بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الرأسمالية وصناعة الفقر.. “عالمنا ليس للبيع”

“خمس سكان العالم يعيشون على أقل من دولار واحد يوميًا…. خمس الأطفال في الدول الفقيرة يموتون قيل سن الخامسة….. متوسط الدخل في أغنى20 بلد في العالم يساوي 37 مرة متوسط الدخل في أفقر20 بلد في العالم”. هذه الأرقام الصادمة هي مجرد نماذج على أوضاع الأغلبية من سكان هذا العالم الذي يتسم بدون أدنى شك بعدم العدالة وسوء توزيع الموارد. وهي ليست- كما يحلو للبعض الترويج- أرقام مبالغ فيها أو ادعاءات من مجموعة من المحرضين الاشتراكيين الراغبين في تشويه صورة النظام الرأسمالي العالمي، بل هي في الواقع أرقام صادرة عن مؤسسة من اعتي وأهم مؤسسات النظام الرأسمالي ذاته، ألا وهي البنك الدولي. حيث أصدر البنك مؤخرًا تقريره السنوي عن التنمية في العالم لعامي 2000|2001 بعنوان: “شن هجوم على الفقر”. شهد إذن شاهد من أهلها…. شهد شاهد من أهل هذا النظام ودعاته على قسوته ووحشيته ولا إنسانية.

إلا أن الأرقام السابقة وحدها غير كافية لإعطائنا صورة واضحة عن حالة سكان العالم ومعاناتهم مع الفقر. فلننظر معًا نظرة أعمق على الفقر والفقراء في العالم لنفهم معًا لماذا يؤدي النظام الرأسمالي- بسبب طبيعته بالذات- إلى زيادة أعداد الفقراء وزيادة بؤسهم وحاجتهم.

عالم الوفرة.. عالم الفقر
لعل أول ما يلفت النظر عند الحديث عن الفقر هو ذلك التناقص الغريب بين التقدم العلمي والتكنولوجي المذهل الذي حققه العامل على مدى سنوات القرن العشرين (خاصة عقوده الأخيرة)، وبين التدهور في أحوال الأغلبية من سكان هذا العالم! فبسبب الثورات العلمية المتلاحقة في مجالات الهندسة الوراثية وتكنولوجيات الليزر والاتصالات والإلكترونيات والحاسبات وغيرها من المجالات، أصبح في مقدور العالم أن ينتج في عام 1992 ما يعادل خمسة أضعاف إجمالي الناتج المحقق قبل ثلاثة عقود فقط من هذا التاريخ (1950). ومن المنتظر أن يتسارع في المستقبل القريب معدل تضاعف الناتج العالمي ليصل إلى مستويات لم تحلم بها البشرية أبدًا.. معدلات تفوق بشكل غير قابل للجدل أي زيادة متوقعة في أعداد سكان هذا الكوكب المتناقض، مما يكشف عن مدى تفاهة الخرافة المالتوسية التي تدعي أن سبب مأساة الفقر في العالم هو إصرار الفقراء على إنجاب أطفال يلتهمون كل ثمار التنمية!!

على أن الزيادة الضخمة في الناتج والإنتاجية العالميين لم يعكسها نفسيهما بأي درجة من الدرجات في تحسين الأحوال المعيشية للفقراء. فبينما ينفق العالم مليارات الدولارات على اختراع وتطوير أسلحة قادرة على التدمير الشامل للبشرية، وبينما يسعى جورج بوش الابن إلى إحياء مشروع حرب النجوم ذو التكلفة الفلكية، نجد أنه في العالم الثالث وحده هناك 158 مليون طفل تحت سن الخامسة يعانون سوء التغذية. وفي عام 1993 توفي أكثر من12 مليون طفل تحت سن الخامسة بسبب انتشار الأمراض، بينما يوجد507 مليون شخص لا ينتظر أن يعيشوا ليصلوا إلى سن الـ40. أما عن الأحوال المعيشية فحدث ولا حرج حيث يوجد1,2 بليون فرد لا تصل لهم المياه النظيفة،842 مليون شخص بالغ يعانون الأمية، بالإضافة إلى140 مليون طفل في المرحلة بين6 إلى12 سنة لا يذهبون إلى المدارس، ناهيك عن الأعداد الضخمة من المتسربين.

هذا التناقض الصارخ بين تقدم قوى الإنتاج والتكنولوجيات الحديثة، وما ينتج عن ذلك من زيادة في الإنتاج في العالم، وبين التراجع الحاد في أحوال الفقراء لا يمكن أن يفسر إلا بفهم الآليات التي تسير النظام الرأسمالي الحاكم للعالم. جوهر الرأسمالية في الحقيقة يكمن في ثلاث كلمات: السعي وراء الربح. فكل تطور علمي مفيد مطلوب فقط عندما تتم ترجمته- بشكل أو بآخر- إلى ربح. لا يهم هنا إذا ما كان هذا التطور مفيد في تحسين حياة الأغلبية من الكادحين أم لا؟ المهم هو الأرباح التي ستجني من وراء هذا. فالحكومات في أوروبا والولايات المتحدة تدفع تعويضات لمزارعيها حتى لا يزرعوا أراضيهم، بينما يموت الآلاف يوميًا بسبب الجوع وسوء التغذية، فقط حتى تحافظ هذه الحكومات على أسعار السلع الغذائية عند مستوى معين.

ليست المشكلة إذن في عدم كفاية الموارد، أو في تزايد عدد سكان العالم كما يدعي أبواق دعاية الرأسمالية، بل المشكلة في الرأسمالية ذاتها. فحتى يتحول عالمنا إلى عالم خال من الفقر والإفقار، لن نحتاج أساسًا إلى مزيد من التطوير في أدوات ونظم الإنتاج، بل سنحتاج إلى تغيير نظام المجتمع الذي يفرز الفقر وبصوته لمصلحة الأقلية المترفة من المالكين والأثرياء.

إعادة توزيع الموارد ضرورة للبشرية
إذا كنا قد تحدثنا عن التناقض بين التقدم في العلم وفي أدوات الإنتاج وبين زيادة أعداد الفقراء، فهذا ليس التناقض الوحيد الكاشف لعورات النظام الذي نعيش في ظله. بل إن هناك تناقض صارخ آخر هو ذلك التناقض في توزيع الثورات في العالم، والذي يعد ملمح أساسي من ملامح الرأسمالية. والتناقض في توزيع الثروة هو الذي يفسر لنا التناقض بين الوفرة والفقر. فموارد العالم المختلفة التي يمكنها أن تكفي خمسة أضعاف سكانه، لا يتم توزيعها بشكل عادل. فنجد أن هناك أقلية تحصل على ما يزيد عن احتياجاتها بعشرات المرات، بينما الأغلبية لا تكاد تجد ما يكفي أبسط الاحتياجات الإنسانية. ومع التطور في العلم وفي الإنتاج قد يتوقع البعض أن يتراجع اللا تساوي بين البشر، إلا أن الواقع مختلف. فمعدلات اللا تساوي تتزايد بشكل مجنون مع مرور الوقت.

وهذا بالضبط ما حدا بشخص ككوفي أنان الأمين العلم للأمم المتحدة- وهو شخص لا يمكن لأحد أن يدعى أنه من مناهضي الرأسمالية أو سياسات السوق الحر!- أن يؤكد في مقال نشرته له أحد الصحف الإيطالية مؤخرًا أن كوكبنا قد أصبح مقسما بشكل يثير القلق بدرجات متزايدة. يقول أنان: “إن جزءا كبيرا من شعوب العالم خارج السوق العالمية لا تستهلك ولا تنتج شيئًا يستحق الذكر، وتحتاج لمتطلبات هائلة، كما تحتاج إلى مصادر وخدمات شأنها كشأن أي شعب آخر، ولكنها لا تستطيع أن تدفع شيئًا لأنها لا تربح شيئًا… ومن المدهش أن أعداد الفقراء في العالم هي نفس الأعداد التي كانت موجودة قبل15 سنة مضت، على الرغم من أن الثروة العالمية قد تعرضت لزيادة هائلة خلال تلك الفترة نفسها”. ويضيف أنان: “إن عالمنا زاخر بثروات تكفي لتقديم الغذاء لشعوب العالم بأسره وربما أكثر، كما أن الأمراض التي يعاني ويموت من جرائها الكثيرون في جنوب العالم يمكن الوقاية منها وعلاجها، إلا أن المبالغ التي ترصد للأبحاث حول هذه الأمراض لا تزيد على 10% لأنها أمراض للفقراء”.

لم يذكر أنان بالطبع ما هي المصادر الحقيقة لهذا اللا تساوي المفجع والصادم للحس الإنساني البسيط. ولكن ذكره لهذه الحقائق يشير إلى القلق المتزايد، حتى في أوساط بعض من سادة العالم، من التوحش المتزايد للرأسمالية العالمية في ظل تفاقم الأزمات الاقتصادية الواسعة النطاق، وفي ظل التسارع المجنون للنزعات الاحتكارية والاندماجية. وبإجراء مقارنة بسيطة بين الدخول القومية لعدد من دول العالم وبين أحجام مبيعات بعض الشركات المتعددة الجنسيات، نستطيع أن نعلم إلى أي مدى وصلت درجة هيمنه الرأسمالية العالمية- التي لا يحاسبها أحد والتي لا تخضع لأي سلطة ديمقراطية أو شعبية- على مقدرات كوكبنا. فعلى سبيل المثال تحقق شركة واحدة- هي شركة “جنرال موتورز” العالمية- متوسط مبيعات سنوية يقدر بحوالي164 مليار دولار، وهو ما يزيد على نصف الدخل القومي لكل دول أفريقيا جنوب الصحراء مجتمعين. أما شركة “فورد” العالمية، فتمثل مبيعاتها السنوية (147 مليار دولار) ما يزيد عن ثلاثة أضعاف الدخل القومي للمجر (10 مليون نسمة)، وأربعة أضعاف الدخل القومي للمغرب (28 مليون نسمة)، وعشرين ضعف الدخل القومي لأثيوبيا (63 مليون نسمة)!!

وفي مقدورنا أن نورد الأمثلة بلا توقف. ففي عام 1976 كانت سويسرا أغنى بـ52 ضعف من موزمبيق، وفي عام 1997 أصبحت أغنى بـ508 ضعف. وفي عام 1960 كان 20% من السكان في أغنى دول العامل يحصلون على دخل يزيد 30 ضعف عن دخل أفقر 20% من السكان. ولكن في عام 1995 تضاعف الفرق بينهما ليصل إلى 82 ضعف. ولعلنا نصدم إذا علمنا أن أغنى225 شخص في العالم يملكون مجتمعين ثورة تقدر بما يزيد عن المليون مليون دولار أمريكي، وهو ما يوازي مجموع الدخل السنوي لنحو 2,5 مليار إنسان هم الفئة الأقل دخلاً من سكان الأرض، ويمثلون حوالي 42% من سكان كوكبنا. ويمكننا أن نتخيل بالطبع ما يمكن أن تحدثه هذه الثورة من تحسين وتغيير في حياة الملايين من فقراء هذا العالم.

وتؤكد المؤشرات الاجتماعية في العديد من البلدان كيف أن الفقراء هم دائمًا الأكثر معاناة من نقص الخدمات الضرورية أو تدهورها. فعلى سبيل المثال في جنوب أفريقيا بلغ معدل وفيات الأطفال دون الخامسة بين أفقر 20% مثلي المعدل لدى أغنى 20%. ولا يختلف الوضع بالنسبة لسوء التغذية. فقد توصلت دراسة تناولت 19 دولة إلى أن التقزم، الهزال، ونقص الوزن أعلى بين الفقراء في كل الدول تقريبًا. كذلك فانتشار الأمراض، وخاصة الأمراض المعدية، أعلى بالنسبة للفقراء، في حين أن فرصهم في الحصول على الرعاية الصحية غالبًا ما تكون أقل. ففي الهند بلغ انتشار السل أكثر من أربعة أمثال في الـ5% الأشد فقرًا بين السكان مما هو بين الـ5% الأكثر غنى. وفي 10 بلدان نامية بين عامي 1992 و1997 لم تتم معالجة سوى 41% من الفقراء الذين يعانون من أمراض حادة في الجهاز التنفسي في مرفق صحي مقابل 59% من غيرا الفقراء.

ومن الأشياء الهامة التي نلاحظها عند الحديث عن الفقر هو أنه حتى بين الفقراء أنفسهم فهناك لا تساوي. فهناك فئات أكثر تضررًا من وضعهم كفقراء عن غيرهم. إلا أننا يجب أن نذكر هنا أن اللا تساوي في توزيع الموارد في العالم أمر غير ثابت. فقد تتغير أشكال توزيع الموارد وتتحسن الأوضاع في بعض المناطق، لكن تظل هناك دائمًا مناطق أكثر حرمانًا ويظل الوضع العام في العالم تقريبًا كما هو. على سبيل المثال شهدت منطقة شرق آسيا والمحيط الهادي (ما عدا الصين) تراجعًا في عدد الفقراء فيها من 26,6% في 1987 إلى 15,3% في 1998. ولكن الوضع اليوم آخذ في التدهور، بالتحديد بدءًا من 1998. فقد أتت الأزمة الاقتصادية في جنوب شرق آسيا على الكثير مما تحقق على مدى عقدين من الزمان، لتثبت بذلك أن ما يسمى بـ”التنمية الرأسمالية” تحتوي في داخلها على عوامل انهيارها وتراجعها.

وفي مقابل التطور الذي شهده إقليم شرق آسيا، نجد أن أقاليم مثل جنوب آسيا وأمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي تعاني من زيادة مطردة في أعداد الفقراء. ففي جنوب آسيا زاد عدد من يعيشون على أقل من دولار في اليوم خلال عقد التسعينات من 474 مليون إلى 522 مليون، حتى بالرغم من أن نسبة الفقراء قد انخفضت من 45% إلى 40%. أما في أمريكيا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، فقد زاد عدد الفقراء بنحو 20%. منطقتان أخريان شهدتا أيضًا تدهور ملحوظ في أحوال الفقراء في هذا العقد، هما أوروبا وآسيا الوسطى، حيث أزداد عدد الفقراء من 1,1 مليون إلى 24 مليون. أما في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء فقد زاد عدد الفقراء من 217 مليون إلى 291 مليون خلال نفس الفترة، مما يعني أن نصف المقيمين في تلك القارة فقراء.

ولا ينبغي أن يظن أحد أبدًا أن الفقر هو ظاهرة تنتمي إلى العالم الثالث فقط. ففي البلدان الصناعية المتقدمة، يوجد أكثر من ثلاثين مليون عاطل، بالإضافة إلى خمسة عشر مليونًا آخرين يعملون عملاً مؤقتًا وعير مستقر، والأعداد في تزايد مستمر. وفي الولايات المتحدة- أغنى مجتمع في تاريخ البشرية- وصل عدد الأشخاص تحت خط الفقر في عام 1988 (أي في قمة رخاء الثمانيات) إلى 32 مليونًا من البشر. أما في بريطانيا، فهناك طفل كل ثلاثة أطفال يولد ويربى في ظروف بائسة.

كيف ترى الرأسمالية الحل؟
حتى مؤسسات الرأسمالية ذاتها لا تستطيع- في ظل التراجع الاقتصادي العالمي- تجاهل زيادة عدد الفقراء في العالم وتدهور أوضاعهم. وبالتالي فهناك العديد من الحلول المطروحة التي يدعي البنك الدولي، وغيره من المؤسسات والحكومات الرأسمالية، أنها ستحن أوضاع الفقراء في العالم.

من الضروري هنا الإشارة إلى نقطة هامة ستساهم في تفسير طريقة تفكير المؤسسات الدولية في قضية الفقر والحلول التي يضعونها. فالفقر في الحقيقة مفهوم خادع ومجرد، ولذلك بالضبط هو مفيد للاستخدام لدى تلك المؤسسات. فهده المؤسسات تتحدث طوال الوقت عن الفقر كأمر معُطى لا نحتاج لتحديد المتسبب فيه. تتجاهل هذه المؤسسات الحديث عن القضية الجوهرية التي تسبب الفقر والتي يمكن مفتاح الحل، ألا وهي الاستغلال. فمفهوم الاستغلال هو الذي يوضح لنا لماذا يتفاقم التمايز بين سكان العالم؟ ولماذا تصبح الأقلية من الأغنياء هي في الحقيقة حق مغتصب لمن ينتجونها ويظلون فقراء؟ لا تستطيع مثل هذه المؤسسات الحديث عن الاستغلال لأنها بهذا ستفضح جوهر النظام الرأسمالي وسيصبح عليها حينئذ أن تدافع عن الإطاحة بهذا النظام حتى يمكن القضاء على الفقر، وهو الأمر الذي يتناقض مع وجودها كمؤسسات رأسمالية عتيدة تحاول الإصلاح في ظل بقاء النظام ذاته.

من المنطلق السابق نستطيع أن نفهم نوعية الحلول التي تقدمها هذه المؤسسات لحل مشكلة الفقر. أهم هذه الحلول هو تطبيق برامج الإصلاح الاقتصادي والتحول نحو اقتصاد السوق. فكما يذكر تقرير البنك الدولي.. “فإن الجدل الدائر حول الإصلاح لا يتعلق بالاختيار بين إجراء الإصلاحات أو عدم إجرائها: لأن عدم وجود إصلاحات تخلق أسواقًا مفعمة بالنشاط وقادرة على المنافسة وتنشئ مؤسسات قوية، يحكم على البلدان بالبقاء رهن الركود والانهيار المستمر”. ولكن هل حقًا تهدف هذه البرامج إلى تخفيض أعداد الفقراء؟ الواقع يثبت عكس ذلك. فأحد الأهداف الأساسية الحاكمة لهذه البرامج هو ضمان أن تقوم الحكومات الفقيرة بدفع الديون الأجنبية المتراكمة عليها، حتى لو كان هذا يعني تدهور حاد للأوضاع الاجتماعية في هذه الدول. فعلى سبيل المثال في زامبيا التي طبق فيها برنامج للإصلاح الاقتصادي في الفترة بين 1990 و1993 مقابل كل دولار كانت الحكومة تنفقه على التعليم كانت تنفق 35 دولار على رد الديون. وبحلول قد قللت إنفاقها على الرعاية الصحية بـ30% مقارنة بالفترة التي سبقت تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي. وكان أحد النتائج المباشرة لهذا الخفض أن ارتفع معدل وفيات الأطفال حوالي 20% خلال عشر سنوات. وعلى مدار الثمانينات طبقت حوالي 76 دولة برامج للإصلاح الاقتصادي تحت إشراف البنك الدولي. من هذا الرقم فقط حفنة قليلة من الدول تعد على أصابع اليد الواحدة حققت تحسنًا ما في معدلات النمو أو في معدل التضخم. أما في بلدان أوروبا وآسيا الوسطى التي تجتاز مرحلة التحول إلى اقتصاد السوق، فقد ارتفع عدد الأشخاص الذين يعيشون على أقل من دولار واحد يوميًا بأكثر من عشرين ضعفًا.

أحد الحلول الأخرى التي تطرحها مؤسسات الرأسمالية هو قيام الدول المتقدمة بتقديم معونات اقتصادية للدول الفقيرة. تتخذ هذه المعونات أشكالاً مختلفة، إلا أننا نستطيع أن نقول وبعد سنوات طويلة من تطبيق هذا الحل أن المعونات لم تقدم شيئًا حقيقيًا للفقراء في أنحاء العالم. فأغلبية تمويل برامج المعونة لا يتم إنفاقه على القضاء المباشر على الفقر. لكنها تتخذ أشكالاً مختلفة يرتبط معظمها باتفاقيات تبادل تجاري ويرجع معظمها إلى الدول التي تقدم المعونة في صورة أجور مذهلة تدفع للخبراء القادمين من هذه الدول، لو في صورة سلع يشترط أن يتم استيرادها من الدول المانحة.

جانب آخر من الحلول المقترحة للقضاء على الفقر هو ذلك المتعلق مباشرة بالأفراد الفقراء، ونعني به تشجيع الفقراء على إنشاء مشاريع صغيرة لزيادة دخلهم. ولا نعتقد أننا نحتاج للحديث كثيرًا عن هذا الحل. فتجربة المشاريع الصغيرة في مصر هي نموذج حي على فشل مثل هذا الطرح. فقدرة هذه المشاريع على المنافسة في عام تحكمه الآن التكتلات الاقتصادية الكبرى هو أمر غير محتمل. وفي ظل الركود الذي تعانيه الكثير من دول العالم، وفي ظل عدم قدرة حتى المؤسسات العملاقة على تسويق منتجاتها الأفضل من حيث التوعية والأرخص في الأسعار، كيف يمكننا أن نتوقع أن تستطيع المشاريع الصغيرة الاستمرار؟ إن الواقع الذي يعيشه المئات من الشباب الذين أصبحوا مهدين بالسجن نتيجة فشل هذه المشروعات وعدم قدرتهم على رد القروض لهو دليل عملي على عدم جدوى هذا الحل الوهمي المطروح.

أهم ما نستطيع أن نقوله حول الحلول التي تطرح لحل مشكلة الفقرة هو أن هذه الحلول في جوهرها تعتمد على إجراء بعض الإصلاحات في النظام الرأسمالي القائم لتجعل الحياة أكثر احتمالاً بالنسبة للفقراء. وبالضبط لأن هذه الحلول تدور في فلك الحافظ على النظام السائد وتحسينه، وبالضبط لأنها تأتي في مرحلة الأزمنة واستفحال التوحش، فهي لا توفر أي تحسن حقيقي في حياة الفقراء.

خاتمـة
إذا كنا قد رأينا الواقع الغير إنساني الذي تعيشه أغلبية سكان العالم، فالأسوأ لا يزال في الطريق. فمن ناحية، بدأ العالم يعاني من أزمة اقتصادية واضحة نظهر آثارها في ازدياد حالة السخط الجماهيري على النظام الرأسمالي العالمي.أصبحنا الآن نرى الجماهير في العديد من أنحاء العالم تخرج في مظاهرات حاشدة ضد الرأسمالية. العالم إذن مقبل على تدهور في الأوضاع ينتظر أن يزيد من بشاعة أوضاع الفقراء. ومن ناحية أخرى، فالتغيرات السكانية المقبلة يتوقع أن تجعل من المستحيل وجود لأزمة الفقر في ظل النظام الرأسمالي. فخلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة سيزيد عدد سكان العالم بما يقرب من مليارًا شخص، 97% منهم في الدول النامية الأشد فقرًا وتخلفًا، وهو ما نعني بالضرورة أن تلك المجتمعات ستتعرض لكوارث يذهب ضحيتها ملايين البشر، إذا لم يتغير نمط التنمية السائد القائم على إعطاء الأولوية للأرباح قبل البشر. حقًَا إن الشعار الذي تطرحه حركة مناهضة الرأسمالية التي تنتشر في أرجاء الأرض كالنار في الهشيم، هو شعار يلخص مأساة كوكبنا: فـ”عالمنا ليس للبيع”.. عالمنا لا ينبغي أن يكون تحت رحمة حفنة من الرأسماليين والسياسيين الفاسدين الذين يتواطئون كل يوم على تعظيم وتوزيع ثرواتهم التي هي في الحقيقة ملك لكل البشر.

العالم إذن مقبل على كارثة محدقة إذا استمرت الأوضاع كما هي عليه، وإذا استمر النظام الرأسمالي جاثمًا على صدور الملايين من فقراء العالم. لم يعد أمام الفقراء في كل مكان إذن سوى الوقوف في وجه هذا النظام والثورة عليه سعيًا وراء تحقيق مجتمع اشتراكي عادل بدون استغلال أو فقر. وها هي بشائر النضال الجماهيري تهل علينا في الأعوام الأخيرة. فمن سياتل، إلى بانكوك، إلى كيبك، إلى لندن، إلى جوتنبرج، إلى جنوة.. تتصاعد حركة عالمية ضد- رأسمالية وتكتسب زخمًا.. في مواجهة قراصنة العالم ومفسديه.