بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

التعليم الفني في دولة رأس المال

لقد تحولت المدارس في الواقع إلى مجرد أدوات لحكم البرجوازية الطبقي، وتشربت تمامًا روح الطبقية البرجوازية. وينحصر هدفها في إمداد الرأسماليين بخدم مطيعين وعمال أكفاء.
لينين 28 أغسطس 1918 ـ إلى الشباب

هل من الممكن ـ بالنسبة لنا الآن ـ مطابقة مقولة لينين السابقة على واقعنا الحالي فيما يخص أنظمة التعليم المصرية؟ الواقع أننا نستطيع وبالذات إذا وجهنا أبصارنا نحو التعليم الثانوي الفني بأقسامه المختلفة والذي يعد بحق المفرخ الأول للعمالة الجديدة، التي لابد وأن يتوافر فيها شيئًا من التدريب والوعي المهني البسيط، على ألا تتكلف الدولة في الوقت نفسه ما لا تطيق من ميزانية.. سنحاول أن نقترب أكثر من فكرة التعليم الفني الذي تصرخ أبواق الدولة ليل نهار بأن المستقبل له دون شك..

الإقبال الشديد وأسبابه الواضحة:
منذ منتصف السبعينات وحتى الآن تتزايد نسب المتقدمين للالتحاق بأقسام التعليم الفني، فمثلاً كانت نسبة المقيدين به عام 87 ـ 88 وفقًا لتقرير التنمية البشرية 21.8%، ارتفعت هذه النسبة في عام 90 ـ 91 إلى 61% إلى أن وصل عدد الطلاب الملتحقين بالصف الأول بالتعليم الصناعي فقط 120 ألف طالب عام 1995، لكن هل صحيح أن مغزى الإقبال الشديد على هذا النوع من التعليم هو ما أولته الدولة من اهتمام واهتمام؟ أو كما صرح مؤخرًا رشدي زهران وكيل وزارة التربية والتعليم للتعليم الفني أن هذا الإقبال نتيجة للتطور والتحديث الذي شهده التعليم الفني بتزويده بأحدث المعدات ومواكبة مناهجه لتطورات العصر…

الحقيقة أن كل هذه أسباب شكلية واهية، ففيما يتعلق بالتحديث والتطوير فإن حالة المدارس الصناعية بالذات في غنى عن الكلام، الطلاب والمدرسون يعانون دائمًا من فقر المعدات أو قدم الآلات التي يستخدمونها في التدريب، ودائمًا ما يتحمل الطالب ثمن الخامات التي تحتاجها التجارب، يعترف البعض بوجود غرف مكيفة ومرتبة بعناية بها أجهزة كومبيوتر في تبعض المدارس، لكن هذه الغرف مكتوب عليها ـ بالاتفاق السري ـ ممنوع الاقتراب أو التصوير، فهي لمجرد الزينة أو لمواكبة العصر على الورق وفقط.. واحدة من المدرسات في مدرسة ثانوي صناعي قالت إن (المكن معظمه لا ينفع الشغل عليه أما عن المكن الجديد فهو عهده عليها وتخشى تشغيله. فمثلاً المقص الكهربائي ما زال في علبته ويستخدمون المقص القديم)… ومما يؤكد فكرة المستوى المتدني لإمكانات المدارس الفنية هو بحث ميداني لـ د. ناجي شنوده.. باحث بالمركز القومي للبحوث التربوية ـ أكد أن السبب في قصور التدريبات العملية داخل مدارس التعليم الفني يرجع لنقص وقدم المعدات والآلات، نقص المواد الخام، قلة الكتب الفنية الجيدة والوسائل التعليمي، بالإضافة بالطبع لزيادة عدد الطلبة في “العملي” عن العدد المحدد قانونًا، ناهيك عن مستوى المدرسين ومعظمهم لم يحصل بالفعل على دراسات تربوية تؤهله لممارسة التدريس أصلاً مما يؤدي في النهاية لضعف العلاقة بين التعليم الفني وقطاعات العمل والإنتاج.. يمكننا هنا ربط هذا الكلام بتصريحات د. نادية جمال الدين مديرة المركز القومي للبحوث التربوية التي أشارت لأن التعليم الفني لا يؤهل صاحبه إلا للعمالة الوسيطة أو غير الماهرة وهي الآن غير مطلوبة في سوق العمل بسبب انخفاض مستوى التدريب وكذلك المستوى الثقافي بالمقارنة بالتغيرات التكنولوجية الساحقة، مما يدفع إلى سوق العمل بعمالة غير مطلوبة، لذا فإن نسبة البطالة بين خريجي الجامعات لا تتجاوز 12% بينما هي بين خريجي التعليم الفني أكثر من 88%!!

لكن إذا كان هذا هو الواقع الفعلي لما عليه مدارس التعليم الفني فإن هناك بلا ريب أسباب أخرى تدفع بهؤلاء الطلاب للالتحاق بها، بل للإقبال الشديد عليها، على حد تعبير الطلاب فكل فائدتها أنها شهادة والسلام، بعني أحسن من مفيش، وبالطبع فإن القيمة الاجتماعية لحاملي الدبلومات أفضل بدرجة من قيمة معدومي التعليم أو حاملي الإعدادية فقط. وكذلك مدة الخدمة في الجيش سوف تقل وطريقة المعاملة ستختلف. معنى هذا أ، الطلاب بالفعل واعين لعدم جدوى هذه الشهادة وأنهم سيعملون في نفس الأعمال التي يمارسونها قبل تخرجهم وبعده دون فارق حقيقي، فنظرة المجتمع هي الدافع الوحيد للالتحاق بهذا التعليم لكن إذا نظرنا بطريقة أعمق سنجد أسباب جذرية غير نظرة المجتمع مثل الفقر وهو العامل المشترك بين جميع من يلتحقون بالتعليم الفني بأقسامه المختلفة.

تقول دعاية وزارة التربية والتعليم التي ترددها وسائل الإعلام دون توقف أن أولياء الأمور والطلبة أصبح لديهم وعي بمميزات التعليم الفني وتناسب قدرات الطلبة مع مواده الدراسية العملية، وأن الانبهار بالدارسة النظرية قد تلاشى وبدأ الاعتبار يرد لقيمة العمل اليدوي. الحقيقة أن نصيب هذه الدعاية من الصواب يكاد يكون لا شيء، لأن نسبة من يتجهون بإرادتهم للتعليم الفني رغم حصولهم على مجموع عالي يؤهلهم للثانوي العام تكاد تكون صفر أ, واحد في المائة. أما الغالبية العظمى فهم أصحاب مجاميع ضعيفة، ولا حاجة بنا للقول أن ظروف التعليم في مصر ليصت في صالح الفقراء على طول الخط فأصحاب المجاميع الصغيرة بالإعدادية هم ولا شك من الطبقات الدنيا التي لم توفر لهم مقومات النجاح المتعارف عليها من كتب خارجية ودروس ومكان مناسب وظروف بدنية ونفسية مناسبة… وكل الأشياء التي لابد منها لتكوين عقل طالب مؤهل. هناك بالفعل من يكسر هذه القاعدة بدأب وصبر لكن تظل النسبة الأكبر لمن تطحنهم الظروف ويبقى نصيبهم هو التعليم الفني بمستواه الضحل وبطالته المنتظرة.

التعليم الفني وسياسات الدولة:
من الخطأ الشديد فصل التعليم الفني عن بقية فروع التعليم في مصر، حيث أنه يمر بنفس الأزمة التي تجتاح باقي القطاعات الخدمية أي خفض معدلات الإنفاق، بما يعني محاولة الخروج من الأزمة الاقتصادية على حساب الفقراء ومحدودي الدخل. أن نسبة الإنفاق على التعليم في مصر أقل من دول أخرى عديدة هي أيضًا تعتبر دول نامية، فإن نسبة الإنفاق على التعليم من الناتج القومي هي 6% في الفترة من (88 ـ 90) بينما هي 7.1 في الأردن و 7.9 في المغرب و 10.8 في الجزائر…. وستنجد أ، قيمة المعونات الموجهة لقطاع التعليم بمصر حتى عام 1992 حوالي 1 مليار و 874 ألف جنيه مصري، وإجمالي القروض الموجهة لنفس القطاع 756 مليون و 992 ألف جنيه مصري…. لكن أي تذهب كل هذه الأموال؟ وألا تكفي مع ما ينفق من ميزانية الدولة لإحداث تطور نسبي وبسيط في الخدمات التعليمية؟ الإجابة على أسئلتنا حاضرة لدى أبواق الحكومة المصرية في إن الزيادة السكانية هي مربط الفرس، وهي التي تهدر كل إمكانيات تطوير قطاع التعليم هذا غير أن السكان في عمر التعليم (6 ـ 24) نسبتهم في مصر مرتفعة جدًا (وصلت عام 97 إلى أكثر من 25 مليون نسمة).. لكن هل هذا كلام مقنع؟ إن نسبة السكان في سن الجامعة في دول أخرى تصل مثلاً إلى 55% في أمريكا وهي من 26% ـ 35% في أوروبا وحوالي 25% في روسيا، نفس الشريحة في مصر لا تتعدى 12%.

هناك سبب أهم لإهدار ميزانية مخصصات التعليم، وهو ما تعترف به الحكومة جزئيًا من ارتفاع نسبة ما يخصص للأجور، لكن إذا أخذنا في الاعتبار تدني مستوى أجور المدرسين، نجد أن نسبة أجور العاملين بالتعليم وهي 91% من إجمالي ميزانيته تذهب بشكل شبه كامل للشرائح العليا في الهيكل التعليمي من الإداريين في صورة انتقالات، بدلات، اجتماعات، مؤتمرات ومكافآت وخلافه…

التعليم الفني كفرع من فروع قطاعات التعليم يتأثر ولا شك من تقليص الإنفاق وضعف الإمكانيات، وربما يتأثر أكثر من غيره لاعتماده بشكل أساسي على التدريب العملي بشكل دائم مما يحتاج إلى آلات وخامات ومدرسين مؤهلين ومرافق صالحة للاستخدام كروش ومعامل…. رغم كل مسالب التعليم الفني بأقسامه إلا أن الدولة استطاعت أن تحشد فيه أبناء الفقراء وأن تعدهم كخدم أكفاء للرأسمالية الجديدة التي تفضل عامل نال قسط ما ولو ضئيل من تدريب مهني. تصريحات الحكومة تدلل على نيتها في توسيع قاعدة التعليم الفني وخفض عدد المقبولين في الثانوي العام والجامعات بالتالي، حيث أصبحت نسبة المقبولين بالثانوي مقارنة بالثانوي الفني حوالي 30% : 65%. تدعي الدولة أن طالب الثانوي الفني يكلفها أكثر من طالب الثانوي العام سنويًا فبينما يكلفها طالب الصناعي 122 جنيه سنويًا وطالب الزراعي 156 جنيه سنويًا فإن طالب الثانوي العام لا يزيد عن 101 جنيه سنويًا.. لكن الاكتفاء بهذه الأرقام خطأ جسيم إذا لم نضع في اعتبارنا أن طالب الثانوي الفني لن يكلف الدولة أكثر من ذلك وبمجرد انتهاء فترة الثانوية سيتحول إلى أداة منتجة وليس مستهلك، بينما طالب الثانوي العام سيظل يكلفها الكثير خلال سنوات دراسته الجامعية. ثم سيتحول بعد تخرجه إلى عبء من نوع آخر حيث سينضم ـ أن عاجلاً أو أجلاً ـ إلى السلم الوظيفي الخدمي، وتصبح الدولة مسئولة عن تدبير دخله.

لكل هذه الأسباب تفضل الدولة طالب الثانوي الفني عن الثانوي العام، وتتوسع بالفعل في مدارس التعليم الفني لكن بشكل كمي وحسب، حتى تضمن استيعابها لأكثر أعداد ممكنه من الطلبة الفقراء.. فليس من الغريب بعد ذلك أن يصرح وزير التربية والتعليم أنهم قد حددوا نسبة 70% من طلاب المرحلة الإعدادية للالتحاق بالتعليم الفني (حوالي 3 مليون طالب ونصف)، ليبقى 30% أو أقل لو اعتبرنا نسبة التسرب للالتحاق بالثانوي العام ثم العالي.

في النهاية سيظل التعليم الفني مصير الفقراء، وستظل الدولة تعمل على توسيع قاعدته وإضعاف مناهجه. لابد أن نؤكد أننا لسنا ضد التعليم العملي الذي لا يعتمد على الورقة والقلم قدر اعتماده على الخامة والآلة. لكننا بالطبع ضد أن يتحول هذا الشكل من التعليم لمفرخة ميكانيكية تنتج خدمًا جددًا للبرجوازية، ليس لديهم من إمكانيات مهنية سوى أتفهها ومن ثقافة عامة، إلا أقل القليل. هؤلاء هم عمال الغد وإن كانت سمحت لهم رأسماليتنا البخيلة بهذا القدر الهزيل من التعليم فإنه على أي حال لصالحهم ولصالح نضالهم المستقبلي دون شك. فإن طبقة عاملة متعلمة نسبيًا هي أكثر تماسكًا ووعيًا من طبقة لا يجيد معظما القراءة والكتابة. أما عن محاولات إصلاح التعليم الفني فإن أبلغ صوره لها هي المشروع المقدم من د. عبد السلام عبد الغفار الذي يدعو لاعتبار المدارس الفنية وحدة تعليمية إنتاجية في نفس الوقت ويتطلب ذلك أن تقدم مواقع الإنتاج كل المستلزمات والأجهزة التي يتعلم عليها الطالب مقابل الاستفادة من إنتاجهم بعد دفع أجر متوسط لهم مقابل هذا الإنتاج. من الواضح أن دلالة هذا المشروع تعني عجز الحكومة عن توفير آلات وحاجات لتدريب الطالب بشكل علمي وصحيح. والأهم أن هذا الاقتراح يعني أن يتحول طلاب التعليم الفني إلى عمال بأجر زهيد لدى أصحاب المصانع، وهكذا يصبح على أولياء الأمور أن يقدموا أبنائهم ـ منذ أن يشتد عودهم ـ هدية لآلة الرأسمالية حتى تستعبدهم منذ الصغر لينشئوا ودعاء طيبين، أوفياء لأسيادهم!!