بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الرأسمالية وصناعة الموت الغذائية

احتلت قضية الأغذية الفاسدة في منتصف الشهر الماضي مانشيتات الصحف الحكومية والمعارضة، بعد تسمم أكثر من 2500 تلميذ وطالب نتيجة تناولهم وجبات غذائية فاسدة الكل أصيب بالذعر والفزع، مئات الآلاف من التلاميذ في المدارس الابتدائية والإعدادية وطلاب المدارس الثانوية وحتى الجامعات أصبحوا يتعاملون بخوف شديد من الاقتراب من التغذية الحكومية، سواء كانت في المدارس بتناول التلاميذ البسكويت الفاسد أو بالمدن الجامعية، فبمدينة الزهراء الجامعية للطالبات بمدينة المنصورة تسمم أكثر من 60 طالبة بعد تناولهم عشاء فاسد وكان العشاء يتكون من (بيض وزبادي وجبن رومي وحلاوة طحينية)، واحتجاجا على تسمم الطالبات امتنع الآلاف من الطلاب بالمدن الجامعية بالمنصورة عن تناول الوجبات الغذائية.

هوس الربح يسمم الملايين
كتبت جريدة الأهالي الناطقة بلسان حزب التجمع في أحد المانشيتات “المسئولية ضائعة حول وجبات التغذية الفاسدة”، وهنا جريدة التجمع كعادتها تكذب على قرائها، لأن المسئولية ليست ضائعة فهي مسئولية النظام الرأسمالي، فهوس الرأسماليين لزيادة أرباحهم وثرواتهم تؤدى بهم إلى الغش التجاري، وبيع المنتجات الفاسدة، بتقليل النسب في عناصر الإنتاج، وأحيانا تبديلها بعناصر أخرى غريبة ليس لها علاقة بالمكونات الأساسية للمنتجات المختلفة، وأحيانا تكون سامة، كل ذلك من أجل خفض تكاليف الإنتاج ومن ثم رفع الأرباح. فالشركات التي قامت بتوريد التغذية للمدارس هي شركات رأسمالية كبيرة لها ثقلها في سوق المواد الغذائية، مثل شركة كرون وشركة بسكو مصر، وليست مصانع صغيرة فقط تعمل تحت سلالم المنازل لا يتوافر بها الشروط الملائمة والصحية للإنتاج، كما يحلو للصحافة البورجوازية أن تصور الأمر.

ومن حين إلى آخر تنشر الصحف تحقيقات عن انتشار أنواع غذائية فاسدة عديدة في الأسواق، خاصة الشعبية، منها مثل اللحوم والأسماك المجمدة والمعلبات والزيت والشاي والبن والملح وسلع أخرى كثيرة، ويشير عدد القضايا التي تم ضبطها لحجم الكارثة التي تصنعها الرأسمالية بصحة ملايين الفقراء والعمال، لتسميمهم بأغذية فاسدة، وعلى لسان وزير تموين الحكومة في جريدة الأهرام يوم 24أكتوبر الماضي صرح: “أن عدد القضايا التي تم ضبطها خلال الشهور العشر الماضية في هذا الشأن بلغت 265 ألف قضية كما بلغت قضايا عدم الصلاحية أكثر من 20 ألف قضية”.

في الصيف الماضي في شهر واحد فقط تم ضبط 10958 قضية سلع فاسدة، منها 14111 قضية خضر وفاكهة تزن حوالي 1293 طنا وتقدر بحوالي 6,5 مليون جنيه، من ضمنها حوالي 194 طن بطاطس مخزنة من الأعوام السابقة، لحساب إحدى الشركات الكبيرة، وتبين أن هذه الكميات مصابة بالشيخوخة وبأمراض عديدة، وتبين أيضا قيام الشركة بإعادة تعبئتها في عبوات جديدة لطرحها بالأسواق.

واكثر من ذلك كبار الرأسماليين الذين يقومون بتسويق المحاصيل من خضر وفاكهة يلجئون لإطالة مدة حفظ هذه المنتجات باستخدام المبيدات، الأمر التي يؤدى تسرب هذه المبيدات إلى أنسجة هذه المنتجات، وذلك يعتبر سلاحا قاتلا بمرور الوقت، فمعظم هذه المبيدات لا يمكن التخلص منها بالغسيل العادي أو حتى باستخدام الماء الساخن والصابون، هذه السموم تسبب الإصابة بالفشل الكلوي والسرطان وتدمر الجهاز العصبي للإنسان، هناك مبيدات رغم أنها محرمة دوليا بشكل نهائي لسميتها الشديدة مثل “د.د.تى” و”كلوردفير” التي أثبتت الأبحاث العلمية أن تأثيره يظل في الأرض الزراعية بعد رشه بـ 25 سنة في حالة استخدامه كمبيد للقضاء على الآفات والحشرات، كما أنه له تأثير تراكمي يؤدى إلى أمراض شديدة الخطورة وتأثيراته وراثية حيث يظل لأجيال متعاقبة، مثل هذه المبيدات تستخدم في تخزين المحاصيل بغرض الحفظ، ويتأثر المستهلكين بهذه المبيدات بطريقة غير مباشرة، فهم يتغذون بالخضروات والحيوانات ومنتجاتها ويصل إليهم مع هذا الغذاء كل ما يختزن من مبيدات في أنسجة هذه النباتات والحيوانات، وكل ما يلوث منتجاتها مثل البيض واللبن والزبد.

ومن ناحية أخرى أكد المورد المحبوس على ذمة قضية تسمم التلاميذ بالبسكويت أنه “لا دخل له في قضية صلاحية أو عدم صلاحية البسكويت، وقال أن سبب التسمم يعود إلى تلوث خزانات المدارس إلى تمد التلاميذ بمياه الشرب” كلام هذا المورد لا يخلو من الحقيقة فيما يتعلق بمياه الشرب، فهي في مصر اليوم أصبحت شبه سامة وغير صالحة للاستخدام الآدمي وتتسبب في الموت البطيء، نتيجة لإلقاء مياه الصرف الزراعي بكل ما تحمله من بقايا أسمدة ومبيدات تحتوى على الكثير من السموم والمعادن الثقيلة، فكمية مياه الصرف الزراعي التي يعاد تصريفها في مجرى النيل تبلغ 3.2 مليون متر مكعب في السنة، أما في الصناعة فاحتياجاتها من المياه تصل إلى 638 مليون متر مكعب سنويا يستقبل مجرى نهر النيل أكثر من 57% من صرفها، وهكذا أصبح نهر النيل ملوثا- وهو المصدر الوحيد للشرب – بمواد كيماوية سامة وبمعادن ثقيلة مثل الزئبق والكاديوم وغيرها، وهى ملوثات يصعب إزالتها من مياه الشرب من خلال محطات تنقية مياه الشرب التقليدية، فهي في حدود التصميم الهندسي التي أقيمت على أساسه لا تستطيع التخلص من هذه الملوثات، فالتخلص من هذه الملوثات يحتاج إلى محطات مياه معقدة واستخدام تكنولوجيا متطورة وأموال طائلة تبلغ عشرات المليارات، وبالطبع طالما يشرب العمال والفقراء هذه المياه ولا تشربها البرجوازية والأغنياء حيث أنهم يشربون المياه المعدنية، فيكون الاتجاه بالنسبة للرأسمالية هو التوسع في إنتاج المياه المعدنية لوقاية نفسها وحماية أبنائها من مياه النيل الملوثة، وليذهب العمال والفقراء إلى الموت البطيء والجحيم.

ولو أخذنا في الاعتبار أن مرافق تنقية المياه الحالية قديمة ولا تعمل في الغالب بأكثر من نصف كفاءتها، يمكننا تصور حجم كارثة تلوث مياه الشرب التي نشربها نحن العمال والفقراء فالأمراض المرتبطة بتلوث المياه مدمرة لصحة الإنسان وقاتلة، وهى الإسهال والفشل الكلوي والالتهاب الكبدي والتيفويد، وهذه الأمراض منتشرة كما نعلم جميعا على نطاق واسع بين العمال والفقراء في كل الحياء الشعبية وقرى مصر.

وجميع الأسماك التي تعيش في نهر النيل أصبحت غير صالحة للاستهلاك الآدمي، فهي ملوثة بفلز الزئبق السام، وهو يتسبب في حدوث أمراض شتى فهو يؤدى إلى الإحساس بالصداع وبالدوار ويسبب شعورا عاما بالتعب والإرهاق في حالات التسمم الخفيفة، بينما يؤدى إلى تلف الكلى والكبد ويسبب اضطرابات شديدة في الجهاز الهضمي في حالات التسمم الشديدة وعادة ينتهي الأمر في هذه الحالات الشديدة بحدوث وفاة.

وتجارة الأغذية الفاسدة والملوثة تجارة مربحة للغاية -خاصة على صعيد الاستيراد- اصبح يديرها شبكة واسعة من رأسماليين كبار ومسئولين في أجهزة الدولة من جمارك حتى التفتيش الصحي والجهات الرقابية ومسئولين كبار في البنوك لتمويل الصفقات الفاسدة والملوثة، فالرأسماليون يقومون باستيراد هذه السلع الفاسدة والملوثة بأسعار رخيصة جدا من الخارج بعد تلوثها أو انتهاء صلاحيتها ويطرحوها في السوق المصري، ويكسبون الملايين من وراء هذه الصفقات وأكثر هذه الصفقات شهرة هي صفقة “اللبن المشع” في منتصف الثمانينات، التي ظلت الجرائد تكتب عنها لأكثر من عام، وتتلخص قصة هذه الصفقة في “أنه بعد انفجار المفاعل النووي تشيرنوبل في أوكرانيا تسبب هذا الانفجار في تلوث المزارع ومختلف المحاصيل في مختلف بلدان أوروبا، نتيجة للسحابة الهائلة من الغاز والغبار التي حملتها الرياح إلى كثير من هذه الدول، وامتنع الناس في أوروبا عن تناول كثير من الأطعمة والخضر ومنتجات الألبان، وعندئذ قامت هذه الدول بالتخلص من هذه الأطعمة الملوثة بالإشعاع ببيعها لرأسماليين محليين في أفريقيا وآسيا واشترى رأسماليونا اللبن الملوث قاتل الأطفال، هذا يؤكد على أن الرأسمالية لا تتورع في أن تدوس بأقدامها أي قيمة إنسانية من أجل الربح.

الأغنياء والفقراء والغذاء الفاسد
يشير إنجلز في كتابه “حال الطبقة العاملة في إنجلترا” إلى أن التجار وأصحاب المصانع يغشون كل أنواع الأغذية بطريقة مشينة دون أدنى التفات إلى صحة المستهلكين بدافع جشعهم، ويؤكد على أن العمال والفقراء يحصلون على ما لا تريده الطبقة الحاكمة لأنه رديء بالنسبة لها، وهنا فإن آثار السلع الفاسدة ليست محايدة على جميع الناس، الغنى والفقير، العامل والرأسمالي، فالحقيقة تثبت أن العمال والفقراء هم الذين ينالون نصيب الأسد من الأغذية الفاسدة، فالأغنياء يُخدعون أقل، لأن الأغنياء معتادين على الطعام الجيد لذا فإنهم يكتشفون الفاسد منه بتذوقهم الحساس بسهولة أكثر، ويستطيعون عند وجود أي شك في نوعية الطعام أو رائحته أن يرموه في سلة الزبالة، هكذا بكل بساطة ويشترون غيره دون أدنى مشكلة. أما العمال والفقراء هؤلاء الذين عليهم أن يشتروا أشياء كثيرة بنقود قليلة لإطعام عائلاتهم، لا يقدرون على فحص نوعية ما يشترون وليس في إمكانهم أن يفعلوا ذلك حيث لم تتح لهم حياتهم القاسية الفرصة ليهذبوا أذواقهم لذا فإن الذين تقع من نصيبهم كل الأغذية الفاسدة والمسممة، العمال والفقراء عليهم أن يحافظوا على بيوتهم مفتوحة وان يطعموا أولادهم بقدر المستطاع بمبلغ قليل من المال لذا فهم لا يشترون الأفضل بل الأرخص بغض النظر عن الجودة والرائحة والطعم فحين تنتشر بالأسواق بين الحين والآخر خضروات تفوح منها رائحة المبيدات والبودرة أو أسماك رخيصة مرشوشة بالمبيدات ويشترى العامل أو الفقير هذه السلع وحتى لو اكتشف أنها فاسدة مادام قد اشتراها فعليه أن يأكلها. فمثلا عندما نشرت الجرائد أن البطاطس ملوثة قال أحد العمال “أنا لم أقلق عندما قرأت هذا الكلام لأن الواحد منا لو تأثر بهذا الكلام في الجرايد مش هايعيش ولا يجيب حاجة أبدا كل يوم نسمع إن الفراخ البيضة ومكعبات مرقة الدجاج تسبب أمراضا عديدة ورغم ذلك نشتريها لأنها رخيصة والحياة صعبة والعيال لازم تاكل لحمة حتى ولو مرة في الشهر أو تشم رائحتها “.

يشير ماركس في “رأس المال” إلى انه: “مع تطور الإنتاج الرأسمالي نمى غش السلع جاعلا المثل العليا زائدة عن اللزوم” أي أن غش السلع الغذائية في ظل المجتمع الرأسمالي هو القاعدة لا الاستثناء، ولا يمكن القضاء على هذه العملية بإجراء تحسينات على النظام الرأسمالي، مثل زيادة الرقابة على السلع الغذائية فالرأسماليون ينتهكون ويخترقون القوانين أيا كانت، بسهولة في ظل انتشار الفساد بشكل شامل، ومن هنا فانه في مجتمع خالي من الاستغلال وعبودية العمل المأجور فقط يمكن القضاء على صناعة الموت الغذائية وكل شرور الرأسمالية الأخرى.