بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الرأسمالية والتغير المناخي

ثمة تقارير علمية تحذر من إمكانية أن يكون التغير المناخي الذي ستشهده العقود المقبلة، أسوأ مما هو متوقع، فالزيادات في معدل درجات الحرارة في اليابسة والبحار قد فاقت بكثير كل التوقعات. وعبر عدد من العلماء في مجال البيئة مؤخراً عن اعتقادهم، أنه قد تم التقليل من حجم المخاطر المتوقعة من التغيرات المناخية المقبلة.

وتشمل الآثار البيئية لزيادة درجة حرارة الأرض ارتفاع منسوب البحر والأمطار والأعاصير؛ وزيادة انتشار الأمراض التي تنتقل عن طريق البعوض، مثل مرض الملاريا. ويكون التغير المناخي أكثر تدميرا على الزراعة، لاسيما في البلدان الفقيرة، التي تفتقر إلى التكنولوجيا التي تمتلكها الدول المتقدمة وتساعدها في الحد من مشكلات التغيرات المناخية. ومن نافلة القول إن النتائج المباشرة لارتفاع درجة حرارة الأرض، مثل الكوارث الطبيعية الأخرى، آثارها التدميرية أعنف علي الفقراء.

أصابع الاتهام بهذا الخصوص موجهة لشركات النفط العملاقة، التي تقوم صناعاتها على مشتقات ومصادر النفط، وأغلبها موجودة في أمريكا التي تعارض التوقيع على بروتوكول كيوتو المتعلق بالحد من انبعاث الغازات الدفيئة، تحت وطأة مصالح تلك الشركات، حتى وإن تسببت الكوارث البيئية في انقراض البشر كلهم. وهكذا فإن مسألة ارتفاع حرارة الأرض يجب أن ينظر إليها في السياق الاقتصادي والسياسي، فلكي نفهم التدابير الممكنة لخفض درجة حرارة الأرض، من الضروري أن نفهم كيف أن العوامل السياسية والاقتصادية تتفاعل.

من ناحية، يطالب علماء البيئة بالتوقف التدريجي عن استخدام النفط ومشتقاته الصناعية التي تلوث البيئة، وإيجاد حلول بديلة لمعالجة أزمة الطاقة. فعلى العالم إيجاد تقنيات جديدة للطاقة، وهي مصادر الطاقة البديلة التي تعتمد على الشمس والرياح، وطاقات أخرى نظيفة، تقلل من انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون.

ويشدد هؤلاء العلماء علي ضرورة استدراك الوضع فورا لأن هناك ما بين عشرين إلى ثلاثين عاما كأقصى زمن تقريبي لإيجاد الحلول. لكن هذه الحلول تفترض، من ناحية أخرى، وضع خطة عالمية جديدة لإجراء التغيير في النموذج الصناعي المتداول اليوم، كذلك يفترض وضع خطة للتغيير في صناعة التكنولوجيا. لكن كل هذه التغييرات تعد مستحيلة في الوقت الحاضر في ظل النظام الرأسمالي، فالحافز الرئيسي للتغيير في ظل المجتمع الرأسمالي، ليس قلق الإنسان علي البيئة أو رفاهية البشرية، بل السعي إلى أقصى ربح ممكن.

إذا النقطة الرئيسية في مسألة زيادة درجة حرارة الأرض هي سياسية ويجب النظر إليها علي أرضية المجتمع الرأسمالي. فعلى سبيل المثال الشركات الصناعية العملاقة المسببة للظاهرة، من شركات نفط وغاز وتعدين وسيارات، تؤثر بشدة في صياغة القرارات السياسية المرتبطة بالحد من إنتاج غازات الدفيئة بطريقة غير مباشرة، عن طريق التبرعات. فخلال الفترة من 1995 إلى 1999، تبرعت شركات النفط والغاز بمبلغ 20.8 مليون دولار للمرشحين لمجلس الشيوخ والكونجرس في الولايات المتحدة، وخلال نفس العام، منحت الصناعات التعدينية مبلغ 2.7 مليون دولار لهؤلاء المرشحين كما أعطت صناعات السيارات 3.8 مليون دولار لهم. كل هذه الصناعات لها مصلحة في استمرار النفط والفحم والغاز كمصادر رئيسية للطاقة. ومن هنا فإن وقف ارتفاع درجة حرارة الأرض عملية صعبة بسبب النفوذ السياسي لهذه الصناعات العملاقة، ليس فقط في الولايات المتحدة ولكن علي الصعيد العالمي.

وعلي الرغم من أن النفط والغاز معرضان للنفاد خلال هذا القرن إلا أن الصراع علي الهيمنة علي مناطق إنتاجهما تعكس بصورة جلية أن الرأسمالية العالمية ورأس حربتها الإمبريالية الأمريكية، تسعيان إلي أن يكون النفط والغاز مصدرين رئيسيين للطاقة في المستقبل المنظور. فالكل يعلم أن الولايات المتحدة خاضت أربعة حروب في السنوات الـ 15 الماضية، في العراق ويوغوسلافيا وأفغانستان، كان النفط والغاز فيها عاملا رئيسيا. في ضوء هذه الحقائق، لا غرابة في أن كل محاولة لوضع تدابير للحد من انبعاثات غازات الدفيئة قد ثبت عدم فعاليتها. فعملية التنافس الرأسمالي تؤدى إلي استمرار الحفاظ علي النفط والفحم في وضع مهيمن في سوق الطاقة العالمية.

في ظل النظام الرأسمالي، لا توجد إمكانية جدية للتعامل مع مشاكل البيئة. الكل يتذكر إعصار كاترينا الذي يعد أكبر كارثة تعرضت لها الولايات المتحدة. ورغم أن تلك الكارثة دمرت حياة عشرات الآلاف من الأمريكيين، إلا أن ذلك كله لم يقنع الولايات المتحدة بعد بالتوقيع على اتفاقية كيوتو بسبب أن الشركات الصناعية في الولايات المتحدة تحول دون ذلك التوقيع حتى لا تتضرر أرباحها، بالبحث عن مصادر الطاقة النظيفة، عوضا عن النفط ومشتقاته. كل ذلك يؤكد علي أن استمرار النظام الرأسمالي سيكون له أثر مأساوي على البيئة ومستقبل البشرية. لذا فإن مواجهة مشكلة ارتفاع درجة حرارة الأرض يحتاج إلي النضال ضد النظام الرأسمالي نفسه من أجل عالم أخر شعاره البشر قبل الأرباح.