بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اقتصاد

الانقطاع المستمر للكهرباء:

منوّرة يا نهضة

“الرئيس يكلف الحكومة بحل أزمة الكهرباء”، هكذا كان عنوان جريدة الأهرام أكبر الصحف القومية التصاقاً بالسلطة على مر العصور، العنوان الذي يعبر عن عقلية السلطة الحاكمة في مصر سواء قبل الثورة أو بعدها، فيمكن أن تستبدل مكان الرئيس بكلمة “مبارك” والحكومة بـ “نظيف”، إلا أنه ما كان قبل الثورة تكرر بعدها، وتبدلت الأسماء بمرسي وقنديل واستمرت السياسات. رئيس الدولة يجتمع مع رئيس مجلس الوزراء ليكلفه بالدور الذي من المفترض أنه جاء لأجله دون أن يعيد تكليفه أحد أو يذكره بما يجب أن يفعله، ولكن هي نفس العقلية التي تحكم الدولة المصرية منذ عقود طويلة.

ورغم أن أزمة الكهرباء متجذرة منذ زمن ولا تتحمل السلطة الحالية أسبابها إلا أنها فشلت بجدارة في التعامل معها ولجأت إلى الحل السهل بترشيد الاستهلاك وتخفيف الأحمال على من يدفعون فاتورة استهلاك كهرباء مضاف إليها فاتورة مالكي أجهزة التكييف والمصانع الكبيرة كثيفة الاستهلاك للطاقة.

وزير الكهرباء أحمد إمام قال إن وزارته ستعتمد على القطاع الخاص في تنفيذ مشروعات الكهرباء باستثمارات تتجاوز 50 مليار جنيه من شأنها أن توفر نحو 13 ألف ميجاوات على مدى السنوات الخمس المقبلة، مضيفاً أن الوزارة ستطرح على المستثمرين محطتين سعة الواحدة نحو 5500 ميجاوات خلال الشهر الجارى بعدما طرحت محطة في أواخر مايو، وأن استثمارات تلك المحطات ستبلغ 7.5 مليار دولار. إمام أكد أن استثمارات الوزارة 43 مليار جنيه خلال ثلاث سنوات، وفي السنوات المقبلة ستعتمد على القطاع الخاص بطرح ثلاث محطات كبرى طاقة، كل واحدة منها نحو 5500 ميجاوات، عن طريق شراء الطاقة من المستثمرين وإعادة بيعها للمواطن، وقال أن الوزارة لن تستثمر ولكن “سنشتري منهم الطاقة ونبيعها”.

وزير الكهرباء حدد أزمة الكهرباء في أن هناك ثلاث محطات إحداها في بنها بسعة 750 ميجاوات، وأخرى في شمال الجيزة 2250 ميجاوات، والثالثة في العين السخنة بطاقة 1650 ميجاوات، كان من المفترض أن تدخل الخدمة هذا العام لكنها ستتأخر بعض الشيء نتيجة لمشاكل التمويل. وتابع الوزير أنه كان من المفترض إضافة 2800 ميجاوات لشبكة الكهرباء دخل منها 1300 ميجاوات فقط من محطة أبوقير لكن لدينا مشاكل في محطتي بنها وشمال الجيزة ووصف المشكلة بأنها ليست في المحطات وإنما في ربط المحطة بالشبكة لمشاكل من بينها الانفلات الأمني ومشاكل تتعلق بالعمال. وفى النهاية اتهم الوزير مناخ البلاد بالتسبب في أزمة الكهرباء حيث أصبحت درجات الحرارة تصل إلى 43 درجة مئوية وهو ما يؤثر بشدة على الاستهلاك مع ارتفاع الفاقد في التيار بين 10.5 و11% مقارنة مع 5.5 -6.0% قبل الثورة.

الحكومة التي أعلنت في وقت سابق أنها ستزيد إمدادات الوقود إلى محطات الكهرباء للتصدي لمشكلة الانقطاع المتكرر للكهرباء واجهت ضائقة مالية وصعوبة بالغة في استيراد ما يكفي من الوقود حيث اعتمدت 200 مليون دولار لتمويل شراء منتجات بترولية إضافية من بين 525 مليون دولار اعتمادات مقررة لحل الازمة رغم أنه تمت زيادة مخصصات رئاسة الجمهورية ووزارتي الدفاع والدخلية في الموازنة الجديدة للدولة.

وأعلنت الحكومة صراحة أنه يتعين على المواطنين المشاركة بفاعلية في ترشيد الاستهلاك للتغلب على أزمة الكهرباء، وقال وزير الكهرباء إن الاستجابة الشعبية لم تكن بالصورة التي كنا نأملها.

وتتنامى مشاعر السخط بين المصريين بسبب الانقطاع المتكرر للكهرباء، وبينما تعاني العديد من المستشفيات من انقطاع الكهرباء على قطاعات حساسة مثل الحضانات وغرف العنايا المركزة، ويعاني الآلاف من الطلاب من انقطاع الكهرباء في فترة امتحاناتهم وتتضرر بعض الأعمال من الانقطاع المتكرر، وبالطبع تحميل هذه الخسائر على العمال وتسريح بعضهم، يطالب الوزير الشعب بترشيد استهلاك كهرباء لايحصلون عليها! وهو ما أدى إلى ظهور دعوات إلى التمرد وعدم سداد فواتير الكهرباء منها حملة “أنا مش حدفع فاتورة الكهرباء”، و”معا ضد مهزلة انقطاع الكهرباء في مصر” على موقع فيس بوك.وتعليقا على ذلك، وصف الوزير الدعوات بعدم سداد الفواتير “بالأمر غير المسئول” إذ أن الوزارة لديها أيضاً التزامات مثل تكلفة الوقود وأجور العاملين وغيرها.

مشكله الكهرباء في مصر لها أبعاد مختلفة منها النمو السنوي في استهلاك الكهرباء نتيجه للزيادة السكانية والأنشطة الصناعية والتجارية دون تخطيط لتوفير الكهرباء اللازمة لتغطية هذه الزيادة بجانب انخفاض كفاءة محطات توليد الكهرباء بسبب الفساد المستشرى في الوزارة ما آثر سلباً على أعمال صيانة المحطات والشبكات والمحولات وعدم تخطيط الدولة لكميات الاستهلاك المتوقعة من الكهرباء وخطة التغطية
.
ومع ذلك فإن سياسة الدولة في توفير الطاقة تعكس تحيزاً كبيراً للمدن على حساب الريف حيث يبلغ نصيب الفرد من الطاقة في الريف حوالى 70 كيلووات سنوياً في حين يبلغ نصيبه على المستوى القومى حوالى 600 كيلووات، وإذا كان الريف أكثر تخلفا من المدينة فإن مثل هذه السياسات المتحيزة تكرس تخلفه أكثر وتتضح صورة التحيز لصالح مستهلكى المدن بشكل أدق رغم أن الصناعة والزراعة تستهلك 60% من استهلاك الطاقة في مصر أى ما يعادل 156 مليار كيلووات ساعة سنوياً، وتبقى من إجمالى استهلاك مصر من الطاقة حوالى 10.4 مليار كيلووات ساعة سنوياً تستهلك في المنازل والمتاجر.

جابر دسوقى رئيس الشركة القابضة لكهرباء مصر قال إن العجز في قدرات توليد الكهرباء يتراوح بين 3000 إلى 4000 ميجا وات، وأرجع سبب هذا العجز إلى عدة أسباب منها عدم تنفيذ برامج الصيانة المطلوبة للوحدات البخارية وتشغيل بعض الوحدات البخارية لفترات طويلة بمازوت غير مطابق للمواصفات وهى أسباب تتحمل الدولة مسئوليتها بالكامل ولا يجب أن يدفع ثمنها المواطن الذى يتحمل اعباء فاتورة الكهرباء المرتفعة. وأضاف أن معدل نمو الحمل الأقصى عام 2012 زاد بنسبة 10.3 % مقارنة بنفس الفترة عن العام الماضى 2011، متخطيا معدل نمو الحمل الأقصى خلال الأعوام الخمسة الماضية والذى كان يتراوح بين 4.3% إلى 8%، مما اضطر الشركة إلى فصل الكهرباء عن العديد من المناطق.

رئيس الشركة أوضح أن هناك خطة لوزارة الكهرباء لتخفيف حدة انقطاع الكهرباء في نهاية سبتمبر المقبل تشمل إجراء صيانات خفيفة لبعض وحدات التوليد خلال عطلة عيد الفطر التى تخنفض فيها الأحمال والتى من شأنها استعادة حوالى 250 ميجا وات، بالإضافة إلى ذلك إضافة 650 ميجا وات من محطة توليد كهرباء أبو قيروتشغيل محطة دمياط بالسولار لتخفيف الضغط على الغاز الطبيعى وتوفيره لمحطات أخرى، وأوضح التقرير أن نسبة العجز ستنخفض خلال نهاية شهر سبتمبر من 15% إلى 5%.

وتوقع أن تصل نسبة العجز في صيف عام 2013 إلى 3250 ميجا وات، مشيراً إلى أن مواجهة هذا العجز يتطلب تدبير استثمارات بحوالى 17.5 مليار دولار ستتحمل معظمها الشركة القابضة للكهرباء والشركات التابعة لها، بالإضافة إلى تدبير الاحتياجات من الغاز الطبيعي.

مازال النظام يأبى المساس بأي من مصالح رجال الأعمال في دعم الكهرباء والطاقة، ومازال غير قادر على محاربة الفساد واقتلاع جذوره في الوزارة، ومازال يجور على الأفقر دائماً حتى في ترشيد الاستهلاك، وها هي أزمة الكهرباء معاناة جديدة تُضاف إلى معاناه البيت المصري. ويبقى فشل تعامل نظام مرسي مع الأزمة دليل آخر على أن استمرار النظام في تبني نفس السياسات لن يستطيع حل الأزمة ولا تحقيق أبسط احتياجات الجماهير.