بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ماذا جنت الشعوب في ظل الرأسمالية؟

على خلفية ما يحدث الآن من محاكمات وطلب استدعاء لرموز من النظام السابق, ظهر واضحا حجم الفساد الذي أزكم الأنوف لعقود من الزمن, إلا أن تفاصيل التهم الموجهة لمبارك وعصابته خلقت الكثير من الملاحظات التي يجب الوقوف عليها. فمبارك الذي كشفت التحقيقات بامتلاكه لعائدات منجم ذهب دون إدراجه بميزانية الدولة كان هو نفسه رئيسا ل 40% من الشعب المصري تحت خط الفقر. و إهدار المال العام تم في حين آلاف العمال يناضلون من أجل قبض الرواتب المتأخرة لشهور. وكل هذه الأراضي التي بيعت بأبخس الأثمان تزامنت مع صعوبة امتلاك الشباب لشقة صغيرة.

السؤال يطرح نفسه إذن: ما سر كل هذا التناقض الذي عصف بالمجتمع؟

فنظام مبارك المخلوع استطاع زيادة الرقعة الصناعية في كثير من المناطق والتي استوعبت في بادىء الأمر نسبة عمالة كبيرة, واستطاع القفز ببعض الصناعات مثل الصلب ذو الوضع التنافسي العالمي، بل واستطاعت حكومة نظيف مؤخرا توقع زيادة النمو الاقتصادي إلى 8% بحلول عام 2013, لكن كل هذا أصبح يواجه بمجمل أرقام واقعية حول تسريح آلاف العمال وحول بيع الشركات الحكومية العملاقة بالصناعات الوطنية إلي القطاع الخاص. لم يكن هذا أبدا تناقضا لكنه في الواقع هو نتيجة. فكل تلك السياسات التي أعفت رجال الأعمال من الضرائب لم تكن سوى طريق جديد لتدفق الملايين لجيوبهم, وبموجب الخصخصة والمنافسة العشوائية ظهرت المراكز الاحتكارية التي لا تتورع في المتاجرة بحياة البشر وتهدف إلى الربح المباشر وليس للاحتياجات المجتمعية.

وبتطور الوضع الاقتصادي أصبح هؤلاء الذين يمتلكون أموالا طائلة هم أنفسهم من يستطيعوا التزوير في الانتخابات ويتحكمون في البرلمان ليمرروا مزيد من تلك السياسات التي تخدم مصالحهم. وهو ما حاول مبارك المناورة عليه قبل رحيله عند تعهده بعدم دخول رجال الأعمال بالحكومة وعلى إثرها استقال أحمد عز من الحزب الوطني.

مجمل هذه السياسات التي أظهرت التناقض الذي نعيشه, ترابطت فيما بينها لإنتاج أنظمة فاشية أعطت نفسها الحق في محاصرة جيوب الفقراء بتبعات أزمة اقتصادية خلقها نظام فاشل, وعند مواجهة الأزمات قررت تلك الأنظمة اللجوء للحلول الإصلاحية لإنقاذ عيوب النظام  وباستغلال تلك السيطرة السياسية والاقتصادية, مثلما حدث بتعهد الرئيس اليمني, عند بدء الاحتجاجات برحيله سياسيا, بكفالة ألف أسرة فقيرة وكأن أموال الكفالة هي هبة من جيبه الخاص أو أنها بالأساس لم تكن من حقوق الشعب!

وبمجرد انقلاب الدفة مرة أخري لصالح تلك الأنظمة الفاشية استخدمت أساليب أكثر افتضاحا بالضغط على المطالب الاقتصادية في سبيل تخلي الشعوب عن المطالب السياسية, كما حدث بتهديدات ولي عهد البحرين بتجويع المعارضين وعلى إثر ذلك تم فصل 80 ممن يحسبون على المعارضة من وظائفهم واعتقال الكثير, ومثلما أمر بشار الأسد المزمع خلعه بسوريا بسحب كميات الدقيق من مطاحن مدينة درعا معقل الاحتجاجات الأخيرة لمزيد من القمع السياسي بالتحكم في القبضة الاقتصادية. الرأسمالية التي عمقت العلاقة بين السيطرة السياسية والسيطرة الاقتصادية استهدفت أيضا الأسرة نواة المجتمع بتناقضات اجتماعية روجت لأفكار سلعية ضد المرأة باعتبارها عنصر جذب لترويج بضائع الرأسماليين. فلم يكن عجبا انتشار الحجاب بالشوارع المصرية في الوقت الذي وصلت فيه التحرشات الجنسية إلى 83%، بل وتحولت إلى الشكل الجماعي في مشاهد صدمت المجتمع المحافظ, ولم يكن عجبا في ظل أسواق تتهافت على اليد العاملة الرخيصة أن تزداد نسب عمل الأطفال في سن صغيرة في الوقت ذاته تزداد نسب البطالة بين الكبار وممن يحملون الشهادات العليا. الرأسمالية أصل التناقضات في المجتمع، والتناقض الظاهري سببه تقسيم المجتمع للشكل الطبقي, غني وفقير, مسلم ومسيحي, رجل وامرأة.

وتلك الطبقية التي طرحت نفسها لن تحلها محاكمة مبارك وعصابته، فلن يكف الاستغلال ضد العمال بعد رحيل حسين مجاور,  ولن يكون تركيز الخطاب الديني أو التربوي حلا للتغيير الاجتماعي. فسؤال ماذا بعد؟ هو الأهم في تلك المرحلة التي تستدعي إسقاط كل النظام الرأسمالي الذي يخلق في كل خطوة مبارك جديد.