بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

من الرابح في كأس العالم 2006؟

انس المقاومة العراقية وحكومة حماس وصعود اليسار في أمريكا اللاتينية، انس زلزال إندونيسيا والحروب الأهلية في الصومال والسودان، انس حركة التغيير المصرية ومطالب القضاة وتجديد الطوارئ، انس كل هذا وتذكر فقط أن شهر يونيو 2006 هو شهر كأس العالم.

يعد كأس العالم لكرة القدم الحدث الأهم دون منازع في الشهر الحالي. قد يرى البعض أن هذا مرجعه حب البشر للرياضة وما تمثله من متعة. لكن الحقيقة أن تسليط الضوء على مونديال 2006 يرجع إلى الارتباط العضوي بين الرياضة والرأسمالية العالمية.

يدّعي الاتحاد الدولي لكرة القدم، الـ”فيفا”، أنه قد ابتكر كأس العالم بغرض التقريب بين الشعوب. قال رئيس الاتحاد جوليز رايم في عام 1926: “سوف تعزز كرة القدم نموذج السلام الدائم والحقيقي.”

تجارة رابحة

لكن الواقع أن دورات كأس العالم، وبالأخص دورة 2006، هي تجارة تساوي البلايين. بيع حقوق البث المباشر للمباريات وحده يجلب أكثر من بليون دولار. هذا في حين قام 15 راع للمونديال، من بينهم أديداس وكوكا كولا وماكدونالدز وتوشيبا وفيليبس، بدفع الملايين للفيفا من أجل الحصول على الحق الحصري للإعلان عن الدورة.

في هذا السياق، لجأت الفيفا إلى القضاء الفيدرالي الألماني لفرض الحماية على مصطلح “كأس العالم لكرة القدم 2006” كعلامة تجارية، ولكنها فشلت.

وبحسب بعض التقديرات، سوف يصل حجم مبيعات السلع لمحبي كرة القدم أثناء الدورة إلى 2 بليون دولار، نسبة الفيفا منها تتجاوز 15%، هذا بالرغم من أن الفيفا مسجلة في سويسرا باعتبارها شركة لا تهدف للربح مما يجعل نسبة الضرائب المفروضة على أرباحها لا تتجاوز 4%!

البطولة التي تقدم لنا باعتبارها تنافسا شريفا من أجل جائزة مرموقة، هي في الحقيقة ساحة لمعركة تنافسية بين كبرى الشركات. أديداس على سبيل المثال، وهي الشركة المنتجة للمستلزمات الرياضية، هي المورد الرسمي لملابس الرياضة ولكرات القدم للبطولة. وقد عقدت صفقة مع الفيفا تجعلها راعي رسمي لبطولة العالم 2010 بجنوب أفريقيا و2014 بأمريكا اللاتينية. وحتى نفهم معنى كأس العالم بالنسبة لهذه الشركة الرأسمالية الكبيرة نستمع إلى تعليق المتحدث باسمها على كأس العالم في فرنسا عام 1998: “كأس العالم بالنسبة لنا ليس وجهة بل حجر أساس. عندما يرحل السيرك عن باريس نحن سنبقى.”

أما الشركة المنافسة لها، نايكي، فقد تنحت عن دور الراعي الرسمي للمونديال بعد نجاحها في عقد اتفاقات بيزنيس مع الفرق القومية لإيطاليا وهولندا ونيجيريا وكوريا الجنوبية والبرازيل. اتفاقية البرازيل بالذات، والتي قدرت بـ400 مليون دولار، أثارت الكثير من اللغط. فقد أعطت تلك الصفقة لشركة نايكي حقوقا غير مسبوقة على كرة القدم بالبرازيل. فهي تفرض على الفريق الوطني لعب خمس مباريات سنويا باسم الشركة، مع احتكارها لحقوق الإعلان والترويج وكذلك حقوق البث التلفزيوني.

إذن، فقد استغلت الشركات الرأسمالية شعبية كرة القدم للسيطرة على اللعبة ولابتكار دورات تنافسية يمكنها أن تمثل ساحات لتحقيق الأرباح الطائلة. في هذا السياق يمكننا أن نعتبر الشعار الرسمي لمونديال 2006 – وقت لكسب الأصدقاء – متناقضا إلى أبعد حد. من هم هؤلاء الأصدقاء الذين سيكسبهم اللاعبون أو المشجعون في حين أن أساس “الإثارة” التي يمثلها المونديال هو التوحد مع أحد الفرق وإطلاق شحنات غضب رهيب تجاه لاعبي الفرق المضادة ومشجعيهم؟

القوة المحركة للأداء الرياضي في عصر الرأسمالية هي المنافسة. فالرياضة اليوم تتضمن مستوى رهيب من التحكم باللاعبين سواء جاء ذلك على أيدي الأطباء أو علماء النفس والكيمياء الحيوية أو المدربين. لقد أصبح مركز النشاط الرياضي ليس الترويح عن الشعوب أو تحسين صحتها وإنما صناعة الأبطال.

وفي هذا الأمر لم تعد صناعة الأبطال “حرفة” كما كانت في السابق، بل أصبحت “صناعة” متكاملة تتطلب معامل متخصصة ومراكز أبحاث ومعسكرات تدريب، الأمر الذي يجعل من الحديث عن الرياضة دون منافسة ضرب من الخيال. الأرقام القياسية التي يحاول الرياضيون كسرها على الدوام، هي مرآة التنافس بين القوى المهيمنة على صناعة الرياضة.

عداوة أم صداقة؟

أيضا، تقوم المباريات من نوع كأس العالم على تناقض مركزي آخر، وهو الطبيعة الوطنية للحدث الرياضي. يتضح هذا التناقض إذا ما نظرنا إلى تزايد عدد اللاعبين “الأجانب” بمعظم الأندية الرئيسية بالعالم! فلم يعد من الممكن لأي فريق الحفاظ على تفوقه دون الاستعانة بقدرات لاعبين من أصول أجنبية. ومع هذا، نجد أن هذا “الكوكتيل” من اللاعبين من أصول مختلفة يلعبون باسم قومية ما بغرض إثبات تفوقها على غيرها من القوميات أو الدول!

الرابطة العميقة بين الرياضة عموما، وكرة القدم خصوصا، والقومية واقع له جذور تاريخية. جذور المسألة تكمن في ارتباط انتشار اللعبة بصعود الإمبريالية البريطانية.

انتشرت كرة القدم في مختلف البلدان على أيدي المهندسين والجنود وأصحاب المصانع والمبشرين البريطانيين. لم تكتفي الإمبريالية بإخضاع السكان الأصليين لسلطتها فحسب، بل ربطت الشعوب الكادحة بطبقاتهم الحاكمة من خلال أفكار قومية وعنصرية كجزء لا يتجزأ من المشروع الإمبريالي. وبالتالي، ففي نفس الوقت الذي تعرفت فيه شعوب العالم على اللعبة الممتعة المسماة كرة القدم، كانت أيضا تتعرف على الروح القومية والتنافس الرأسمالي، فامتزجت الكرة بالقومية بالرأسمالية، حتى وصلنا إلى عهد الليبرالية الجديدة الذي تحولت فيه الرياضة إلى صناعة متكاملة تقوم – كغيرها من الصناعات الرأسمالية – على قانون الربح والتراكم.

تعد الرياضة بالنسبة للغالبية العظمى من الناس مصدرا للسعادة والمتعة. فهي تساعد البعض على الهروب من مشاكلهم اليومية المرتبطة بالفقر والإنهاك في سوق العمل، بينما توفر للبعض الآخر مصدر لـ”الكرامة” القومية من خلال الارتباط بلاعب ناجح أو فريق أو دولة.

لكن تظل الحقيقة في عصرنا الراهن أن كأس العالم سينتهي والملايين التي صُرفت عليه سيجني ثمارها شركات الإعلام ورعاة الحدث والفنادق والمطاعم.