بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اقتصاد

قرض صندوق النقد الدولي:

الثورة بين الضغوط الرأسمالية والعدالة الإجتماعية المنشودة

سؤال لابد أن يكون قد مر بذهنك, وأنت تطالع موافقة صندوق النقد الدولي علي إعطاء مصر قروضا علي مدة عام بقيمة ثلاثة مليارات دولار. السؤال هو: لماذا يدفع صندوق النقد الدولي مبلغا كهذا؟ هل المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي مؤسسات خيرية تقدم قروضا للبلدان الفقيرة وتساعدها في النهوض من كبوتها؟ أم أن هناك ما هو أبعد من هذا؟ لهذه المسألة حكاية لابد من روايتها..

(1)
تمر الرأسمالية بصورة دورية بأزمات خانقة.. هذه الأزمات ترجع إلي طبيعة العرض والطلب نفس, وهو القانون الأساسي في اقتصاد السوق الرأسمالي. يزداد الطلب فيزداد الإنتاج وبالتالي العمالة وبالتالي الإستهلاك لتبدأ مرحلة نشاط اقتصادي. عندما يتشبع السوق, يقل الطلب وبالتالي الإنتاج وبالتالي العمالة وبالتالي الإستهلاك لتبدأ مرحلة الركود الإقتصادي. يحدث هذا بصورة مستمرة وشبة منتظمة في أي اقتصاد سوق.

لكن كيف تقوم الرأسمالية بمحاولة تجاوز هذه الأزمة؟؟ أحد الوسائل الرئيسية التي تستخدمها الرأسمالية لتجاوز الأزمة الإقتصادية هي التوسع, وفتح أسواق أخري في بلدان أخري.. فبجانب الهدف الأول للرأسمالية وهو مراكمة الأرباح, فإنه حين يتم تحويل هذه البلدان الجديدة إلي اقتصاد السوق, فإن هذا يعني خلق نوع جديد من الطلب يسهم في زيادة الإنتاج وبالتالي تحقيق نشاط اقتصادي قد يساعد في تجاوز الأزمة.

ولكن كيف يمكن إجبار هذه البلدان الجديدة علي التحول للرأسمالية واقتصاد السوق؟ يمكن بالطبع أن تذهب الرأسماليات الكبيرة لتقوم باحتلال هذه الدول المرغوبة وإجبارها علي التحول لإقتصاد السوق. يحدث هذه طول الوقت.. لكن الحروب تتكلف الكثير ولا يمكن لقوي الرأسمالية أن تحارب العالم أجمع عسكريا.
هناك وسيلة أكثر خبثا..

(2)
يقوم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بإعطاء قروض إلي الدول الفقيرة.. المهمة المعلنة أن هذه المؤسسات تحصل علي أموال من الدول الغنية والشركات الكبيرة, لتقوم بإقراضها إلي الدول الفقيرة كي تنهض من كبوتها, ومع هذه القروض – ذات الفائدة الضخمة – توجد “روشتة” تهديها هذه المؤسسات إلي هذه الدول تحمل حزمة من الإجراءات والسياسات – يسمونها سياسات إعادة التكييف الهيكلي – التي من المفترض أن تساعد هذه الدول الفقيرة علي تجاوز أزمتها.

حسنا, لم تكن هذه هي المهمة الحقيقية علي الإطلاق. في الواقع لا تقوم الدول الغنية والشركات العملاقة بإعطاء تبرعات خيرية علي الإطلاق. ما يحدث في الواقع هو: يذهب “خبراء” هذه المؤسسات إلي الدول الفقيرة لإقناعها أنها فقيرة وأنها لن تنهض من كبوتها ابدا إلا بالحصول علي قروض من البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي. وللحصول علي هذه القروض لابد من الإلتزام بسياسات إعادة التكييف الهيكلي, وهذه هي السياسات التي تقوم علي تحويل اقتصاد هذه البلدان إلي اقتصاد سوق مفتوح. تشترط هذه المؤسسات علي الدول الفقيرة أن تلتزم بعدم التدخل في العملية الإقتصادية والبدء في خصخصة شركات القطاع العام وبتقديم تسهيلات أكبر لرجال الأعمال وهكذا. في الغالب تستغل هذه المؤسسات الرأسمالية الكبيرة وضع “صدمة” ما في هذه البلدان. مثلا عند حدوث كوارث كبيرة كالزلازل أو الفيضانات, أو في بلد تزرح تحت حكم ديكتاتوري دموي أو في أي وضع تكون فيه هذه البلدان غير مستقرة. يذهب رجال هذه المؤسسات لمقابلة حكومات هذه البلدان وتبدأ عملية إقناعهم. بعد أن تحصل هذه الدول علي القروض, تجد نفسها مجبرة علي تنفيذ سياسات هذه المؤسسات لسبب بسيط وهو أن فوائد هذه القروض يصبح رهيبا لدرجة أنها لا تستطيع سداد ديونها, أو حتي سداد فوائد هذه الديون. وبسبب هذه العجز في سداد فوائد الديون, تضطر إلي الإستمرار في تنفيذ هذه السياسات الرأسمالية.

ربما تصبح بعض الأرقام مفيدة في هذه الصدد. تدين دول العالم الثالث لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي بديون تبلغ حوالي 25 تريليون دولار, وتقوم هذه الدول الفقيرة بسداد هذه الديون بفائدة تبلغ في المتوسط حوالي تسعة أضعاف قيمة الدين الأصلية! موزمبيق هي أحد الدول التي جرت معها هذه اللعبة. فبعد فيضانات رهيبة شردت حوالي مليون شخص, حصلت موزمبيق من هذه المؤسسات علي قروض أو مساعدات بقيمة 40 مليون دولار. حتي الآن ما زالت موزمبيق تقوم بسداد هذه القروض, حيث تدفع 70 مليون دولار سنويا!! طبعا لم تؤدي هذه القروض إلي أي تحسين في اقتصاد هذه الدول, فبينما زادت نسبة القروض التي تحصل عليها الدول الأفريقية بنسبة 61% في بداية التسعينيات عنها في عام 1982, فإن نسبة الفقر في هذه الدول الإفريقية زادت بين عامي 1994 و 2000 م بنسبة 50% طبقا لإحصائيات البنك الدولي ذاته!

(3)
حين تقوم ثورة, فإن مقياس نجاحها يقوم مبنيا علي عاملين أساسيين: الأول هو تحقيق الحرية والديموقراطية السياسية والثاني هو تحقيق العدالة الإجتماعية. إذا غاب عامل من هذين العاملين فإن نجاح الثورة يصبح هنا موضع شك. إذا اتفقنا علي هذا, فإن الأوان قد حان لنناقش كيف يتم وضع قواعد لتحقيق العدالة الإجتماعية؟

عند التأمل في توقيت – وبالتالي غاية – هذا القرض الكبير الذي اعطاه صندوق النقد الدولي مؤخرا لمصر, فإن أبعاد اللعبة تتضح أكثر. تتخوف الدول الغربية والشركات الرأسمالية العملاقة من أن تغير الثورة المصرية في طريقها لتحقيق عدالة اجتماعية من اتباعها لسياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي المتعلقة بالخصخصة وتحويل مصر تماما لإقتصاد السوق المفتوح. لهذا جاء القرض الجديد, في محاولة من الرأسمالية لوقف أي تغييرات حقيقية في النظام الإقتصادي قد تحدثها الثورة

إذا استسلمنا لمثل هذه الخطوات التي تأخذها الرأسمالية – والتي ستعيق بلا أدني شك أي محاولة لتحقيق عدالة اجتماعية حقيقية – فإن الركن الأهم للثورة لن يتحقق. إذا انخدعنا بالدعاية التي تهاجم إضرابات واعتصامات العمال والموظفين – والتي تشكل طريقا مهما في استكمال الثورة وتطهير المؤسسات وبدء وضع أسس سليمة لعلاقات العمل فيها- فإننا بهذا نعرض ثورتنا لخطر الفشل. الرأسمالية لا تقف ابدا في طريق الإنتشار والسيطرة علي مقدرات الشعوب والأمم من أجل مصالح حفنة أفراد, والثورة التي أفهمها تعني أنه لا ينبغي للثوار أن يقفوا ابدا في طريق تحقيق أهداف الثورة واستكمال شقيها الديموقراطي والإجتماعي. الآن أو إلي الأبد..