرنا سابقًا)، ولكن من المستحيل أن تستطيع دولة مبارك أن تلعب هذا الدول في ظل أزمتها الراهنة. أما بالنسبة لمؤسسة الأسرة التي تضم الآباء والأمهات الفقراء.. هذه المؤسسة المطحونة هي الأخرى في ظل برامج الخصخصة وارتفاع الأسعار وانعدام الخدمات فهي ليس لديها أي بدائل إيجابية تقدمها لهؤلاء الصغار. فكلهم يحبون بالكاد فقط. وليس هذا فقط، بل إن الأسرة ما زالت متمسكة بدورها التاريخي في تحديد مسئوليتها عن أطفالها كما تملي عليها أيديولوجية النظام القائم.

إذن، نرى إن القضايا كلها في الحقيقة مرتبطة ببعضها البعض ولا يمكن فصلها. وإذا أردنا أن نتحدث عن بديل حقيقي لمأساة الطفولة فيجب علينا أن نرى الصورة من منظور آخر. يجب أن نرى مجتمعًا بديلاً يدار بشكل مختلف يكون فيه الأطفال أولاً وأخيرًا هم جزء لا يتجزأ من مسئوليته الجماعية، وليس مسئولية تلك النواة الصغيرة والمحدودة المسماة بالأسرة. مجتمع اشتراكي يقوم على سلطة الطبقة العاملة تختفي فيه شروط ملكية الأطفال ويصبحون فيه أفرادًا أحرارًا ينشئون ف يظل أيديولوجية تفكر وتعمل بشكل جماعي. هذا النظام هو ما سيمكننا من أن نربي أطفالنا كمجتمع وليس كأب أو أم منفصلين. بالتالي، إذا نظرنا إلى المستقبل على هذا النحو فسوف نستطيع أن نجمع قوتنا الجماعية في مواجهة الظروف التي يعاني منها الأطفال اليوم ونظل نضغط ونطالب بإيجاد حلول لكل هذه المعاناة. ولكن قبل كل ذلك يجب أن يكون لدينا عقيدة راسخة في نضالنا الجماعي، فهو طريق الخلاص بالنسبة لنا.