بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأزمة العالمية والاقتصاد المصري

تحول الخوف الذي ساد البرجوازيات العالمية وحكوماتها في الشهور القليلة الماضية إلى ذعر، فالأزمة الاقتصادية العالمية تتطور بسرعة مذهلة وتهدد بكوارث أعنف كثيرا من أكثر التنبؤات تشاؤما. فقد تم في الشهرين الماضيين في بورصة نيويورك تدمير 4 آلاف بليون دولار (4000000000000) من الثروة المالية وهو ما يوازي الناتج الإجمالي المحلي للاقتصاد الياباني، وقد عادت أسواق البورصة للصعود ثم الهبوط من جديد خلال الأسبوعين الأخيرين من سبتمبر مما يعكس مدى التقلب وعدم الاستقرار في الأسواق المالية.

تشير التقديرات الحالية إلى أن 40% من اقتصادات العالم هي إما في حالة ركود أو على وشك الدخول في ركود. وإذا فشلت الاقتصادات الأسيوية في الخروج قريبا من الأزمة وإذا انضم الاقتصاد الأمريكي إلى نادي الركود سيؤدي ذلك إلى انخفاض الناتج العالمي العام القادم لأول مرة منذ ستين عاما، وقد أصبحت التنبؤات لهذه الأسباب تتحدث عن إمكانية حدوث كساد عالمي كبير ربما يكون أشد عنفا من الكساد الكبير في الثلاثينات.

ولم تكن أيام قد مضت على انهيار الاقتصاد الروسي حتى تحولت الأنظار مرة أخرى إلى اليابان، فالاقتصاد الياباني، وهو ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، يدخل في مرحلة جديدة من الأزمة، فقد انكمش الاقتصاد الياباني لثالث فصل على التوالي خلال هذا العام، وفي نهاية العام سيكون الاقتصاد قد انكمش بنسبة 3.3% من إجمالي الناتج المحلي مما يؤدي إلى عواقب مدمرة على الصناعة اليابانية، فشركة تاو للحديد والصلب مثلا، وهي من أكبر ثلاث شركات حديد في العالم قد أعلنت في الشهر الماضي أنها على وشك التصفية مما يشكل أكبر وأخطر فشل لشركة صناعية يابانية منذ الحرب العالمية الثانية. وقد كانت التوقعات في بداية هذا العام تشير إلى أن الركود سيكون مركزا في القطاع المالي والتجاري ولكنه الآن انتشر سريعا إلى القطاع الصناعي مما يخلق حالة ذعر في صفوف البرجوازية العالمية، وقد وصل معدل البطالة في اليابان إلى 4.5% حسب تقدير الحكومة اليابانية ولكن هذه النسبة تصل إلى 10% إذا ما تم تحديده بنفس المعايير الأوروبية والأمريكية.

مثل أخر على سرعة تطور الأزمة هو ما يحدث لشركة هيتاشي العملاقة، فقد حققت الشركة عام 1997 أرباحا تقدر بـ 3.48 بليون ين بينما يتوقع أن تحقق نفس الشركة في هذا العام خسائر تقدر بـ 250 بليون ين، مما يعني إغلاق عشرات المصانع في اليابان ومئات المصانع في منطقة جنوب شرق آسيا.

وتهدد الأزمة التي تجتاح جنوب شرق آسيا وأدت إلى انهيار اقتصادات إندونيسيا وتايلاند وماليزيا بإغراق الصين، فهناك ضغط شديد الآن على الحكومة الصينية لتخفيض قيمة العملة (الرينمنبي) بالنسبة للدولار، والمشكلة بالنسبة للحكومة الصينية هي أنه إذا لم تخفض قيمة العملة ستصبح صادرات الصين أغلى من صادرات الدول التي تم فيها تخفيض قيمة العملة إلى أقل من النصف مما يهدد بأزمة فائض إنتاج عميقة في الصين وبالتالي إلى ركود عنيف. أما إذا تم تخفيض قيمة العملة ستكون النتيجة هروب واسع النطاق وسريع لرأس المال الأجنبي وأيضا قطاعات من رأس المال الصيني خاصة التجاري والمالي مما يهدد بانهيار اقتصادي شبيه بالذي حدث في تايلاند.

ولكن ماذا عن الاقتصاد الأمريكي وهو أكبر وأهم اقتصاد في العالم. لم تعد الطبقة الحاكمة الأمريكية مؤمنة بإمكانية تجنب الأزمة العالمية وقد أعلن الآن جرينسمان رئيس البنك المركزي الأمريكي في بداية سبتمبر أن أمريكا لن يمكنها أن تبقى واحة رخاء في عالم يعاني من ضغوط شديدة ومتزايدة. وأكثر ما يهدد الاقتصاد الأمريكي الآن هو التطورات في أسواق المال في أمريكا اللاتينية، ففي الشهور الثلاث الماضية انخفضت البورصات في أمريكا اللاتينية بنسبة 60%، وتؤثر هذه التوترات الاقتصادية في أمريكا اللاتينية بشكل مباشر في الاقتصاد الأمريكي، فأكثر من 40% من الصادرات الأمريكية تذهب إلى أمريكا اللاتينية والبنوك الأمريكية الكبرى أكثر ارتباطا بهذه المنطقة من ارتباطها بأسواق آسيا.

وقد بدأت حكومات أمريكا اللاتينية واحدة تلو الأخرى تخفض من قيمة عملاتها، فقد اضطرت الحكومة الكولومبية لتخفيض عملتها بنسبة 9% بعد انهيار أسعار البترول وسرعان ما فعلت حكومة الإكوادور نفس الشيء. ولكن الشيء الذي يخيف الطبقة الحاكمة الأمريكية هو التطورات في البرازيل. فالبرازيل هي أكبر اقتصاد في المنطقة، وهي مسئولة عن 45% من الناتج الإجمالي لأمريكا اللاتينية. وقد أصبحت الحكومة البرازيلية تحت ضغوط متزايدة لتخفيض عملتها وقد وصل هروب رأس المال خلال شهر سبتمبر إلى بليون دولار يوميا. وقد رفعت الحكومة معدل الفائدة إلى 50% في محاولة منها لإنقاذ العملة ولكن هذا يؤدي إلى رفع العجز في الموازنة والذي وصل حاليا إلى 7% من الناتج الإجمالي المحلي والوسيلة الوحيدة لتخفيض العجز سيكون من خلال تخفيض عنيف للإنفاق الاجتماعي مما سيزيد من البطالة وعدم الاستقرار السياسي، وهذه هي السياسة التي سيتبعها الرئيس الحالي كاردوزو إذا فاز في انتخابات الرابع من أكتوبر.

وقد ظهر بوضوح عمق الأزمة العالمية عندما خفض البنك المركزي الأمريكي معدل الفائدة بنسبة 0.25% لم يكن لهذا الإجراء أي تأثير لا على الاقتصاد الأمريكي ولا على الاقتصاد العالمي. وقد أكد انهيار بنك الائتمان طويل المدى في سبتمبر أن الاقتصاد الأمريكي مهدد بشكل مباشر بالدخول في ركود عنيف، حيث بلغ رأس مال البنك المنهار أكثر من 200 بليون دولار وهو مجرد واحد من عشرات البنوك الشبيهة المهددة بالانهيار.

بدأت دوامة الأزمة العالمية مع انهيار عملة البات التايلاندية في ربيع 1997، ولكن في ذلك الحين لم يكن أحد من المحللين البرجوازيين يتوقع أن تتطور الأزمة بالسرعة والشمول الذين رأيناهم خلال العام الماضي فالكل كان يكتب عن أزمة مالية مؤقتة سيتم تجاوزها خلال عدة أشهر ويتم بعدها العودة إلى النمو السريع.

إن التحليل الماركسي وحده هو القادر على الفهم العميق للأزمة وطبيعتها وبالتالي هو القادر على التنبؤ بتطوراتها. فانفجار الأزمة في آسيا وانتشارها عالميا يمكن فهمه من خلال دورة الركود والانتعاش التي كتب عنها ماركس ومشكلات فائض الإنتاج التي تخلقها هذه الدورة، واقتصاد جنوب شرق آسيا واليابان قد شهد نموا إنتاجيا سريعا في العقود الثلاث الماضية وهذا النمو قد أدى إلى تحولات واسعة النطاق، فقد أصبحت بلدان مثل كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وهونج كونج مراكز صناعية رأسمالية متطورة، وقد ميز تطور المراكز التراكمية في هذه البلدان اعتمادها الشديد على النمو التصديري، فاستطاعت أن تخلق لنفسها مكانا في السوق العالمي، وأن تتحرك سريعا من الصناعات الأولية مثل النسيج والملابس إلى صناعات الحديد والصلب والسفن والإليكترونات والسيارات. ولكن هذا النمو يعتمد كليا على وجود سوق عالمي قادر على شراء هذه السلع المتزايدة، وهذا يعني أن أي انكماش لهذا السوق يعني أزمة فائض إنتاج عنيفة وقد ظهر بوادر هذا الانكماش في مارس 1997 في كوريا الجنوبية عندما أفلست شركة هانبو العملاقة للحديد والصلب وشركة كيا للسيارات.

وكلما تفاقمت أزمة فائض الإنتاج كلما اضطر الرأسماليون لتخفيض أسعار السلع وقد انخفض مثلا سعر المكونات الإليكترونية بنسبة 80% خلال العام الماضي.

كان التوسع الاقتصادي في اليابان (أضافت اليابان بين 1985 و1992 قدرة إنتاجية تعادل الاقتصاد الغربي بأكمله) شديد الاعتماد على قروض ضخمة من البنوك وعندما أدى فائض الإنتاج إلى انهيار في الأرباح لم تعد الشركات قادرة على دفع ديونها مما أدى إلى بداية سلسلة الانهيار المالي ومنه إلى أزمة اقتصادية معممة. وقد أدت الأزمة اليابانية وانهيار اقتصاد شرق آسيا إلى خفض الطلب على المواد الخام الأساسية وأهمها البترول، الذي انهارت أسعاره سريعا رغم محاولات الأوبك لإنقاذها. وأدى انهيار سعر البترول إلى تعميق الأزمة في روسيا وفي بلدان أمريكا الجنوبية المعتمدة على تصدير البترول.

إن العوامل الأساسية التي تعمق الأزمة العالمية الحالية هي أن النظام المالي أصبح عالميا وحرية الحركة لرأس المال المالي أصبحت إحدى أهم سماته، وهذا يعني أن تحريك الاستثمارات المالية من المناطق منخفضة الربحية إلى المناطق مرتفعة الربحية يحدث بشكل سريع ولا يمكن التحكم فيه، وقد شهدنا الهروب السريع وغير المسبوق لرأس المال المالي من أسواق جنوب شرق آسيا المنهارة إلى أسواق أوروبا وأمريكا المنتعشة خلال الصيف الماضي.

وإذا نظرنا إلى الأزمة الحالية بشكل تاريخي سنجد أن هناك ميل لانخفاض معدلات الربح منذ أوائل السبعينات وقد أدى هذا إلى فترات انتعاش قصيرة جدا وضعيفة يعقبها فترات ركود عنيفة، وفشل الرأسمالية في رفع معدلات الربح بشكل كافي يعني تكرار لفترات الركود العنيفة. ونحن الآن في بدايات رابع ركود عالمي منذ بداية السبعينات (73-1974، 81-1982، 91-1992) وكل المؤشرات توضح أنه سيكون أعنف ركود، وهناك احتمالات تحوله إلى كساد عظيم مثل الذي شهده النظام العالمي في الثلاثينات.

ولكن ماذا عن الاقتصاد المصري؟ يدعي مبارك أنه استطاع بسياسته الحكيمة أن يجنب الاقتصاد المصري الدخول في الأزمة، وهو يعتمد في زعمه على أن معدل النمو للاقتصاد المصري مازال بالإيجاب (بين 3.5% و 4.5%) ومعدل التضخم لم يزد عن 5% ولم يضطر النظام إلى تخفيض قيمة الجنيه، وهذه كلها حقائق ولكنها حقائق تشير ليس إلى عبقرية سياسات مبارك ولكن إلى كون النظام قد فشل في الفترة السابقة في الاندماج في الاقتصاد العالمي وتحويل مصر إلى بلد مصدرة، فإذا قلنا أن الأزمة في بلدان جنوب شرق آسيا هي أزمة فائض إنتاج فهذا الفائض هو نتيجة النمو السريع السابق لصناعة وصادرات هذه البلدان. ولكن نحن والحمد لله لم يحدث لدينا نمو لا بطئ ولا سريع للصادرات (نسبة الصادرات المصرية من إجمالي التجارة العالمية انخفض من 0.27% إلى 0.1% ما بين 1970 إلى 1997) وبالتالي فلم يشكل انكماش الطلب في السوق العالمي أي ضغط يذكر على الاقتصاد المصري وهو نفس وضع اقتصاد الهند. ولكن هذا لا يعني على الإطلاق أن الاقتصاد المصري سيظل خارج نطاق الأزمة بل على العكس من ذلك، فسوف تكون آثار الأزمة العالمية مدمرة على الاقتصاد المصري في العامين القادمين، وهذا لعدة أسباب:

1. إن كل خطط النظام في الاستثمار معتمدة على دخول الاستثمارات الأجنبية إلى الاقتصاد المصري سواء في الأسواق المالية أو في المشاريع الإنتاجية الكبرى، ولكن هناك اليوم هروب واسع النطاق لرأس المال من كل الأسواق الصاعدة بما فيها مصر.

2. إن استمرار انخفاض سعر البترول يشكل كارثة بالنسبة للاقتصاد المصري، فهناك ثلاث مصادر رئيسية للعملة الأجنبية تعتمد عليها الدولة، الأول هو تصدير البترول، والثاني قناة السويس، والثالث هو عائدات المصريين العاملين في دول الخليج، وهذه المصادر الثلاث كلها معتمدة بالطبع على سعر البترول، مما يعني أنه سيكون هناك نقص شديد في العملة الأجنبية.

3. هذا النقص بدوره سيخلق ضغطا مضاعفا على الحكومة المصرية لتخفيض قيمة الجنيه، فالبنك المركزي المصري يحافظ على قيمة الجنيه بالنسبة للدولار من خلال احتفاظه بمخزون ضخم من الدولارات واستخدام هذا المخزون لشراء الجنيهات المصرية لإبقائها عند نفس قيمتها بالنسبة للدولار.

4. على الرغم من صغر حجم الصادرات المصرية، خاصة الصناعية منها، فالحكومة معتمدة على خطة تحويل الاقتصاد المصري نحو التصدير كحل وحيد لتنشيط الرأسمالية الصناعية في مصر، فالسوق المحلي محدود للغاية وينكمش سريعا بسبب سياسات التكيف الهيكلي، ولكن فرص زيادة التصدير أصبحت معدومة في الفترة القادمة، ليس فقط لأن السوق العالمي ينكمش، ولكن أيضا لأن دول جنوب شرق آسيا اضطرت لتخفيض قيمة عملاتها إلى أقل من النصف، وبالتالي أصبحت سلعها أرخص كثيرا مما كانت عليه من قبل، فكيف يمكن للسلع المصرية أن تكون منافسة اليوم وهي لم تكن قادرة على ذلك حتى بالأسعار القديمة؟

5. إن كل المشروعات “العملاقة” التي تقوم بها الدولة اليوم من موانئ في خليج السويس وشرق التفريعة ومشروعات زراعية ضخمة في توشكى ومشروعات سياحية واسعة النطاق في سيناء والساحل الشمالي، كل هذه المشروعات تعتمد تماما على توقعات نمو طويل المدى في الاقتصاد المصري والعالمي. فالموانئ تعتمد على زيادة في التجارة العالمية (خاصة بين جنوب شرق آسيا وأوروبا) وهو ما ينخفض بشكل غير مسبوق اليوم، والمشروعات الزراعية تعتمد على الزيادة في الطلب على منتجاتها، ونفس الشيء بالنسبة للمشروعات السياحية، إن دخول الاقتصاد العالمي في حالة كساد سيعني تحول كل هذه المشروعات إلى مدن أشباح وسيعني أيضا انهيار البنوك التي قامت بتمويلها.

6. هناك انهيارا، كما ذكر من قبل، لأسعار السلع في السوق العالمي، وسيشمل هذا الانهيار إذا استمرت الأزمة انهيارا لأسعار المنتجات الزراعية، وهذا يحدث في نفس الوقت الذي تقوم فيه الحكومة المصرية بتحرير أسعار المنتجات الزراعية، أي أن الحكومة تترك الفلاح “حرا” أمام سوق عالمي منهار، وهذا لا يعني إلا مجاعات بالنسبة لقطاعات واسعة من الفلاحين الفقراء في الفترة القادمة.

إن مدى تأثير هذه العوامل الستة سيعتمد بالطبع على مدى العمق الذي ستصل إليه أزمة الاقتصاد العالمي، ولكن في كل الحالات ستحاول الرأسماليات أن تجعل جماهير العمال والفلاحين يدفعون ثمن الأزمة. وكما أكد لينين ليس هناك أزمة لن تستطيع البرجوازية تجاوزها إذا قبلت الجماهير دفع الثمن، انهيار الرأسمالية إذن ليس حتميا، إن الفترة القادمة بكل ما ستشهده من أزمات اقتصادية وانفجارات جماهيرية تشكل خطورة رهيبة ولكنها في ذات الوقت تشكل إمكانيات كبرى. إما الحروب والمجاعات أو الثورة، إما البربرية أو الاشتراكية.