بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأسعار والأجور وعلامات نهاية الحكم التسلطي

تمهيد

يبدو أن نظام الحكم الراهن في مصر قد أدمن الطنطنة بالإصلاح، خاصة في ميدان الاقتصاد. لكنها طنطنة مفرغة من أي مضمون، ومن ثم يضطر للكذب المفضوح حول مؤشرات الشقاء الاقتصادي التي يجلبها على عامة المصريين. فمجريات الأمور على أرض الواقع تكذب إدعاء النظام بالإصلاح والنمو وتحسن معيشة المصريين، خاصة محدودي الدخل الذين يدعي أن مصالحهم تقع على رأس أولوياته. الجانب الوحيد الذي تحسن في مصر هو ثروات الثلة الممسكة بمقاليد السلطة والثروة وأرصدة حساباتهم المصرفية، في الداخل والخارج.

ويظهر للناظر العاقل أن هذه تركيبة مجتمعية متفجرة وحبلى بإمكانات انهيار حكم الفساد والاستبداد الراهن. ويتعجب المراقب الذي يتمتع بالحد الأدنى من الحس المجتمعي من بلادة نظام الحكم الذي يبدو أن هذه الملحوظة الصادمة تغيب عن عقول أساطينه، إن كان لهم من ألباب.

والواقع أن الأمر حتى أسوأ من غياب الفطنة. فيمكن الاستنتاج بأن نظام الحكم التسلطي قد راهن على أن تصعيد حملته لتجويع الشعب بمزيج الإفقار والقهر المدمر، ستطيل من أمد الإمساك بمقاليد السلطة سبيلا للثروة، وتفاديا للقصاص العادل المحتوم حين يسقط النظام، وسيسقط لا محالة. فالناس لن تتحمل تجرع مزيج الإفقار والقهر إلى ما لا نهاية، وسيصل المنحنى الهابط حتما إلى نقطة انكسار تؤجج ألوان العصيان المدني والسياسي لنظام القهر والإفقار، مقدمة للتخلص منه. والشواهد أن عامة المصريين قد وصلوا لنقطة الانكسار هذه أو كادوا.

ولا تتوقف الغفلة في نظام الفساد والاستبداد عند هذا الحد. فالشق الثاني من رهانهم هو أن الإدارة الأمريكية وإسرائيل التي يغلّبون خدمتهما على مصالح الشعب ستهرعان لنجدتهم حين تحين ساعتهم. وهنا أيضا هم واهمون.

مأساة هذا النظام إذن أنه اختار، وفق مفردات الحكاية الشعبية، طريق “اللي يروح ما يرجعش” ظانا أنه “طريق السلامة”.

أولا: نمو اقتصادي لا ينعكس في تحسن معيشة الناس

يتفاخر الحكم في مصر بارتفاع معدلات النمو اقتصادي مؤخرا، بينما تتفاقم معاناة الناس عامة من ضروب التعاسة الاقتصادية بصورة شبه يومية. فتتزايد وطأة البطالة والفقر حتى تدفع بأعداد غير قليلة من الشباب المصري اليائس من حياة كريمة في بلده إلى اجتراح مقامرة الهجرة غير الشرعية إلى حد أن أصبحت صور أجداث الشباب المصريين الذين لقوا حتفهم في البحار أمرا معتادا. وتضطر قطاعات متزايدة من ملايين المواطنين الذين يفترسهم الغلاء الفاحش المدار من قبل النظام، على الرغم من ثبات دخولهم أو ترديها، إلى اللجوء إلى أشكال الاحتجاج والعصيان المدني للمطالبة بحقوقهم في حياة تقارب العيش الكريم، حيث لا يتيح النظام الحاكم قنوات سياسية فعالة لدرء المظالم التي يُخضع لها الناس عامة.

هذه المفارقة قد تثير حيرة البعض، ولكن تفسيرها في الواقع بسيط.

أ: النمو المشاهد في مصر، حتى لو كان حقيقيا، ليس في الواقع مرتفعا بالنسبة إلى أفضل الإنجازات القائمة في العالم المعاصر، مقارنة بالهند والصين مثلا.

ب: ارتفاع النمو بنسبة محدودة في سنوات قليلة لا يكفي للقضاء على إرث سنوات طويلة من النمو المتدني، خاصة إذا كان النمو الاقتصادي من النوع المعادي للمستضعفين، بمعنى أنه لا يخلق فرص عمل جيدة لأعداد كبيرة، وهي خصيصة لصيقة بالنمو الاقتصادي في مصر لأسباب تتعدى المجال الاقتصادي وتتصل بسوء الحكم والتنظيم الرأسمالي المنفلت للمجتمع.

ج: بعض النمو الذي يتفاخر به الحكم تدليس. والمثال الأهم على ذلك هو إضافة عائدات بيع مشروعات القطاع العام، وأرض البلاد، إلى الناتج والاستثمار الأجنبي. فعائدات الخصصة ليست اسثمارا ولا زيادة في الناتج، ولكنها تحويل لأصل من الملكية العامة إلي ملكية خاصة لمصريين أو أجانب. وإضافة إلى مساوئها البادية، خاصة إن شابها فساد، فإن تحويل الأصول العامة إلى الملكية الخاصة، لا يترتب عليه زيادة في فرص العمل أو تحسين مستوى المعيشة لعامة الناس، كما يترتب على الاستثمار المنتج. على العكس، تؤدي هذه العملية عادة إلى تدمير فرص عمل قائمة فعلا، من خلال أسلوب المعاش المبكر وإطلاق يد المالكين الجدد في التخلص من العمالة المشتغلة وقت البيع، وتسهم الخصخصة من ثم في استشراء الفقر.

د: فإذا كان النمو المتحقق لا يتسرب لعامة الناس على صورة فرص عمل جيد واستنقاذ من الفقر، فأين يذهب؟ باختصار، يذهب القسم الأكبر منه إلى جيوب الثلة القليلة الممسكة بمقاليد الثروة والسلطة في البلد وإلى حساباتها في المصارف المحلية والخارجية، وثانيا إلى الفئة الأجنبية المتزايدة باطراد المالكة المشروعات الاقتصادية في مصر المحروسة (بالحرامية). ولا يبقى لعامة المصريين إلا “الحصرم”.

ثانيا: شهادة زور الحكم على معالم التعاسة التي يجرها على المصريين

دأب نظام الحكم، ولا أقول الحكومة عمدا، فهي ليست إلا سكرتارية تافهة للدوائر المتنفذة في الحكم، على تزوير الإحصاءات المتعلقة بمؤشرات التعاسة التي يجلبها على عموم المصريين. فظل الحكم لسنوات يكذب حول مستوى البطالة والفقر والغلاء. وإن كان يمكن للكذب حول معدلات البطالة والفقر أن يجد من يصدقه ولو إلى حين، نتيجة لأن هذه ظواهر تجميعية لا يمكن تقدير قيمتها إلا بالرجوع إلى عدد كبير من الحالات، فإن الكذب حول غلاء الأسعار، أي معدل التضخم، “مالوش رجلين” كما يقول المثل العامي. حيث تكابد كل أسرة ويعايش كل فرد في الشعب نار الغلاء التي يشعلها الحكم في دخول الناس الراكدة حتى قاربت أن تحرق أجسادهم.

يتبجح نظام الحكم بادعاء أن معدل التضخم قد انخفض، أي والله انخفض!! إلى 7% فقط (أي أن متوسط معدل ارتفاع أسعار المستهلك يساوي 7% في السنة)! هذا في الوقت الذي يكتوي الشعب كله تقريبا، أي باستثناء الشلة القابضة على السلطة والثروة، بنار حملة غلاء فاحش مدارة من قبل الحكومة لمصلحة النظام، كما يتصورونها، وبئس ما يتصورون.

وليس الكذب بمستبعد على مثل نظام الحكم الذي يذيق المصريين صنوف العذاب. ولكن كذبا بهذا الفحش يستدعي تفسيرا آخر. فالمثل العامي يقول “إن كان من يتكلم مجنونا، يكون المستمع عاقلا”. فهل يتصورون حقيقة أن أي أحد يمكن أن ينخدع بمثل هذا الكذب الأشر؟

إما أنهم لا يفقهون ما يقولون، وهو ما نستبعده على بعض أساطين الحكم وأدواته. أو أنهم يتعاطون شيئا ينقلهم إلى عالم آخر تماما. والجمع هنا يضم أساطين النظام ومن يصنعون لهم هذه الإحصاءات ومن يذيعها لهم، فكلهم ضالع في جناية محاولة خداع الشعب. ولكن يكفيهم خسرانا أن الشعب لا يمكن أن ينخدع، فإحصاءاته العفوية عن معدلات ارتفاع الأسعار، تكذب الحكم وإحصائييه وآلته الدعائية. إن حساب معدل التضخم أصبح آخر مجال يظهر فيه فساد الحكم، بحيث لا يمكن إيكاله لهم. لذلك فقد أصبح لزاما على الجماعة الوطنية المصرية أن تصوغ مقياسا أمينا لارتفاع الأسعار في مصر يعبر بدقة عن الغلاء الذي ينهش دخول المصريين عامة وأن تسعى لربط لأجور والدخول بمعدلات التضخم الحقيقية.

وتخيل عزيزي القارئ أنك رب أسرة متواضعة، يذهب جل دخلها للغذاء، ويتركز الغذاء على النشويات، في جحيم مصر الذي يتربع على عرشه حكم الفساد والاستبداد، فماذا يكون تقديرك العفوي لمعدل التضخم؟ لننظر في موجة ارتفاع الأسعار التي ضربت عامة المصريين في الشهور الثلاثة الأخيرة من العام الماضي ومطلع العام الحالي، بالتركيز على الاحتياجات الأساسية للمصريين البسطاء. منذ سبتمبر 2007، وحتى يناير 2008، ارتفعت أسعار السلع الأساسية الرئيسية والبديلة لها على النحو المبين في الجدول التالي. والأسعار مستمدة من أسواق منطقة ريفية في مركز إمبابة، محافظة الجيزة:

السلعة والوحدة السعر بالجنيه منسوب الارتفاع% معدل الارتفاع %
يناير 2008 سبتمبر 2007
50 كجم دقيق 115 55 209 109
1 كجم مكرونة 3.0 1.5 200 100
1 كجم أرز 3.0 1.5 200 100
1 رغيف خبز 0.10 0.05 200 100

 

وهكذا نجد أن الحد الأدنى لارتفاع الأسعار السلع الاستهلاكية الأساسية لعامة المصريين هو 100% خلال ثلاثة شهور فقط، أي بمعدل سنوي يزيد على 400%. أي 57 مثلا لمعدل التضخم الحكومي.

السلعة الوحيدة التي ارتفعت أسعارها بمعدل يقترب من معدل الحكومة المعلن هي اللحوم التي زادت في فترة المقارنة بمعدل 6.6%. ولعل هذا هو سر رقم 7% السحري، فهو يخص السلعة التي يعيش عليها علية القوم. أما عامة المصريين الذين لم يترك ارتفاع أسعار الأساسيات لهم فائضا من ميزانيتهم لشراء اللحوم، فلا يعنيهم إلا أسعار الدقيق والمكرونة والأرز.

ولنأخذ زاوية أخرى لغلاء الأسعار في مصر. تخيل عزيزي القارئ أنك مزارع بسيط. فكيف ارتفعت أسعار مدخلات إنتاجك الأساسية خلال الشهور الثلاثة الماضية؟ الجدول التالي يلخص بعض من أهمها.

السلعة والوحدة السعر بالجنيه منسوب الارتفاع% معدل الارتفاع %
يناير 2008 سبتمبر 2007
طن سماد أزوتي 1800 680 265 65
نقلة سماد عضوي 250 180 140 40
أجر بنت في اليوم 20 10 200 100
أجر رجل في اليوم 22.5 15 150 50

أي أن معدل التضخم في تكلفة الإنتاج الزراعي في السنة لا يقل عن 250% بأي حال.

وإن شئت أن تبني مخزنا أو سكنا مثلا، فكيف تضخمت تكلفة البناء؟ على الأرجح على الصورة التالية.

السلعة والوحدة السعر بالجنيه منسوب الارتفاع% معدل الارتفاع %
يناير 2008 سبتمبر 2007
100 طوبة عادية 155 100 155 55
1 شيكارة أسمنت 20 10 200 100
1 طن حديد 4000 2200 182 82
1 عامل بناء و 2 مساعدين في اليوم 110 50 220 120

أي أن معدل التضخم في تكلفة البناء في السنة يقارب 400% أيضا. مع العلم أنه منذ سنتين كان سعر “شيكارة” الأسمنت 6.5 جنيه (ارتفع إلى 570% في عامين) وسعر طن الحديد 1350 (ارتفع إلى حوالي 300 % في عامين). وليهنأ محتكرو الأسمنت والحديد بأرباحهم الحرام التي مكنهم منها حكم الشلة المهيمنة على مقادير البلد، وليذهب الشعب المصري إلى جحيم أسعار حكم الفساد والاستبداد.

ثالثا: الغلاء والأجور: سباق غير متكافئ

يتعين الإقرار بأن الكسب من العمل، أي الأجور، ومن ضمنها المعاشات، هي مورد الرزق الوحيد للغالبية الساحقة من المصريين. فأصحاب رأس المال المادي في البلدان الفقيرة عامة قلة قليلة، ولذلك فإن بيع قوة العمل هو مصدر الدخل الرئيسي لجميع المصريين تقريبا.

ويترافق مع هذه الحقيقة أن نصيب عوائد العمل، الأجور والمعاشات، من الدخل القومي ما برح يتناقص منذ تبنى النظام الحاكم التنظيم الرأسمالي المنفلت للاقتصاد والمجتمع منذ ثلاثة عقود تقريبا، على حين ازداد نصيب عائدات رأس المال بشكل مواز. ترتب على هذا التناقص في نصيب عوائد العمل من الناتج الكلي، مع زيادة حجم قوة العمل، أن أجر الفرد المشتغل لم يزد، حتى إسميا، بشكل محسوس عبر الفترة ذاتها.

وإذا أضفنا إلى ما سبق تصاعد الغلاء السريع، وانخفاض قيمة العملة المحلية في مواجهة العملات الأجنبية، الذي أهدر القدرة الشرائية للجنيه المصري، تأكد لنا أن القيمة الحقيقية للأجور والمعاشات، وقدرتها الشرائية، قد تآكلت بما يؤدي لترد بالغ في مستوى معيشة عامة المصريين.

ومن نكد الدهر أن معدلات الغلاء في السلع الأساسية التي يقوم عليها غذاء الغالبية الساحقة من المصريين كان أعلى من المتوسط. فعلى سبيل المثال، زادت أسعار الفول عبر الثلاثين عاما الماضية بمعدلات أعلى من زيادة أسعار اللحوم. ما يكذب أن السياسات المطبقة في البلد تتوخى رعاية ذوى الدخول المحدودة. المؤشرات على العكس تماما. على وجه التحديد مثلا، زاد سعر اللحم في الشهور الأربعة الأخيرة فقط بحوالي 7%، وهو معدل التضخم المعلن من الحكومة في أسعار المستهلك، بينما ارتفع سعر الخبز والمكرونة بمعدل 100%.

هناك إذا تصحيحات واجبة في هيكل الأجور لضمان العدل والكرامة الإنسانية في البلد، على المستوى الفردي والكلي كليهما. هناك أولا حاجة ملحة لضمان أن يحقق الكسب من العمل مستوى من العيش الكريم لكل المصريين جميعا، وهناك أيضا حاجة لضمان عدالة توزيع الدخل والثروة في المجتمع ككل بما يخفف من الاستقطاب الاجتماعي الحاد الذي خلقه التنظيم الرأسمالي المنفلت من خلال محاباة الأقوياء والأغنياء، الذي يغذي الإحساس، المبرر، بالظلم البين لدى غالبية فئات الشعب.

لتصحيح الاختلال في الكسب من العمل على المستوى الفردي، لا مناص من إحداث زيادات ضخمة في معدلات الأجور، شاملة المعاشات. وتشير جميع الحسابات أن الحد الأدنى للأجر، لمن يعول أسرة تتكون من خمسة أفراد، يتعين ألا يقل عن 1200 جنيه في الشهر مقارنة بالحد الأدنى الحالي وهو أقل من مائة جنيه في الشهر حاليا. ويقوم حد الألف ومائتي جنيه على تسعير سلة السلع المناسبة للوفاء باحتياجات أسرة مكونة من خمسة أفراد وفق دراسة مكتب العمال بحزب التجمع، وهو أقل قليلا من الحد الناتج من تطبيق حد الفقر الموصى به من قبل منظمات التمويل الدولية حاليا (دولارين للفرد في اليوم) والذي يؤدي لحد فقر يساوي 1350 جنيها في الشهر لمثل هذه الأسرة المتوسطة. ويمكن أن يتدرج الحد الأدنى وفق الأعباء العائلية التي تختلف بالطبع من عامل لآخر.

وبالطبع يعني رفع الحد الأدنى للأجر إدخال تصحيحات متناسبة على جميع الأجور الأعلى من الحد الأدنى الحالي أخذا في الاعتبار مستوى الأجر الحالي والأعباء العائلية.

ولكن أي رفع للأجور لن يحقق الغرض المرجو إذا استمر متصاعد الغلاء، المدار من قبل الحكم، على فحشه. إذ سيلتهم ارتفاع الأسعار جل، إن يكن كل، زيادات الأجور الإسمية كما كانت خبرة العقود الثلاثة الماضية. ولذلك فإن التصحيح السليم لهيكل الأجور يقضي أن تقوم آلية شفافة وفعالة لربط الأجور، شاملة المعاشات، بغلاء الأسعار، بحيث يطرد ارتفاع الأجور الإسمية مع معدل التضخم.

ومن الحيوي هنا أن يكون معدل التضخم المستعمل دقيقا ومعبرا تعبيرا سليما عن تكلفة المعيشة، خاصة بالنسبة للفئات الاجتماعية متواضعة الدخل، وليس باستعمال معدلات التضخم الرسمية، الوهمية أو المزورة عمدا، والتي تثير السخرية المريرة والاستهزاء بواضعيها والمروجين لها، عند كل من يتابع جحيم السعار الذي يؤججه نظام الحكم من دون عقل أو روية. وذلك فإن من أهم واجبات التنظيم العمالي المستقل، أن يقوم على صوغ وتركيب رقم قياسي لتكلفة المعيشة. وإلى أن يقوم هذا التنظيم، يجمل أن تقوم على هذه المهمة جهة أخرى شعبية.

ومن أبرز نواحي الخلل في هيكل الأجور الحالي هو التفاوت الهائل بين الأجور الذي يفوق التفاوت المشاهد في هيكل الأجور في أعتى الدول الرأسمالية. في مصر يتفاوت الأجر الشهري بين مليون جنيه، في حالة مشهورة لرئيس وزراء سابق، يحصل على هذا الأجر الخيالي لقاء ما جره على البلد من ويلات أثناء رئاسته لمجلس الوزراء، وعلى الطرف لآخر هناك الأشقياء الذين لا يتعدى أجرهم، أو معاشهم، المائة جنيه.

أي أن مدى التفاوت النسبي في الأجر الشهري في مصر المحروسة يصل إلى مائة ألف، وهو عشرة آلاف مثل مدى التفاوت العادل نسبيا، والمشاهد فعلا في البلدان الغربية التي تشتهر بالعدل الاجتماعي مثل البلدان الإسكندنافية، أي حوالي عشرة أمثال. فلا يكون الأجر الأعلى أزيد من عشرة أمثال الأجر الأدنى. ما يعني، بفرض تطبيق الحد الأدنى للأجر عند 1200 جنيه للأسرة المتوسطة، أن يكون الحد الأعلى للأجر الشهري للأسرة المتوسطة المكونة من خمسة أفراد إثنى عشر ألفا من الجنيهات، ما يضمن مستوى من العيش الكريم، مع قدر من الرفاهية، بالإضافة إلى تحقيق الكرامة الإنسانية والعدل لجميع المصرين. وفي هذا خير عميم للمصريين كافة، وحتى لنظام الحكم ذاته، لو يعلمون.

ونهمس في آذان مسؤولي المالية في الحكم، قبل أن يجأروا بالشكوى من صعوبة تدبير الموارد المالية لرفع أجور محدودي الدخل في المجتمع المصري، أن إنفاذ الحد الأعلى للأجر سيوفر مبالغ طائلة يمكن أن تسهم، مع ترشيد إنفاق نظام الحكم في تدبير الموارد المالية اللازمة لتصحيح هيكل الأجور في البلد.

وفي النهاية فإن تخلي نظام الحكم عن واجب ضمان الكرامة الإنسانية والعدل لجميع المصريين من خلال هيكل أجور عادل، يمثل قصورا يوجب العزل ما دامت قد عزت الاستقالة.

رابعا: انتحار الحكم التسلطي

من حيث المبدأ، في أنظمة الحكم التسلطي تحتكر ثلة (شلة) قليلة مصدري القوة في المجتمع: السلطة السياسية والثروة. وتسخر الثلة إمكانات المجتمع كافة لخدمة مصالحها، ولإحكام قبضتها على مقاليد السلطة والثروة. ومن ثم، تتخذ القرارات، أي تمارس القوة، لنوال هذه الأغراض.

ويستتبع احتكار الثلة لمصدري القوة حرمان باقي الناس منهما من خلال الإفقار المبيت وتقييد الحرية، خاصة الحريتان المفتاح للتعبير والتنظيم (التجمع السلمي وإقامة المنظمات في المجتمعين المدني والسياسي)، والاستعانة على تضرر الناس من هذا الحرمان من طيبات الحياة بمزيج حقير من الكذب الصريح، عبر الإعلام المدار، والقهر البوليسي المعمم، ولكن المكثف في مواجهة الشرائح النشطة سياسيا من المجتمع.

وفي مثل هذا الصنف من نسق الحكم تنزع السلطة والثروة إلى التزاوج جهارا مما يخلق مناخا مؤاتيا لاستشراء الفساد. ومن ثم تنشأ متلازمة الاستبداد/ الفساد التي تصم أنظمة السوء هذه.

الأدهى أن هذا النظام التسلطي الفاشل، بجميع المعايير المهمة، لا يعد بأي إصلاح جاد من داخله، ويرفض إخلاء الساحة لغيره، ولو أدى ذلك إلى خراب البلاد. ولعل هذا هو لب أزمة الحكم في مصر في بدايات القرن الحادي والعشرين.

أ: إفساد المعمار القانوني للحكم

يتجلى إفساد المعمار القانوني للحكم في أبشع صورة في إفساد روح الدستور، قانون القوانين. فالأصل في الدستور حماية الحرية والكرامة لإنسانية، وأي انحراف بالدستور عن هذين الغايتين النبيلتين هو في عرف ثقاة القانون، غير دستوري وواجب رده.

ب: الانحطاط بالممارسة السياسية

ونرصد هنا، للإيجاز، ظاهرتين فقط نعتبرهما الأسوأ، فجرائم النظام في الانحطاط بالممارسة السياسية عديدة. التزوير الفاضح للانتخابات وإدخال البلطجة الدنيئة لحلبة السياسة.

ج: علامات بدء نهاية الحكم التسلطي في مصر

من حيث المبدأ، يفرز نظام الحكم التسلطي مظالم بالغة القسوة يعانيها عامة الناس في كل لحظات الحياة. ولا يتيح النظام التسلطي، في الوقت نفسه، قنوات سلمية وأيضا فعالة للحد من هذه المظالم، نتيجة لانسداد أفق العمل السياسي المحقق لمصالح الناس. ولا مناص، والحال كذلك، من أن يلجأ الناس لأشكال من الاحتجاج التي قد تنقلب عنيفة، خاصة في ظل التغول البوليسي المتعاظم في مواجهة الناس جميعا. ومن ثم، فليس غريبا أن نرصد بدايات، ربما جنينية ومتناثرة حتى الآن، ولكن متزايدة ومتصاعدة ومطردة الفعالية، للعصيان السياسي والمدني في مصر.

والشرط الأساس لنهاية لحكم التسلطي في مصر، في تقديري، هو أن ترقي النخب المثقفة والسياسية المعارضة للحكم التسلطي لمستوى قادة النضال الاحتجاجي، وأن تتآلف كلها في جماعة وطنية ناظمة لجميع تيارات المعارضة للحكم التسلطي تعمل بدأب وكفاءة، من أجل الإصلاح الشامل والعميق، وصولا لقيام نظام حكم مؤسسي صالح يضمن حقوق الناس في حياة حرة وكريمة. وأرى إرهاصات هذا البديل متصاعدة!