بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مطالبنا للحد الأدنى الجديد للأجر ولنظام الأجور وآليات تمويله

يشكل نظام الأجور الآلية الرئيسية لتقسيم فائض القيمة أو القيمة المضافة الناتجة عن العملية الإنتاجية، بين العاملين وأرباب العمل سواء كانوا من القطاع العام أو القطاع الخاص، وهو بالتالي آلية رئيسية لتحقيق العدالة في توزيع الدخول، إلى جانب الآليات الأخري مثل الضرائب ودعم الخدمات العامة والدعم السلعي والتحويلات. وفي أكثر الاقتصادات الرأسمالية تحررا تبقى الدولة محتفظة ببعض الأدوار المرتبطة بالسلام الاجتماعي والحد الأدنى من اعتبارات العدالة الاجتماعية الحافظة لاستقرار النظام الرأسمالي نفسه، وفي مقدمة هذه الأدوار، وضع حد أدنى للأجور لكل العاملين في البلد سواء كانوا يعملون في القطاع الخاص، أو يعملون لدى الدولة في قطاعها العام وجهازها الحكومي وهيئاتها الاقتصادية والذين تكون الدولة بمثابة رب العمل بالنسبة لهم. بل إن الدولة تشارك عادة من منطلق مسئوليتها الاجتماعية، في المفاوضات التي تدور بين ممثلي العمال وأرباب العمل بشأن نسبة الزيادة السنوية في الأجر حتى لقدامى العاملين، بالذات عندما تتعثر المفاوضات بين الطرفين.

وقد جاء حكم القضاء المصري العظيم (محكمة القضاء الإداري)، بإلزام الحكومة بوضع حد أدنى جديد للأجر، بمثابة انتصار تاريخي لقيم العدالة والحق وللاعتبارات الاقتصادية التي تشير إلى أن وجود نظام عادل للأجور يؤدي إلى حفز العاملين على العمل والابتكار والإلتزام بقواعد ولوائح العمل والقبول بآليات الثواب والعقاب فيها عن طيب خاطر، فضلا عن أن تحسين توزيع الدخل من خلال نظام الأجور، يؤدي إلى زيادة حصة من يعملون بأجر وهم الفقراء والطبقة الوسطى في الدخل، ليتحول جزء كبير من تلك الحصة الدخلية إلى طلب فعال على السلع والخدمات، يحفز المسثمرين من القطاع الخاص ويحفز الدولة على بناء مشروعات جديدة تلبي هذا الطلب على السلع والخدمات، وتلك المشروعات تقوم بتشغيل عاملين جدد وتوزع عليهم دخول في صورة أجور وما في حكمها، لتتحول مرة أخرى إلى طلب فعال يحفز تأسيس مشروعات جديدة، وهو ما يطلق عليه مضاعف الاستثمار الذي يعد أحد العوامل الأساسية التي تنهض عليها أي دورة للنمو الاقتصادي السريع والمتواصل.

وهذا الحكم التاريخي هو أيضا إنتصار تاريخي لكل من يعملون بأجر ويصنعون الحياة والتقدم في مصرنا العظيمة، أو لقوة العمل المصرية بمختلف مستوياتها المهارية، وهو انتصار لكل من سعوا إلى هذا الهدف بصورة حقوقية وعلمية وسلمية.

وتزداد اهمية هذا الحكم التاريخي الذي يستحق من أصدروه من قضاة مصر العظيم كل التقدير على انتصارهم للقانون وللحق والعدل في مناخ حكومي معاكس لهذه القيم النبيلة. ومن ضمن حيثيات هذا الحكم العظيم، أن مواد الدستور تنص على أن العمل حق وواجب وتنادي بربط الأجر بالإنتاج وضمان حد أدنى للأجور ووضع حد أعلى يكفل تقريب الفروق بين الدخول، وأكد على حق العمال في أجر عادل يضمن حياة كريمة للعامل ولأسرته التي يعولها.

وبعد هذا الحكم التاريخي أصبح لزاما على الدولة أن تتخلى عن العناد ضد مواطنيها وضد قيم الحق والعدل، وعليها أن تنتصر للاعتبارات الحقوقية والاقتصادية وتبادر إلى وضع حد أدنى جديد للأجر له علاقة بتكاليف الحياة، وبالقيمة الحقيقية للأجور في فترات سابقة، وبالتطور الذي حدث في إنتاجية قوة العمل دون أن يواكبه تطور مواز في الأجور، لأن العاملين في الدولة وقطاعها العام وهيئاتها الاقتصادية بعد ان تسلحوا بالمعرفة بشان التدهور غير المنطقي وغير الأخلاقي في أجورهم، وتسلحوا أيضا بحكم قضائي نزيه، لن يتراجعوا حتى يتم إقرار حد أدنى جديد للأجر يتسم بالعدالة ويرتبط بالتطور الكبير الذي حدث في إنتاجية العامل. وبدلا من فتح الباب أمام التوتر والصدام بشان هذه القضية، فإن الحكماء في الدولة لابد أن يدخلوا في مفاوضات عاقلة وموضوعية مع ممثلي العمال الحقيقيين ومنظمات المجتمع المدني التي تبنت هذه القضية، ومع الخبراء من كل الاتجاهات السياسية لوضع حد أدنى جديد للأجر بشكل سريع. وقبل عرض أية أفكار بشأن الحد الأدنى للأجر في إطار النظام المتكامل للأجور الذي نطالب به، فإننا سنتعرض أولا لنظام الأجور الراهن الذي يشكل آلية للظلم الاجتماعي ولإفقار العاملين ولنشر الفساد والإفساد.

أولا: نظام الأجور الحالي..آلية للفساد والإفساد في أي نظرة لتطور الأجور لابد من التفريق بين الأجر الإسمي وهو عدد أوراق النقد التي يتلقاها الموظف أو العامل في نهاية كل شهر، وبين الأجر الحقيقي المتمثل في القدرة الشرائية لهذا الأجر الإسمي، أي قدرته على شراء السلع والخدمات. والتغير الذي يحدث في الأجر الحقيقي هو المهم لأنه هو الذي يحدد هل يرتفع مستوى معيشة العامل أو الحد الأدنى للأجر الحقيقي أم لا.

وقد حاولت الحكومات المتعاقبة في غالبية البلدان التي لا تتوفر فيها نظم عادلة للأجور أن تصرف الإنتباه للتغير في الأجور الإسمية مدعية أنها ترفع قيمة تلك الأجور، بينما يشعر العاملين وأسرهم أن أجورهم الحقيقية تتراجع، حيث تنخفض مستويات معيشتهم نتيجة ارتفاع أسعار السلع والخدمات بصورة تلتهم وتتجاوز أي زيادة في الأجور الإسمية.

ولذا فإن العاملين في مصر من جهة، والدولة وأرباب العمل من جهة أخرى، عليهم أن ينظروا إلى التطور في الأجر الحقيقي أي القدرة الشرائية للأجر، كمقياس حقيقي وموضوعي لتطور أو تدهور الأجور. وإذا تم ذلك سيكون التفاوض بشأن تغيير الحد الأدنى للأجر ونظام الأجور بأسره، أكثر يسرا وموضوعية.

وإذا نظرنا إلى تطور الحد الأدنى للأجر الإسمي والحقيقي سنجد أنه في عام 1952 وبعد الانقلاب الثوري الذي تحول لثورة اجتماعية شاملة بعد ذلك، تم وضع حد أدنى للأجر 18 قرشا في اليوم، وكانت تشتري نحو 1.5 كيلوجرام من اللحم في الريف ونحو 1.2 كيلوجرام من اللحم في المدن، وبفرض أن العامل يعمل 25 يوما في الشهر، فإن الأجر الشهري الحقيقي للعامل في عام 1952 يعادل في المتوسط، نحو 34 كيلوجرام من اللحم أي نحو 1700 جنيها من جنيهات الوقت الراهن إذا قيس بسلعة واحدة هي اللحم على سبيل التجريد.

وقد ارتفع الحد الأدنى للأجر الأساسي الإسمي للعامل في القانون 47، 48 لسنة 1978، إلى 16 جنيها (دون إضافة ما في حكم الأجر من حوافز وعمولات وبدلات ومكافآت وأرباح) وكانت تشتري في ذلك الحين 320 كيلوجرام من الأرز (ثمن الكيلو 5 قروش) ثمنها حاليا 1000 جنيه، ولو أخذنا بالحد الأدنى للأجر الشامل، فإنه كان نحو 22 جنيها كانت تشتري نحو 440 كيلو أرز ثمنها نحو 1320 جنيها. كما كان ذلك الأجر الأساسي للعامل يشتري نحو 18 كيلوجرام من اللحم البلدي ثمنها حاليا نحو 900 جنيها، أما الأجر الشامل فكان يشتري نحو 24 كيلوجرام من اللحم البلدي تساوي نحو 1200 جنيه حاليا، أو ملابس لا تقل قيمتها عن 2000 جنيه، أو كمية من الذهب لا تقل قيمتها عن 2500 جنيه حاليا.

ولو أخذنا قيمة وسيطة للقدرة الشرائية للأجر الأساسي عام 1978، فإنها ستبلغ نحو 1500 جنيه من جنيهات الوقت الراهن على الأقل، أما القدرة الشرائية للحد الأدنى للأجر الشامل في عام 1978 فإنها توازي أكثر من 1900 جنيه من جنيهات الوقت الحالي.

ولو نظرنا لتطور مرتب خريج الجامعة لدى بداية عمله في الجهاز الحكومي، سنجد أن هذا الراتب ارتفع من 17 جنيها شهريا في بداية سبعينات القرن العشرين، إلى نحو 28 جنيها شهريا عام 1978، إلى نحو 200 جنيه شهريا في الوقت الحالي وفقا للتصريحات الرسمية.

ولو أخذنا سلع مثل اللحوم والأرز والذهب كنوع من التجريد لقياس القدرة الشرائية للأجر أي الأجر الحقيقي، سنجد أن مرتب خريج الجامعة عند بداية تعيينه عام 1970 كان يشتري 68 كيلو جراما من اللحم في الريف (تساوي 3400 جنيه حاليا)، أو نحو 50 كيلوجراما في الحضر (تساوي حاليا نحو 2500 جنيه)، وكان يشتري نحو 45 جراما من الذهب قيمتها الحالية قرابة ثمانية آلاف جنيه، وكان يشتري نحو 425 كيلوجراما من الأرز قيمتها الحالية نحو 1275 جنيه.

وفي عام 1978 بلغ الحد الأدنى للراتب الشامل لخريج الجامعة الذي يعمل في الجهاز الحكومي أكثر من 28 جنيها، وكان يشتري 35 كيلوجرام من اللحم، أو 560 كيلوجرام من الأرز، ثم أصبح الآن يبلغ 200 جنيه شهريا، تشتري 4 (أربعة) كيلوجرامات من اللحم، أو نحو 65 كيلوجرام من الأرز، ولا تشتري أكثر من 5% مما كان من الممكن أن يشتريه الحد الأدنى لراتب خريج الجامعة عام 1978 من الذهب. وهذا يعني بوضوح أن الدخل الحقيقي لخريجي الجامعة العاملين في الجهاز الحكومي تعرض للانهيار ودفع بغالبيتهم إلى هوة الفقر إذا لم تكن لهم مصادر أخرى للدخل مشروعة أو غير مشروعة، وإذا لم يسافروا للعمل في الخارج لفترات في حياتهم في ظل نظم أشبه بالعبودية المؤقتة تتعامل بها الدول العربية المستقبلة للعمالة مع العاملين العرب لديها في ظل نظام “الكفيل” المعمول به في بلدان الخليج (باستثناء البحرين مؤخرا) والسيئ السمعة دوليا وعربيا.

وعلى الصعيد الميداني وبدراسة حالة عدد من الموظفين وتطور القدرة الشرائية لرواتبهم وجد أن القدرات الشرائية لرواتبهم تنهار رغم زيادتها الإسمية. وعلى سبيل المثال تم تعيين أحد خريجي الجامعة في إحدى الوزارات عام 1977 براتب شامل بلغ 28 جنيها، كانت تشتري نحو 35 كيلوجرام من اللحم في ذلك العام، أو 560 كيلوجرام من الأرز. وحصل هذا الموظف على تقارير امتياز بلا انقطاع، ثم أصبح مديرا عاما، ثم مدير إدارة وأصبح راتبه الشامل نحو 900 جنيه في عام 2010، وهي تشتري نحو 18 كيلوجرام من اللحم، أو نحو 300 كيلوجرام من الأرز. أي أن راتبه الحقيقي بعد ثلاثين عاما من العمل والكد وخدمة الدولة والمجتمع، قد انهار وأصبح قرابة نصف راتبه الحقيقي عند بداية تعيينه، وهو أمر أسطوري في عبثيته في بلد يرتفع فيه الناتج ومتوسط نصيب الفرد منه، لكن توزيع الدخل فيه يسوء بشكل مطرد بسبب النظم المختلفة لتوزيع الدخل وإعادة توزيعه وعلى رأسها نظام الأجور.

والسبب الواضح لهذا التدهور في الرواتب والأجور الحقيقية، هو ارتفاع أسعار السلع والخدمات بمعدلات أعلى كثيرا من معدلات ارتفاع الرواتب والأجور، فضلا عن أن نسبة ارتفاع الأجور هي نسبة من الأجر الأساسي الذي لا تشكل مخصصاته سوى أقل من 20% من مخصصات الأجور وما في حكمها للعاملين في الدولة، بينما تطبق ارتفاعات الأسعار على مجمل استهلاك العامل وأسرته من السلع والخدمات. والحقيقة أن تدهور الأجور الحقيقية للعاملين هو نتيجة مرة لغياب سياسة أجور علمية وعملية وأخلاقية في مصر منذ تخلي الدولة عن سياسة تسعير السلع بعد أن اتجهت إلى تحرير الاقتصاد، دون أن يترافق مع هذا التحرير، سياسة أجور مماثلة لتلك التي تعمل بها الاقتصادات الحرة، تقوم على زيادة سنوية في الحد الأدنى للأجر للعاملين الجدد بنسبة تزيد على معدل التضخم الحقيقي، مع زيادة أجور العاملين القدامى بنسبة مركبة تعادل معدل التضخم الحقيقي مضافاً إليه نسبة أخرى كمقابل للخبرة والأقدمية، ونسبة خاصة للمتميزين فعليا كمقابل للتميز والابتكار في العمل.

وتجدر الإشارة إلى أن غالبية الحكومات في البلدان النامية وضمنها مصر تعمد إلى تقليل معدل ارتفاع أسعار المستهلكين المعلن (مؤشر معدل التضخم) من خلال التدخل غير العلمي في السلة السلعية والخدمية التي يحتسب على أساسها هذا المعدل. وهذا التقليل المتعمد لمعدل التضخم، يؤدي إلى تفاقم تدهور الرواتب والأجور الحقيقية، لأنه يقدم صورة غير حقيقية عن حركة الأسعار، بحيث تبدو الحركة البطيئة للأجور والرواتب متناسبة معها بصورة زائفة.

وفضلا عن ضعف مخصصات الأجور، فإن توزيع الأجور وما في حكمها على العاملين في الدولة، يتسم بعدم عدالة مروع، فمقابل التدني الشديد للحد الأدنى للأجر والذي يبلغ 35 جنيها تم إقرارها عام 1984 ولم تزد قانونيا حتى الآن وترتفع إلى 112 جنيها لاعتبارات تأمينية ولضم بعض العلاوات، هناك قلة من القيادات الإدارية تحصل على دخول أسطورية من البدلات والعمولات والحوافز و”المصاريف” والأرباح والمكافآت وتصل بالدخول الرسمية الشاملة والامتيازات الخاصة لبعض القيادات الإدارية والأمنية والسياسية إلى مئات الآلاف من الجنيهات شهريا، بل إن هناك البعض ممن دخلوا في الرواتب المليونية شهريا، علما بأن الرئيس الأمريكي وهو أكبر موظف عام في العالم يتلقى راتبا يبلغ نحو 180 ألف جنيه شهريا، وهو ما يجعله فقيرا بالمقارنة مع بعض القيادات الإدارية والسياسية والأمنية في مصر. ولا توجد عمليا، أية علاقة بين أقصى دخل وأقل دخل شامل في الجهاز الحكومي والقطاع العام والهيئات الاقتصادية، رغم أن كل نظم الأجور المحترمة تقيم مثل هذه العلاقة كأن يكون أعلى أجر شامل (الأجر الشامل هو الأجر الأساسي وما في حكم الأجر من بدلات وعمولات ومكافآت وحوافز وأرباح) لا يزيد عن 15 ضعف أقل أجر شامل. ولو طبقت الدولة مثل هذه القاعدة فإنها يمكن أن تصلح نظام الرواتب دون إضافة الكثير من الاعتمادات لمخصصات الأجور في الموازنة العامة للدولة. وهذا الأمر مرتبط بشكل وثيق بروح الدستور الذي ينص على وضع حد أدنى للأجور ووضع حد اعلى لها بما يكفل تقريب الفروق بين الدخول.

أما الأمر الأسطوري حقا في عبثيته فهو وجود تفاوت مروع بين أجور الذين يقومون بعمل واحد بنفس الكفاءة ويحملون مؤهلاً علمياً واحداً وسنوات خبرة واحدة، وفقا للوزارة أو الجهة التي يعملون بها، فالأجر الشامل للمحاسب في وزارة الضمان الاجتماعي، يقل كثيرا عن نظيره في وزارة المالية، ويقل عن عشر نظيره في الهيئة العامة للبترول أو في هيئة قناة السويس وغيرها من المؤسسات. ويبدو الأمر “طريفاً” إلى حد بعيد، فالعاملين بالدولة الذين تمر من أمامهم أموال كثيرة، يحصلون على حصة منها، ليس مقابل عمل متميز عن نظرائهم في الوزارات الأخرى، ولكن لأنهم وُجدوا في هذا المكان الذي تمر خلاله الأموال، وليس هناك ما هو أعجب من هذا “المنطق” الخالي من أي منطق، والذي ينتج الفروق والاحتقانات حتى داخل المؤسسة الواحدة بين الإدارات التي يتم من خلالها تحصيل إيرادات المؤسسة مثل قطاع الإعلانات في الصحف الذي يحصل على حصة الأسد من مخصصات الأجور وما في حكمها، وبين الصحفيين الصانعين الأصليين للصحيفة وتوزيعها والذين هم السبب الرئيسي لحصولها على الجانب الأعظم من الإعلانات التي ترد إليها بصورة مرتبطة مع عدد قرائها، ورغم ذلك يحصلون على حصة محدودة من مخصصات الأجور وما في حكمها.

وينبغي أن يكون واضحا أن الأموال التي تدخل كإيرادات في قطاع البترول أو قناة السويس أو الضرائب، هي مال عام ناتج عن حقوق عامة في الموارد الطبيعية من نفط أو غاز، وفي الإيرادات السيادية وفي إيرادات المشروعات العامة القديمة مثل قناة السويس، وليست ملكا لتلك الجهة تنفق منه رواتب وحوافز وأرباح وبدلات كيفما شاءت، وتنشيء فرق لكرة القدم وتشتري لاعبين مصريين وأجانب بملايين الجنيهات من الأموال العامة المستحقة للشعب، بلا أي مبرر سوى استكمال الوجاهة وفتح باب للتربح من هذه الأنشطة غير الضرورية وغير المفيدة للأمة. وينبغي أن تكون الأجور في تلك الهيئات مماثلة للأجور التي تدفع للقائمين بنفس الوظائف في مختلف أجهزة الدولة.

وإذا كان لمصر أن تصلح نظام الأجور للعاملين في الدولة لجعله محفزا للعاملين على العمل والكد والإخلاص والابتكار، فإن الأمر يتطلب ببساطة، وضع حد أدنى جديد للأجر يرتبط بتكاليف المعيشة، وهو الحد الذي وصلت المناقشات الأولية بشأنه في المجلس القومي للأجور إلى تحديد مبلغ 400 جنيه كحد أدنى للأجر الشهري، بينما طالب اتحاد العمال بحد أدنى يبلغ 600 جنيه في الشهر، وذلك في عام 2007. ومع تسجيل معدل تضخم بلغ 20.2% في العام المالي 2007/2008، وتسجيل معدل بلغ نحو 9.9% في العام المالي 2008/2009، وفقا للبيانات الحكومية المصرية، فإن الحد الأدنى للأجر وفقا لحسابات المجلس القومي للأجور، يجب أن يكون في العام الحالي نحو 530 جنيها، وأن يكون نحو 800 جنيه وفقا لحسابات اتحاد العمال.

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة تشكو دائما عدم وجود موارد لتمويل تغيير نظام الأجور الفاسد القائم حاليا، لأن رفع الحد الأدنى للأجر سيؤدي لإشعال التضخم. وهذا المبرر غير علمي وغير منطقي لأن الحد الأدنى للأجر يرتبط بعدة أمور، ليس من بينها الهلع من حدوث تضخم الذي يعكس حالة من تدنى الكفاءة من جهة، وتغليف التوجه الأيديولوجي المتشدد المنحاز للطبقة الرأسمالية الذي يريد ان يسهل لها استغلال العمال ذوي الياقات الزرقاء وذوي الياقات البيضاء بأقل الأجور من جهة اخرى.

وتتركز العوامل المحددة للحد الأدنى للأجر في التكاليف الضرورية لإعاشة العامل والمتمثلة في تكاليف المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمواصلات والاتصالات وتدبير نفقات الزواج وغيرها من النفقات، أو ضرورات إعادة إنتاج عنصر العمل. ورغم أن إنتاجية العامل تتحدد بصورة أساسية بناء على مدى تطور الآلات التي يعمل عليها والنظام الإداري الذي يعمل في إطاره، إلا أن إنتاجية العامل، تشكل بدورها أحد العوامل المساعدة في تحديد الحد الأدنى للأجر باعتبار أن هذا الأجر هو الحصة التي يحصل عليها العامل من القيمة المضافة أو فائض القيمة الذي خلقه والذي يتفق الاقتصاديون المؤسسون لعلم الاقتصاد مثل ماركس وريكاردو على أنه يعود لعنصر العمل رغم اختلاف التوجه الأيديولوجي لهما، فالأول هو مؤسس النظرية الماركسية، والثاني هو أحد أعظم منظري الاقتصاد الرأسمالي وهو أحد الآباء المؤسسين لعلم الاقتصاد، لكنهما يتفقان في هذا الشأن.

ولأن شعب مصر كله يحلم برفع الظلم الذي ينطوي عليه نظام الأجور، وبناء نظام جديد قائم على أسس علمية وموضوعية ويتمتع بحد أدنى من الاعتبارات الأخلاقية، فإننا سنطرح تصورنا لكيفية رفع الأجور دون حدوث التضخم الذي تخيف به الحكومة ووزير ماليتها، المجتمع والنخبة الثقافية والسياسية وتعرقل أي مسعى لتغيير نظام الأجور الراهن الفاسد كلية والذي يقوم على حد أدنى للأجر لا يكفي لإطعام قطة ولا علاقة له بتكاليف المعيشة أو بإنتاجية العامل، والمفسد لأنه يضطر العاملين إلى استكمال ضرورات حياتهم من خلال التكاسل في العمل لتوفير الجهد والقيام بأعمال أخرى في القطاع الخاص الرسمي وغير الرسمي، أو يزين لمن لهم علاقة مباشرة مع الجمهور أن يحصلوا على رشاوى صغيرة للقيام بالأعمال العادية التي هي حق لذلك الجمهور، أو يدفع اليعض للتحايل بكل السبل لنهب المال العام بمستويات صغيرة أو متوسطة أو كبيرة، أو يدفع البعض للخروج للعمل في الخارج في ظل نظم غير أخلاقية مثل نظام الكفيل في بلدان الخليج، أو يلقي بمن لا يقومون بأي من هذه الأمور في هوة الفقر والانسحاق والاكتئاب هم وأسرهم إذا لم يكن لديهم إرث أو مصدر آخر للدخل.

لكن قبل طرح هذه الآليات لابد من التأكيد على أن أي تغيير في نظام الأجور الراهن، نحو نظام أكثر عدالة وعقلانية، لابد أن يترافق مع إحداث ثورة في أداء الجهاز الحكومي الراهن وفي تطبيق آليات الثواب والعقاب فيه بصورة صارمة وفي مراقبة أدائه للخدمات للمواطنين لضمان الجودة والسرعة في أداء تلك الخدمات، ولضمان التزام العاملين فيه بأوقات العمل وبعدم استخدامها إطلاقا في أي شيء آخر. ويمكن استحداث نظام يوجد نظير له في الكثير من البلدان، وهو إعطاء ساعة راحة لكل العاملين لتناول الطعام والمشروبات والصلاة، مع إضافة ساعة لوقت العمل الذي ينبغي أن ُيحترم وُيكرس للعمل فقط، لأن النظام الحالي وهو إهدار اكثر من ساعة من وقت العمل في هذه الأمور، هو أمر مرتبط بالترهل الإداري وبسلوكيات التهرب غير الأخلاقي من القيام بالعمل دون الاهتمام بما يؤدي إليه ذلك من تعطيل مصالح المواطنين. كما أن موظفي الجهاز الحكومي لابد أن يمروا بتدريب تحويلي لإعادة هيكلة هذا الجهاز الذي يتضمن مستويات كبيرة من البطالة المقنعة التي ستتزايد بصورة مروعة لدى أي تحديث تقني له، بما يتطلب وقف أي زيادة في تعداد هذا الجهاز من جهة، وتحويل جزء من العاملين فيه إلى قطاعات عامة اخرى كلما كان ذلك ممكنا.

ثانيا: الناتج المحلي ونصيب الفرد منه وإنتاجية العامل في مصر قبل تناول الحد الأدنى للأجر الذي نقترحه كمطلب متواضع للغاية ويقل في قيمته الحقيقية عن الحد الأدنى للأجر الحقيقي في فترات سابقة، وقبل تناول نظام الأجور في مجمله وكيفية تمويل تطويره، لابد من الإشارة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي المصري، بلغ وفقا لبيانات البنك المركزي المصري، نحو 1038.6 مليار جنيه في العام المالي 2008/ 2009، وبلغ عدد السكان نحو 80 مليون نسمة، بما يعني أن متوسط نصيب الفرد في مصر من هذا الناتج، قد بلغ نحو 12982 جنيها في السنة أي نحو 1082 جنيه شهريا للفرد، ويعني أيضا أن متوسط نصيب الأسرة المكونة من أربعة أفراد من الدخل قد بلغ 4328 جنيه شهريا. كما بلغ متوسط إنتاجية العامل في العام المالي نفسه، نحو 41711 جنيه (7584 دولار) في العام أو نحو 3276 جنيه شهريا، وهو ما يعني أن رفع الأجور المستهدف لن يتم من خلال الاستعانة بموارد إضافية في القطاع العام أو الخاص، بل بإعطاء العاملين حقوقهم في القيمة المضافة التي أنتجوها.

وكان متوسط أجر العامل في قطاع الصناعة التحويلية في مصر قد بلغ 2210 دولار في العام خلال الفترة من عام 1980 إلى عام 1984، في وقت كانت القيمة المضافة لكل عامل في تلك الصناعة، نحو 3691 دولار. (راجع: World Bank, World Development Indicators 2006, p. 66.). أي أن الأجر كان يوازي نحو 60% من إنتاجية العامل في الصناعة التحويلية. ووفقا لهذا المنهج في توزيع القيمة المضافة، فإن متوسط أجر العامل من المفترض أن يكون نحو 25 ألف جنيه في العام، في حين أن متوسط أجر العاملين في الجهاز الحكومي لا يزيد عن 16.6 ألف جنيه للفرد في السنة في مشروع الموازنة العامة للعام 2010/2011، فضلا عن الخلل الرهيب في توزيع تلك المخصصات بصورة تجعل الغالبية الساحقة أدنى من هذا المتوسط بكثير، وتجعل أقلية صغيرة تحصل على دخول عالية أو أسطورية لا يمكن تبريرها اقتصاديا أو حقوقيا أو أخلاقيا. وهذا التغير يعكس التدهور الشديد في عدالة توزيع الدخل بين العاملين وبين أرباب العمل بمن فيهم الدولة التي من المفترض أن تكون قدوة لمواطنيها وللقطاع الخاص فيما يتعلق بحقوق العاملين والحد الأدنى الأجر الذي من المفترض أن يحصلوا عليه وأن يكفي لحياة كريمة، وهو ما ينقلنا لطرح الحد الأدنى للأجر الذي نطالب به، وأيضا الملامح الأساسية لنظام الأجر العادل والمحفز للعمل والابتكار الذي نطالب به.

ثالثا: الحد الأدنى للأجر ونظام الأجور الذي يطالب العاملون بتطبيقه من الصعب الحديث عن تغيير الحد الأدنى للأجر، دون أن يكون ذلك في إطار تغيير شامل لنظام الأجور الفاسد والمُفسد كما أوضحنا من قبل، وفيما يلي مطلبنا بشأن تغيير الحد الأدنى للأجر ونظام الأجور برمته.

1- الحد الأدنى للأجر لابد أن يكون كافيا لتحقيق حياة كريمة للعامل من خلال قدرته على مواجهة احتياجاته من مأكل وملبس ومسكن وانتقالات وإنفاق صحي، وأن يتغير هذا الحد الأدنى تلقائيا كل عام بنفس نسبة معدل التضخم المعلن رسميا، حتى لا تتراجع قيمته الحقيقية أو قدرته على شراء السلع والخدمات. وأن تتم مراجعة الحد الأدني للأجر كل ثلاث سنوات لمعالجة الآثار المحتملة لارتفاع الأسعار بأكثر من معدلات التضخم المعلنة رسميا التي يتم رفع الحد الأدنى للأجور على أساسها سنويا.

وحتى يكفي الحد الأدنى للأجر الأساسي للعامل لحياة كريمة، فإنه ينبغي أن يكون في حدود 1200 جنيه شهريا في الوقت الحالي، علما بأن إيجار سكن متواضع يزيد على 300 جنيه شهريا (إيجار الشقة الصغيرة 63 متر في مساكن مبارك للشباب في المدن الجديدة يبدأ من 300 جنيه حاليا، أما امتلاكها بقسط يصل إلى 700 جنيه شهريا فإنه أمر بعيد المنال بالنسبة للعمال في ظل مستويات الدخول الراهنة)، ومأكل متقشف تزيد تكاليفه على 300 جنيه شهريا بواقع 10 جنيهات يوميا، وملبس يمكن تقدير تكاليفه بنحو 100 جنيه شهريا، وانتقالات تبلغ تكلفتها 200 جنيه شهريا، والباقي نثريات أو مدخرات صغيرة لتدبير متطلبات الزواج الذي من المنطقي أن يستعد له العامل بعد استلام عمله.

ومع تدرج راتب العامل وفقا لأقدميته فإنه يصبح بالكاد كافيا لإعالة أسرته بعد تكوينها في ظل معدل الإعالة البالغ 3.51 فرد لكل شخص يعمل، بدلا من الوضع الحالي الذي يعيش فيه العاملون الجدد ومن يعولونهم تحت خط الفقر المدقع (أقل من 1.25 دولار للفرد في اليوم). وقد أشرنا في موضع سابق للحد الأدنى للأجر وقدرته الشرائية في أوقات سابقة وكلها أعلى من المطلب الذي نتقدم به (1200 جنيه كحد أدنى للأجر)، والذي يشكل تدنيه نوعا من العقاب للذات لأننا كعاملين عموما من عمال ومهنيين قصرنا لزمن طويل في المطالبة بحقوقنا في أجر عادل وتركنا الحكومة وأرباب العمل يجورون على حقوقنا لوقت طويل، انتهى إلى غير رجعة في ظل إدراك وإيمان كل العاملين في مصر بحقهم في أجر عادل، وإيمان القضاء المصري العظيم كسلطة تعبر عن ضمير الأمة وروح الدستور والقانون بعدالة هذا المطلب. والمنطقي أن تتحسن مستويات المعيشة الحقيقية وقدرة الأجر على شراء السلع والخدمات.

لكن حتى لو قبلنا بثبات هذه القدرة عند مستواها عام 1978 أو حتى أقل منه، فإن هذا يتطلب زيادة الحد الأدنى للأجر الأساسي للعامل إلى مستوى 1200 جنيه شهريا على الأقل، علما بان متوسط إنتاجية العامل وفقا للبيانات الرسمية بلغ نحو 3276 جنيه شهريا كما أشرنا آنفا، ويمكن زيادتها كثيرا من خلال تطوير الإدارة والآلات والمعدات والأجهزة في الجهاز الحكومي والقطاع العام والهيئات الاقتصادية العامة وأيضا في القطاع الخاص.

2- يتم عمل تسوية لمرتبات العمال القدامى على أساس الحد الأدنى الجديد بزيادة 5% عن كل عام من الأقدمية بحد أقصى 50 جنيها سنويا. وتتم زيادة معاشات العمال المحالين للمعاش بنسبة موازية للنسبة التي ارتفعت بها الأجور، ويتم تمويل الزيادة من الموازنة العامة للدولة ضمن خطة شاملة لاستعادة فوائد أموال التأمينات من الحكومة بعد أن ظلت لسنوات طويلة لا تدفع عنها سوى فوائد ضئيلة للغاية نسبتها 2%، ثم 4%، ثم 6% في وقت كانت أسعار الفائدة تتراوح خلاله بين 12%، و 18%.

3- يرتفع الأجر الأساسي للعامل سنويا بنسبة 7% كمقابل للخبرة والأقدمية، يضاف إليها نسبة تعادل معدل التضخم المعلن رسميا، دون أن توضع أي حدود قصوى لقيمة الزيادة في الأجور الأساسية بناء على هذه النسب.

4- وضع سقف للدخول الشاملة (الأجر الأساسي مضافا إليه كل البدلات والعمولات والحوافز والأرباح والمكافآت) لكل العاملين والموظفين في القطاع العام والهيئات الاقتصادية والجهاز الحكومي، بحيث لا يتجاوز أعلى دخل شامل لأي مستوى وظيفي(خمسة عشر ضعفا) 15 ضعف الحد الأدنى للأجر الشامل للعامل في الدولة، وهو ما سيوفر الكثير من الأموال التي كانت تذهب بشكل غير عادل لفئة محدودة من القيادات العليا، بحيث يمكن استخدامها في إصلاح نظام الأجور عموما.

5- يكون الأجر الأساسي للعامل هو أساس دخله من العمل، ولا تزيد الدخول الإضافية من بدلات وحوافز وعمولات ومكافآت شهرية عن 100% من هذا الراتب الأساسي.

6- توحيد الأجور الأساسية في الجهاز الحكومي والهيئات الاقتصادية والقطاع العام وفقا للتوصيف الوظيفي، بدلا من التفاوت الرهيب وغير العادل في دخول العاملين في مهنة واحدة حسب الجهة الحكومية التي تقوم بتشغيلهم. وينبغي أن يكون واضحا أن الأموال التي تدخل كإيرادات في قطاع البترول أو قناة السويس أو الضرائب، هي مال عام ناتج عن حقوق عامة في الموارد الطبيعية من نفط أو غاز، وفي الإيرادات السيادية وفي إيرادات المشروعات العامة القديمة مثل قناة السويس، وليست ملكا لتلك الجهة تنفق منها رواتب وحوافز وأرباح وبدلات كيفما شاءت، بل ينبغي أن تكون الأجور فيها مماثلة أو قريبة من الأجور التي تدفع للقائمين بنفس الوظائف في مختلف أجهزة الدولة. ومن المؤكد أن توحيد الأجور الأساسية وفقا للتوصيف الوظيفي في الجهاز الحكومي والهيئات الاقتصادية والقطاع العام، سوف يوفر الكثير من الأموال التي يمكن أن تستخدم في تمويل إصلاح نظام الأجور عامة.

رابعا: كيف تمول الدولة رفع الحد الأدنى وتغيير نظام الأجور بلا تضخم نظرا لأن الحكومة تعلل منذ سنوات طويلة بعدم توفر التمويل لتغيير الحد الأدنى للأجر، فإنه من المفيد للجميع أن نطرح المداخل الرئيسية لتوفير التمويل الضروري لرفع الحد الأدنى للأجر بدون تضخم، علما بأنه طالما أن هذا التمويل سيتم بالأساس من خلال عمليات إعادة توزيع للدخل، ولن يتطلب أي إفراط في الإصدار نقدي الجديد، وطالما توفرت آليات لحماية المستهلك ولمنع الارتفاعات غير المنطقية في أسعار السلع والخدمات، فإن رفع الحد الأدنى للأجر وتغيير نظام الأجور كلية لن يؤدي إلى اشتعال التضخم، ويمكن تركيز الآليات الرئيسية لتمويل رفع الحد الأدنى للأجر وتغيير نظام الأجور كلية على النحو التالي:

• تحقيق العدالة في توزيع مخصصات الأجور وما في حكمها بين العاملين في الجهاز الحكومي والقطاع العام والهيئات الاقتصادية العامة، من خلال ربط الحد الأدنى للأجر الشامل، بالحد الأقصى. وإذا كانت اعتبارات العدالة تقتضي ألا يزيد أعلى أجر شامل من مختلف الجهات العامة، عن عشرة أضعاف أدنى أجر شامل، فإنه كمرحلة انتقالية من الوضع الفاسد بصورة مروعة والموجود حاليا، يمكن قبول أن يكون أعلى أجر شامل 15 ضعف أدنى أجر شامل. ولو تم الأخذ بهذه القاعدة سيتم توفير عدة مليارات من الجنيهات يمكن توظيفها في رفع الحد الأدنى للأجر بصورة تساعد على تحقيق العدالة التي تشكل أساسا للسلام الاجتماعي وآلية رئيسية للدفاع الاجتماعي الحقيقي، وعاملاً أساسياً في تحفيز العاملين على العمل بجد واجتهاد.

• تطوير أداء القطاع العام والهيئات الاقتصادية ووضع ضوابط صارمة لمنع الفساد فيها، وإخضاعها لرقابة صارمة من العاملين وجمعيتهم العمومية ومجلس إدارتهم المنتخب ونقاباتهم، وايضا من المجالس الشعبية والأجهزة الرقابية، حتى يتحسن الأداء ويكون هناك فائض محول منها إلى الموازنة العامة للدولة يمكن استخدامه في تمويل نظام الأجور الجديد بناء على تحسن قوي في الإنتاج والإنتاجية.

• الجدية في تحصيل الضرائب من كبار الرأسماليين وشركاتهم، حيث أن هناك عشرات المليارات من الجنيهات من المتأخرات الضريبية المستحقة عليهم للدولة، إضافة إلى عمليات تساهل وتغاضي عن تحصيل الجانب الأكبر من الضرائب المستحقة على كبار العملاء الذين لا يدفعون سوى معدلات ضريبية تقل عن 5% في المتوسط بدلا من 20% التي فرضها القانون، وذلك من خلال الوثائق المنشورة في كتاب حديث صدر بعنوان العدالة الضريبية، عن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، علما بأن العاملين بأجر في القطاع الخاص والعام والهيئات الاقتصادية والجهاز الحكومي يتم اقتطاع الضرائب منهم من المنبع، ليصبح الموظفون هم الدافع الرئيسي للضرائب وليس كبار الرأسماليين الأثرياء.

• تعديل قانون الضرائب الحالي لمراعاة قاعدة التصاعد وتعدد الشرائح الضريبية بصورة متناسبة مع المستويات المختلفة من الدخول، كأسس راسخة ومتعارف عليها للعدالة الضريبية في البلدان الرأسمالية، بدلا من القانون الفاسد الحالي الذي يساوي بين كبار الرأسماليين الأثرياء وبين الطبقة الوسطى في معدل الضريبة عند مستوى 20% على كل الدخول التي تزيد عن 40 ألف جنيه في السنة ويظل ثابتا حتى لو وصل دخل الفرد أو ربح الشركة إلى عدة مليارات في العام. ولا يمكن التعلل في تخفيض الضرائب على الشريحة العليا بأن ذلك ضروري لاستنهاض الاستثمارات المحلية وجذب الاستثمارات الأجنبية، لأن الدول الرأسمالية النامية والمتقدمة المعنية بتحقيق نفس الهدف، لديها نظم ضريبية أكثر اعتدالا من النظام الضريبي الفاسد المعمول به في مصر.

ووفقا لبيانات البنك الدولي في تقريره عن مؤشرات التنمية في العالم (2009)، فإن معدل الضريبة على الشريحة العليا للدخل للأفراد خلال الفترة من من عام 2006 إلى عام 2008، بلغ 59% في الدانمرك، و 52% في هولندا، 50% في بلجيكا والنمسا، و 45% في كل من أستراليا وألمانيا والصين وكرواتيا، و 42% في البرتغال، و 41% في سلوفينيا، و40% في كل من شيلي وبولندا وبريطانيا وجمهورية جنوب إفريقيا وفيتنام، و 37% في تايلاند، و36% في المجر، و 35% في كل من الولايات المتحدة والأرجنتين وإيران وتركيا وإندونيسيا وباكستان وكوريا الجنوبية، و34% في فنزويلا.

• فرض ضريبة صغيرة في حدود 0.5% على التعاملات في البورصة كما تفعل غالبية البورصات في العالم. وهذه الضريبة الصغيرة ستوفر نحو 5 مليارات جنيه. وستكون في مصلحة البورصة والمتعاملين فيها لأنها ستؤدي إلى تهدئة سخونة المضاربات وإلى تقليل ما ينزحه الأجانب من أموال من مصر من خلال نشاط طفيلي هو المضاربة التي يسهلها عدم وجود ضرائب على التعاملات. كذلك فإن هناك ضرورة لفرض ضريبة على أرباح المتعاملين في البورصة في نهاية كل عام حيث تتم تسوية المركز المالي للمتعاملين لبيان الخسارة أو الربح، ليدفعوا على صافي أرباحهم ضريبة نسبتها 20% على غرار الضرائب التي يدفعها المستثمرين أصحاب المشروعات التجارية والصناعية، وفرض ضريبة مماثلة على تحويل المستثمرين الأجانب لرباحهم التي حققوها في البورصة إلى الخارج.

• إلغاء الدعم المقدم لشركات الأسمنت والأسمدة والحديد في صورة دعم الغاز والمازوت والسولار والكهرباء التي تستهلكها تلك الشركات. وإلغاء الدعم المماثل الذي تحصل عليه أية شركات أخرى تبيع إنتاجها بالأسعار العالمية، لأنها تحقق أرباحا احتكارية استغلالية ولا يوجد مبرر اخلاقي أو اقتصادي لإعطائها الثروة الطبيعية النفطية أو الغازية المملوكة لكل أبناء مصر بالتساوي بأسعار منخفضة وهي تبيع لهم منتجاتها بالأسعار العالمية أو بأعلى منها في الكثير من الحالات. وهذا الإجراء يمكن أن يوفر ما لا يقل عن 20 مليار جنيه، يمكنها أن تمول جانبا رئيسيا من متطلبات رفع الحد الأدنى للأجر وتغيير نظام الأجور كلية. وكان دعم المواد البترولية وحده قد بلغ وفقا للبيانات الرسمية، نحو 58.6 مليار جنيه عام 2008/2009، وانخفض إلى 33.7 مليار جنيه في موازنة عام 2009/2010، لكنه سيعاود الارتفاع في العام المالي 2010/2011 في ظل صعود اسعار النفط.

• تعديل اتفاقيات تصدير الغاز للدول الأخرى لوضع أسعار عادلة للثروة الطبيعية المملوكة لكل أبناء الشعب بالتساوي. ولو وضعت أسعار عادلة للغاز المصدر لإسرائيل وأسبانيا، فإن ذلك سيضيف قرابة 15 مليار جنيه كإيرادات للموازنة العامة في السنة قابلة للتصاعد مع تزايد أسعار الغاز، وهي أموال تذهب لدعم إسرائيل وأسبانيا، وإحداهما دولة معادية ودخل الفرد فيها أكثر من 11 ضعف دخل الفرد في مصر، والثانية دولة شديدة الثراء ونصيب الفرد فيها من الدخل يبلغ 19 ضعف نظيره في مصر.

• مضاعفة الضرائب على محاجر الأسمنت، لأن الضريبة التي فرضت أخيرا على هذه الشركات، ما تزال ضريبة صغيرة للغاية بالمقارنة مع الأرباح الاحتكارية الضخمة التي تحققها شركات الأسمنت المملوكة في غالبيتها الساحقة للأجانب. ولو تم فرض ضريبة قيمتها مائة وخمسون جنيها على الأقل عن كل طن (150 جنيها) في ظل حقيقة أن التكلفة الراهنة للطن قبل فرض هذه الضريبة تقل عن 210 جنيهات بينما تبيعه الشركات الأجنبية بنحو 550 جنيها محققة أرباحا احتكارية استغلالية دون ان يتم ردعها، فإن حصيلة هذه الضريبة ستكون في حدود 5.5 مليار جنيه في العام.

• مكافحة الغلاء غير المنطقي وأسبابه المختلفة وعلى رأسها الاحتكار الإنتاجي واحتكار الاستيراد، والعمل على تعزيز حماية المستهلكين وأجورهم الحقيقية من خلال توفير الحكومة للسلع المحلية والمستوردة في مجمعات حكومية تدار بشكل كفء ونزيه وتخضع لرقابة شعبية عامة ومحلية صارمة، وتبيع السلع بأسعار معتدلة، بعيدا عن الأسعار الاستغلالية التي يفرضها المحتكرون في مجال الإنتاج والتجارة، بما يضمن أن أي زيادة في الأجور الإسمية سوف تؤدي إلى زيادة في الأجور الحقيقية وفي مستويات معيشة العاملين.

• بالنسبة للعاملين في القطاع الخاص، فإن الإلتزام بالحد الأدنى الجديد للأجر وبتسوية أوضاع العاملين القدامى، سوف يجبر أرباب العمل من الرأسماليين على القبول بمعدلات ربح معتدلة، لكنه لن يعرضهم لأي خسارة، وهو لن يمثل أزمة حقيقية لمن يريد العمل على أساس علاقات عمل عادلة وأخلاقية. وهذا الإلتزام بالنظام الجديد للأجر سيشكل آلية لتحسين توزيع القيمة المضافة في العملية الإنتاجية بين العاملين وأرباب العمل، بكل تأثيراتها الإيجابية على الطلب الفعال وعلى حوافز النمو الاقتصادي المتواصل في الاقتصاد. وبدلا من تضخم ثروات البعض لتصل إلى المليارات وعشرات المليارات، في وقت يعاني فيه العاملين لديهم الذين أداروا عجلة الإنتاج وخلقوا تلك الثروات من شظف العيش، فإن الإلتزام بنظام الأجور الجديد في القطاع الخاص سيحقق درجة من العدالة تتوافق مع روح الدستور ومع ضرورات الدفاع الاجتماعي والسلام والاستقرار في المجتمع.

وعندما يكون إصلاح نظام الأجور قائما على تعديل توزيع القيمة المضافة بين العاملين وأرباب العمل من خلال نظام الأجور ونظم الضرائب، وتعديل توزيع مخصصات الأجور وما في حكمها بين العاملين، فإن هذا الإصلاح لن يضيف أي قوة تضخمية للاقتصاد، طالما لم يتم التمويل من خلال إصدار المزيد من أوراق النقد لتمويل هذا الإصلاح. وستكون الاختيارات المتعلقة بتمويل إصلاح نظام الأجور تعبيرا عن طبيعة موقف الحكومة من قيمة العدالة ومن حقوق العاملين من جهة وموقفها من الطبقة العليا والمحتكرين والنشاطات الطفيلية من جهة أخرى، وموقفها من الضرورات الفعلية لتنشيط الطلب الفعال وحفز الاستثمار والنمو الحقيقي في الاقتصاد كأساس لرفع مستويات معيشة المواطنين في ظل آليات فعالة لتوزيع الدخل بصورة عادلة يأتي في مقدمتها نظام عادل للأجور.

مع خالص تقديري وإلى الأمام دائما لكل العاملين في بلدنا العظيم الذي نفخر بالانتماء إليه والذي سيحقق تقدمه وانطلاقه للأمام بسواعد وعقول أبنائه من خلال العمل والعمل والعدل كقيم عظمى غيرت مصائر الأمم وصنعت مستقبلها.